محمد التميمي
محمد التميمي
487

لبنان كما لم نعرفه من قبل!

11/12/2019

"إن مطلب إلغاء الطائفية السياسية، وجعل لبنان كله دائرة انتخابية واحدة ليس محل إجماع بين المطالبين بالتغيير"، بهذه العبارة وصف الأمين العام لحزب الله اللبناني (حسن نصر الله) رؤيته للحراك اللبناني، وفي خِضَمِّ المظاهرات المطالبة بالتغيير في لبنان والتي بدأت منذ 17 أكتوبر الماضي، وما زالت مستمرة حتى الآن، ما الذي دفع نصر الله لقول ذلك! ولماذا قد نستغرب هذا التصريح؟! إذ من المعروف للجميع، وللقاصي والداني أن لبنان بلد طائفي بامتياز، لكن لمَ لا نسأل أولًا: كيف بدأت الطائفية؟ وما الذي نعرفه عن تاريخها؟ بل و عن لبنان أصلًا؟

اشتُهر لبنان بـ"سويسرا الشرق الأوسط"، لكنه ظل دائما وحتى وقت قريب جدًا ساحةً دائمة للحروب بالنيابة، غير أن القليل من يعرف حقيقة هذا البلد الغني أصلا بتاريخه وحضارته ودوره الفاعل في مجريات الأحداث في الوطن العربي والإسلامي، ولأننا لن نستطيع فهم أي شيء دون استعراض تاريخيّ على الرغم من التعقيد الشديد الذي وجدتهُ في الحالة اللبنانية، إلا أنه من المهم لنا ذلك لنصل ولو قريبا لفهم واستيعاب مجريات الأحداث، وكيف تكوَّنت بحيث تم زرع جسم غريب -وهو "الطائفية"- في بُنية لبنان حتى يظن الجميع أنها جزء لا يتجزأ من تاريخها بل ومن حل مشاكلها أيضًا، أُشير هنا إلى الكتاب الذي ألفه الباحث (فوَّاز طرابلسي) بعنوان "تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف" والذي صدر عام 2007 م.

كانت الطائفية هي الحل لاستقرار لبنان بعد تلك الحرب الأهلية.. لكنها لم تعد كذلك بل أصبحت عبئًا جاثمًا على اللبنانيين أنفسهم، والذين رفعوا شعارهم "كلن يعني كلن" في أول يوم من ثورتهم

يقول طرابلسي: "إن التكتلات الطائفية التي تواجهنا اليوم لم تتشكل إلا في منتصف القرن التاسع عشر. هذه الطوائف لم تتحد سياسياً تحت قيادة زعيم أو زعيمين – كما هو حاصل الآن – إلا منذ منتصف القرن العشرين. في الماضي لم يكن هناك وجود لهذا التجانس، كما لم يتمتع الزعماء الدينيون بمثل هذه السلطة. على العكس، لقد كانوا علمانيين حتى عام 1850 تقريباً".

على أيَّة حال.. لم تكن الطائفية هي السمة الوحيدة المميزة في لبنان، بل كانت الذريعة للاستعمار الفرنسي -أو الاحتلال الفرنسي لتعبير أكثر مصداقية- من حيث إضفاء شرعية احتلاله لسوريا وليتسنى له التدخل في لبنان باسم حماية الأقليات الدينية من سطوة وظلم الأغلبية السُّنِّية، وهذا الاستعمار على بشاعته لم يكن أكثر شناعة مما حدث في لبنان بعد ذلك بأيدي اللبنانيين أنفسهم، فهل حدث كل ذلك بسبب الطائفية أم أنَّ للحرب الأهلية التي استمرت 15 عشرَ عامًا أسودًا أسباباً أُخرى؟!

علينا قبل كل شيء أن نضع في الحسبان موقع لبنان الجغرافي وحدوده السياسية التي وضعته في مرمى صراعات أجنبية بدأها الاحتلال الصهيوني،و تهجيره للفلسطينيين ومن ثم نزوحهم إلى لبنان،وعلى مرَّ تاريخ القضية الفلسطينية وحتى وقتنا الحالي، استغل هذا الأمر في خدمة الأجندات السياسية والاقتصادية والطائفية أيضًا.. أسوأ استغلال، وليس لخدمة القضية والدفاع عنها كما يدَّعون، وكما كنا نسمع من خلال التصريحات الرسمية والخطابات الحماسية! فكيف استمر ذلك؟! ومن أين بدأت القصة؟

اندلعت الشرارة الحقيقية للحرب الأهلية اللبنانية يوم 13 أبريل/نيسان 1975 عندما قام مجهولون -في حادث غامض- بإطلاق نار أودى بحياة عنصرين من الكتائب، ولأن "حزب الكتائب اللبنانية" برز كحزب قومي يميني وكانت فكرته مستوحاة من الأحزاب الفاشية الأوروبية ومن أهمها الحزب النازي الألماني، فلك أن تتخيل لماذا قام هؤلاء "المجهولون" باستفزازه؟ ولمن كانت المصلحة في ذلك؟ ردًا متوقعًا على ذلك، قامت مليشيات حزب الكتائب بإطلاق النار على حافلة كانت تقل فلسطينيين أثناء عودتهم إلى مخيم تل الزعتر من مهرجان سياسي في مخيم شاتيلا غربي بيروت، مما أدى إلى مقتل 27 فلسطينيا.

لكن لماذا وجه حزب الكتائب نيرانه نحو الفلسطينيين مع أن مطلقي النار كانوا "مجهولين"؟! مع انتشار هذا الخبر الذي عُرف بـ"حادثة البوسطة"، اندلعت الاشتباكات بين المليشيات الفلسطينية والكتائبية في أنحاء المدينة. وفي 6 ديسمبر/كانون الأول من عام (1975) عُثر على أربعة جثامين لأعضاء من حزب الكتائب في بيروت، فقامت المليشيات المسيحية بقتل المئات من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين بناء على بطاقات الهوية (التي كانت آنذاك تُدّون مذهب حاملها) وعرف لاحقا بـ"السبت الأسود".

وفي 18 يناير/كانون الثاني 1976، قامت المليشيات المسيحية باقتحام منطقة الكرنتينا ذات الأغلبية المسلمة -وكان يسكنها أكراد وسوريون وفلسطينيون- فقتلت حوالي 1500 منهم، وردت المليشيات الفلسطينية بقتل مئات المسيحيين في منطقة الدامور. أدت هاتان الحادثتان إلى هجرة جماعية للمسلمين والمسيحيين. وانقسمت بيروت إلى منطقتين عرفتا بـ"المنطقة الشرقية" وأغلب سكانها مسيحيون ومحاطة بمخيمات الفلسطينيين، و"المنطقة الغربية" التي كانت مختلطة، لكن الأكثرية مسلمون، وسُمي الخط الفاصل بين المنطقتين "الخط الأخضر".

وفي يونيو/حزيران 1976، طالب الرئيس اللبناني (سليمان فرنجية) سوريا بالتدخل لحماية المسيحيين، فدخلت القوات السورية ومكّنت المليشيات المسيحية من اقتحام دفاعات مخيم تل الزعتر وقتلت أعداداً كبيرة من الفلسطينيين، مما أثار غضب العالم العربي ضد سوريا. كانت هذه البداية للتدخل السوري في لبنان والذي امتد حتى 2005 رسميّا، واستمر عبر الأدوات والوكلاء حتى وقتنا الحالي.


بعد قرابة عشر سنوات في مايو/أيار هاجمت "حركة أمل" الفلسطينيين في مخيميْ صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، فاشتعلت "حرب المخيمات" ما بين 1985-1986. حركة أمل والتي يرأسها حتى هذه اللحظة (نبيه بري) والمنتمية للطائفة الشيعية في لبنان، وهي كما المعروف حليف رئيسي لحزب الله اللبناني الذي يرفع شعار "المقاومة" ضد إسرائيل والصهيونية، ولك أن تتخيل المجازر الفظيعة التي افتعلتها بكل وحشية غادرة بالتعاون مع حزب الكتائب، بل والأدهى والأمَرْ أنها نسَّقت مع الجانب الإسرائيلي هجومها الوحشي والعرقي، وبعيدا عن الدوافع التي قِيلت لتبرير تلك المجزرة من أن الجبهة الشعبية للتحرير الفلسطينية كانت تستغل الأراضي اللبنانية في إطلاق هجماتها على إسرائيل، لا شيء يمنحك حق قتل البشر والتعاون مع عدوك الأول -كما تزعم ذلك- في تحقيق مجزرة مخزية بهذا الشكل.

على أيّة حال وبعد هذه الحرب الطويلة، عُقدَ مؤتمر في 30 سبتمبر/أيلول بحضور 62 نائباً لبنانيا من الأحزاب الرئيسية المُتقاتلة: حركة أمل، والحزب التقدّمي الاشتراكي، والقوات اللبنانية، وحزب الكتائب. ومن أخطر النتائج التي ترتبت على هذه الحرب التهجير والفرز الديني والمناطقي، وقد قُدِّر عدد ضحاياها بـ 150 ألف قتيل و300 ألف جريح ومعوق، و17 ألف مفقود. وهجّر بسببها أكثر من مليون نسمة في بلد كان عدد سكانه ثلاثة ملايين، ونزح نحو 600 ألف شخص من 189 بلدة وقرية مسيحية وإسلامية، أي ما يعادل 21.8 بالمئة من مجموع السكان. وقَّع المجتمعون على وثيقة اتفاق الطائف التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية، وتم بموجبها تفصيل كيانات سياسيِّة على حسب الطوائف لتنتقل الحرب من الأرض وتبدأ حرب المقاعد النيابية والمحاصصات السياسية لأمراء تلك الوثيقة.

في الحقيقة كانت الطائفية هي الحل لاستقرار لبنان بعد تلك الحرب الأهلية.. لكنها لم تعد كذلك بل أصبحت عبئًا جاثمًا على اللبنانيين أنفسهم، والذين رفعوا شعارهم "كلن يعني كلن" في أول يوم من ثورتهم، داعين لإسقاط كل تلك التكتلات السياسية التي حكمت لبنان لعقود، وأنهكت الدولة اقتصاديًا والشعب معيشيًا من خلال الضرائب التي تفرضها الحكومة تِباعا حتى وصلت لتطبيق (واتس آب) المجانيِّ أصلا، تلك الضرائب التي استوعب اللبنانيون أنها في خدمة الطبقة السياسية الحاكمة وحدها، وصار عليهم لزامًا أن يدعوا الطائفية واتفاق الطائف جانبًا.. ويبدؤا في خطِّ عهدٍ جديدٍ يقوم على أساس الوطن والمواطنة.. لكن هل من الممكن تحقيق ذلك؟

الفقر والجوع وسوء الأوضاع المعيشية في أي مكان كان أو في أي بلد كان، لا يعرف طائفة ولا حزب، وهذا ما جعل الثوار في لبنان يتركون أحزابهم وطوائفهم التي ينتمون إليها ويشاركون جميعا تحت سقف واحد، وقد يسعنا القول: أنه وكما ثار اللبنانيون سَّنة ومسيحيون ودروزاً وشيعة معاً عام 1820 ضد السياسة الضرائبية الظالمة التي فرضها بشير الثاني وقت ذاك.. فهم الآن يفعلون، لكن يجب عليهم الحذر من كل الدعوات التي تهدد الطوائف جميعها بعقيدتهم، متناسين حقيقة أن كل تلك الطوائف كانت تعيش وما زالت جنبًا إلى جنب بكل اختلافاتهم العقائدية، وجاءت هذه الثورة بكل تداعياتها لتثبت لهم ولنا جميعا ذلك.

كل ما يجب على اللبنانيين فعله الآن هو عدم القبول بأنصاف الحلول، والتوحُّد تحت قيادة ثورية جديدة بعيدة عن تلك الأحزاب السياسية القديمة.. وإلا ستركب الثورة رموزاً قديمة وكأنها هي من أنتجت الحراك وساهمت فيه.. وكأن ثورة قامت لنبذ الطائفية لم تكن.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصادر:
- تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف (فواز طرابلسي)
- الجزيرة نت

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة