د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.2 k

عطا الأيوبي نموذج الرئيس السوري الذي تبحث عنه دمشق

7/12/2019

 الرئيس عطا الأيوبي (1877- 1951)، سياسي سوري بارز وهادئ كانت رئاسته للوزارة مبشرة بتولي الوطنيين رئاسة سوريا بالانتخاب، وقد تولى رئاسة الوزارة في 1936 ثم في 1943 ثم جمع بين الرياستين في 1943، أي أنه رأس الحكومة مرتين كانت الأولى ما بين 22مارس1936- 21ديسمبر 1936 في فترة رئاسة الرئيس محمد علي العابد والمرة الثانية عام 1943 بعد وفاة الرئيس الشيخ تاج الدين الحسني، حيث جمع رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الوزراء مؤقتًا ما بين 25 مارس 1943 و17 أغسطس 1943 وذلك وفقا لأحكام الدستور. وقد كانت وزارتا الرئيس عطا الأيوبي مؤقتتين من أجل الإشراف على الانتخابات النيابية، وأفضت رئاسته الأمينة للوزارة في كلتا المرتين إلى فوز الكتلة الوطنية بأغلبية مقاعد البرلمان، فكأنه في المرة الأولى هو الذي أوصل الرئيس هاشم الأتاسي للرياسة فكأنه في المرة الثانية هو الذي أوصل الرئيس شكري القوتلي لرئاسة الجمهورية.

    

تكوينه الدمشقي

كان الرئيس عطا الأيوبي من وجهاء دمشق ومواليدها، وقد أتيح له تعليم متميز حيث درس الآداب والعلوم الإنسانية في المكتب الملكي في إسطنبول أيام الدولة العثمانية وعاد إلى بلاده، وشغل منصب حاكم اللاذقية العثماني، في عام 1908، تولى عطا الأيوبي مناصب وزارية عديدة خلال أواخر الدولة العثمانية ثم الانتداب الفرنسي على سوريا، وعرفت عنه الوسطية والحياد، فقد كانت له علاقات جيدة مع الوطنيين والمعتدلين والفرنسيين في وقت واحد، وبعدها عاد إلى دمشق لكنه ولم يشارك فيما سمي بالثورة العربية الكبرى فيما بين يونيو 1916 وسبتمبر 1918، وخلال الفترة الانتقالية التي تلت خروج الجيش العثماني من دمشق وقبل دخول الجيش العربي للمدينة، كان أحد أعضاء حكومة مدنية من وجهاء دمشق شكلت لتسيير الأمور ودامت أربع أيام فقط، وكان الحكومة برئاسة الأمير سعيد الجزائري.

  

عين الفرنسيون الرئيس صبحي بركات رئيسًا للدولة، فشغل الرئيس عطا الأيوبي في حكومة بركات الثانية منصب وزير العدل

في يونيو 1919 تم انتخاب المؤتمر السوري العام وهو ما يناظر الكونجرس حتى في الاسم، وفي 8 مارس 1920 أعلن استقلال سوريا وقيام المملكة السورية العربية برئاسة الملك فيصل الأول من جانب واحد، أي أنه لم يتم الاعتراف به من المجتمع الدولي خصوصًا فرنسا وبريطانيا، في آخر حكومات المملكة السورية العربية تم تعيين عطا الأيوبي وزيرًا للداخلية، وقد شكلت تلك الحكومة بعد معركة ميسلون في 26 يوليو 1920، واستمرّ في منصبه خلال حكومة الألشي حتى 1922، وخلال تلك المدة الطويلة تمكن الرئيس عطا الأيوبي من إنفاذ عدد من القرارات الهامة جمع السلاح من المدنيين وإدخال نظام "تعويضات غلاء المعيشة" وتشغيل السجناء مقابل أجرة، وإدخال أدوات مقاومة للحريق في هيئات الدولة وغيرها من المشاريع الهامة. وبعد قيام الاتحاد السوري في 28 يونيو 1922 عين الرئيس عطا الأيوبي وزيرًا للعدل في وزارة صبحي بركات الأولى كما عينه هنري غورو عضوًا في المجلس الاتحادي، وهو برلمان الاتحاد المسؤول عن إدارة شؤونه العليا وانتخاب الرئيس، وذلك بصفته ممثلاً عن دولة دمشق، وقد مثل دمشق إلى جانبه كلاً من محمد علي العابد وفارس الخوري.

  

الوحدة بين دمشق وحلب

وفي 1 يناير 1925 تم حلّ الاتحاد السوري وأعلنت الوحدة بين دولتي دمشق وحلب، وعين الفرنسيون الرئيس صبحي بركات رئيسًا للدولة، فشغل الرئيس عطا الأيوبي في حكومة بركات الثانية منصب وزير العدل، مستمرًا في أداء مهامه السابقة، وقد اندلعت خلال فترة هذه الوزارة الثورة السورية الكبرى التي قمعها الفرنسيون بضراوة وشكلت على إثرها محاكم استثنائية، وأعلنت حال الأحكام العرفية في البلاد، كذلك فقد أصدر وزير العدل قرارًا آخر ينصّ بمصادرة أموال المحكوم عليهم في المحاكم الاستثنائية لمصلحة الدولة، لكن هذه الإجراءات لم توقف الثورة، فلجأ الفرنسيون إلى قصف دمشق بالمدفعية والطائرات، ولم تتوقف الثورة لا في دمشق ولا في سائر المدن السورية، واستدعي المفوض الفرنسي سراي إلى بلاده ثم أنهيت رئاسة صبحي بركات للاتحاد وعهد إلى أحمد نامي تشكيل الحكومة فألفها في 2 مايو 1926، ولم يكن عطا الأيوبي من أعضائها، وكانت تلك أول وزارة لا تضم الرئيس عطا الأيوبي منذ 1920. ولم يتول الرئيس عطا الأيوبي أية مسئولية وزارية خلال عهد أحمد نامي (1926 - 1928) وعهد تاج الدين الحسني (1928 - 1931) مبتعدًا بذلك عن المساجلات القائمة بين المعتدلين والوطنيين.

  

وفي عام 1932 أجريت أول انتخابات نيابية في سوريا وأدت إلى فوز محمد علي العابد برئاسة الجمهورية وتكليف حقي بك العظم رئاسة الوزارة، ومكث العظم في رياسة الوزارة حتى 17 مايو 1934 شكل خلالها وزارتين، ثم شكل الشيخ تاج الدين الحسني الوزارة الثالثة في عهد العابد، وأسند للرئيس عطا الأيوبي لأيوبي مهمة وزارة العدلية غير أن عمر هذه الحكومة كان قصيرًا ولم يتجاوز ثمانية أشهر، وقد تخللت عهدها مظاهرات عدة مناوئة للانتداب ومطالبة بالوحدة والاستقلال قادتها الكتلة الوطنية.

  

وزارة الأيوبي بعد الإضراب الستيني والميثاق الوطني

تفاقمت الاحتجاجات بعد وفاة إبراهيم هنانو وإعلان "الميثاق الوطني" في الاحتفال بذكرى الأربعين لوفاته، وما لحق هذه المناسبة من مظاهرات واضطرابات عرفت باسم "الإضراب الستيني" وأفضت إلى ميلاد تفاهم بين سلطة الانتداب والكتلة الوطنية، تم بموجبه تشكيل حكومة محايدة تشرف على الانتخابات النيابية، فاستقالت حكومة الشيخ الرئيس التاج الحسني في 23 فبراير 1936، وعهد الرئيس محمد على العابد إلى الرئيس عطا الأيوبي بتشكيل الحكومة، فقد كان حائزًا على الثقة العامة وحياديًا رصينًا كما جمع بين ثقة الكتلة الوطنية وسائر الأحزاب الأخرى؛

وفي أثناء عهد هذه الوزارة

  • سافر الوفد الوطني في مارس 1936 إلى باريس وبعد ستة أشهر توصل مع قادتها لمشروع اتفاقية الاستقلال والسلم والصداقة بين سوريا وفرنسا.
  • عودة جبل الدروز ودولة جبل العلويين إلى الوحدة السورية في 5 ديسمبر 1936.
  • الانتخابات النيابية التي أدت إلى فوزالكتلة الوطنية الساحق بأغلبية مقاعد مجلس النواب، وكانت ثالث انتخابات تجرى في البلاد.
 
عاش الرئيس عطا الأيوبي في هدوء بعد المناصب الكبرى التي تولاها، في بيته في دمشق، وفيها توفي عام 1951، وأطلق اسمه على أحد أهم شوارع العاصمة دمشق

لكن وزارة الرئيس عطا الأيوبي واجهت أزمة تدهور قيمة الفرنك الفرنسي بشكل كبير ما أدى إلى خسارة البلاد عشرات الملايين من الليرات المرتبطة بالفرنك، في 21 ديسمبر 1936 افتتح المجلس النيابي المنتخب أعماله، وانتخب فارس الخوري رئيسًا له، وفي الجلسة نفسها قدم الرئيس العابد استقالته قبل ستة أشهر من نهاية ولايته الدستورية، فانتخب رئيس الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية، ما يعني وفق الأعراف الدستورية، استقالة حكومة الرئيس عطا الأيوبي، فكلف الرئيس الجديد أي هاشم الأتاسي زميله الرئيس جميل مردم بتشكيل وزارة جديدة من أنصار الكتلة باعتبار أن الكتلة هو الحزب الفائز بالانتخابات.

 

وفي أواخر عام 1939 استقال الرئيس هاشم الأتاسي وعطل العمل بالدستور وتشكلت حكومة مديرين برئاسة الرئيس بهيج الخطيب بعد أزمة سياسية حادة واندلاع الحرب العالمية الثانية، واستمرت حكومة الرئيس الخطيب حتى 1941 حين شكلت حكومة مؤقتة برئاسة الرئيس خالد العظم ثم عهد إلى الشيخ الرئيس تاج الدين الحسني برئاسة الجمهورية بالتعيين مع عودة الدستور وتم الاعتراف "باستقلال سوريا" ريثما تهدأ الحرب لتنظيم انتخابات نيابية، وكانت هذه الخطوات محاولة لإرضاء السوريين من قبل ما عرف بحكومة فرنسا الحرة وذلك في مواجهة حكومة فيشي الموالية للمحور.

 

وفي يناير 1943 توفي رئيس الجمهورية فأصبح رئيس الوزارة جميل الألشي رئيسًا مؤقتًا للجمهورية وفق أحكام الدستور، غير أن عهده لم يطل ففي 25 مارس 1943 قرر المفوض الفرنسي الجنرال كاترو القفز فوق الدستور وأنهى حكومة الألشي وكلف عطا الأيوبي بتشكيل حكومة مؤقتة، ويقال إن هذا كان بسبب تدخل بريطانيا في السياسة السورية ودعمها مطالب الشعب بالاستقلال وتحالفها مع الكتلة الوطنية.

 

اتفاق الفرنسيين مع الوطنيين وتشكيله الوزارة

ومنعًا لتحول الصداقة بين الكتلة وبريطانيا إلى تحالف وثيق يطيح بمصالح فرنسا، عقد المفوض الفرنسي الجنرال كاترو اتفاقًا مع زعماء الكتلة الوطنية يقضي بتأليف حكومة مؤقتة تمهد لانتخابات نيابية تهدف إلى عودة الحياة السياسية الطبيعية إلى البلاد، بدلا من الحكومة التي كانت قائمة حينها والتي كانت حكومة انتدابية بامتياز، فكان لا بدّ من حكومة حيادية تنال رضا الشعب والكتلة الوطنية من ناحية الانتداب والمعتدلين من ناحية ثانية، وهكذا أصدر المفوض الفرنسي الجنرال مرسومًا يوم 25 مارس بتكليف عطا الأيوبي رئاسة الدولة والحكومة، فألف الأيوبي وزارته في اليوم نفسه، من ثلاثة وزراء، بالإضافة إلى شخصه، وقد جمع لنفسه إلى جانب رئاسة الوزارة وزارة الداخلية والدفاع الوطني، وفي يونيو 1943 أجريت الانتخابات وأعلنت نتائجها في 7 أغسطس بفوز الكتلة الوطنية، وفي 17 أغسطس انتخب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية، فاستقالت الحكومة وفقا للدستور، وتشكلت وزارة برئاسة سعد الله الجابري في 19 أغسطس 1943، وباستقالة وزارته الثانية، انتهت الحياة السياسية للأيوبي.

 

تكريم الأيوبي

وقد كرمته الدولة السورية في عهد رئاسة الرئيس شكري القوتلي بعد الجلاء في أبريل 1946 نظرًا "لخدماته التي قدمها في خدمة الدولة السورية".  عاش الرئيس عطا الأيوبي في هدوء بعد المناصب الكبرى التي تولاها، في بيته في دمشق، وفيها توفي عام 1951، وأطلق اسمه على أحد أهم شوارع العاصمة دمشق، ويحوي الشارع القصر الذي كان الأيوبي يمتلكه، وصف المؤرخ حسين حمادة الرئيس عطا الأيوبي، بأنه كان ماسونيًا ورئيس «المحفل الأكبر السوري». كما وصفه بأنه كان «مواليا مخلصا لفرنسا" رغم تصنيفه مع «الوطنيين المعتدلين».

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة