أحمد أبو محسن
أحمد أبو محسن
115

المدينة التي تنسج من الألم كرامة

11/2/2019

حكاية تتجدد على الألسنة كل يوم، أبطالها يتساقطون من حين لأخر، لكن على الجانب الاخر تبدأ وولادة أبطال اخرون يسيرون خلف نهج أسلافهم، لا تميز بينهم لأنهم خلقوا من رحم مدينة ما زالت تعاني كل حدب، وظهرها ما زال منهمكٌ من سياسية الاحتلال الإسرائيلي.

   

حصار مستمر منذ أكثر من ثلاثة عشر سنة من قبل الاحتلال الذي يعذب أهالي قطاع غزة، لانها ارتكبت جرم المقاومة ولم تتصف بالهدوء، فكانت النتيجة أنها قابلت ذلك بعذاب لا ينتهي إلا بنهاية المحتل الذي يستمتع في القتل والاذلال وقطع الأرزاق والاعتقال وفرض عقوبات، لكي تُرغم غزة على أن تعود لوعيها الذي يلخص بأن تكون صامتة وراضية، لكن لم يعرفوا أن الصمود يعذب المحتل ويصيبه بالجنون، هذا نهج غزة.

   

فسياسة الاحتلال في الاذلال تنوعت، من خلال إغلاق المعابر شريان القطاع، فمن خلالها تدخل جميع الاحتياجات التي يستمتع بها العالم بينما سكان غزة يحلمون بها، هي سياسة تجويع وضغط لا أكثر يحاول من خلالها جعل الأهالي يلعنون الحياة ألف مرة في غزة واللجوء إلى الهجرة أو الموت قهراً.

   

مسيرات العودة الكبرى نجحت بعض الشيئ في كسر الحصار والتخفيف عن أهالي القطاع من خلال المنحة القطرية والتي بلغت قيمتها خمسة عشر مليون دولار

رغم ذلك لم نعهد غزة على الصمت والخنوع، تجابه المستحيل من أجل كرامتها، تقاوم حتى آخر نفس فيها، تكسر من لا يُكسر، فلجئت إلى شيئا يجعل الاحتلال يندم على كل هذا، فصنعت مسيرات العودة الكبرى التي أعادت للقضية الفلسطينية هيبتها من جديد في المحافل الدولية، تحقيقاً في كسر الحصار.

  

فمنذ انطلاق مسيرات العودة الكبرى في غزة والتي برزت لعدة أهداف تنوعت ما بين عودة القضية الفلسطينية وحق العودة للفلسطينيين إلى أجندة السياسة الإقليمية والدولية، والتسبب بإحراج إسرائيل في الساحة الدولية، ويذكر أن الفلسطينيين نجحوا بتصوير جيش الاحتلال وهو يطلق النار ليقتل ويصيب 1400 فلسطيني في يوم واحد، وبشكل فعلي قتلت قوات الاحتلال في أسبوع واحد 22 مواطنا وجرحت نحو 1500 في جرائم وصفت بأنها مفرطة للقوة.

 

وما بين إعادة طرح الموضوع المهم وهو حصار غزة والأزمة الإنسانية فيها من جديد على صدارة الاهتمام العالمي، ووضع المزيد من العقبات أمام صفقة القرن للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتحويل حدود غزة الشرقية والجنوبية والشمالية لمراكز احتكاك جديدة بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي.

 

مسيرات العودة الكبرى نجحت بعض الشيئ في كسر الحصار والتخفيف عن أهالي القطاع من خلال المنحة القطرية والتي بلغت قيمتها خمسة عشر مليون دولار، والتي من المفترض أن تصرف من أجل إعطاء الرواتب لموظفي غزة، واستغلالها في المشاريع التي تخدم المواطن الغزي وتفتح له باب رزق يعتاش عليه حتى يهدأ من روع الحياة المثقلة على كاهله.

 

لكن في الفترة الأخيرة شهدت الساحة الغزية تطورات لم تنل اعجاب المواطن الغزيّ ليصف الكاتب والمحلل السياسي "عدنان أبو عامر" الحالي بهذه الكلمات على صفحته في فيسبوك ناشراً "فمجازر السلطة الفلسطينية بقطع رواتب الموظفين؛ وحجب مستحقات أسر الشهداء والأسرى والجرحى؛ وسواها من العقوبات الجائرة التي تتجاوز البعد المالي، لتضرب على الوتر الاجتماعي. لكن الوضع في غزة سياسي بامتياز، وإن كان له غطاء اقتصادي معيشي، لكن استمرار الجمود السياسي إلى ما لا نهاية يعني انفجارا وشيكا نتائجه كارثية، لنخرج من الموت البطيء بالحصار والمعاناة إلى الموت السريع بالقصف والنار، مما يتطلب من حماس دراسة خياراتها، على ضيقها، بعقل بارد، ومشاركة جماعية، والابتعاد كلياً عن تقديس الأمر الواقع، والركون إليه تحت ذرائع شتى.

 

لم تنتهي مصائب غزة إلى هنا، بل كان الانقسام الفلسطيني مشاركاً الحالة التي وصلنا بها إلى هنا، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يتوانى لحطةً في ضرب قطاع غزة عدة لكمات أوجعتها مراراَ، فقطع الرواتب من جهة والتقليل من شأن غزة في عدة محافل، واهمالها في تشكيل الحكومة الجديدة، ورمي المسؤولية على حركة حماس بإعتبارها الفصيل الحاكم، لكن حماس لا حول لها ولا قوة مع انعدام الدعم العربي لها، فهي الان تبحث على ظهر يسندها من أجل تيسير حالة القطاع وعدم الجز به إلى وضع لا يسر الناظرين.

 

غزة في مرحلتها هذه انعطفت في منعطفات لا نهاية فيها أبداً، بدءاً من الاحتلال الصهيوني من جهة وحلفاءه العرب الذين وقعوا في مصيدة التطبيع ومن جانب آخر الغرب الذين اشترتهم "إسرائيل" خصوصاً بعض الدول الأوروبية وغيرها من دول العالم، فغزة ومنذ بداية الانتداب البريطاني إلى هذا الوقت والسياسية المتعامل معها لا تتغير وان اختلفت الطرق لكن التكتيك ما زال يتبعه الاحتلال الإسرائيلي في جمع الكل تحت جناحه من خلال دعم الولايات المتحدة الأمريكية لأجندة تصب في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي الذي يستلذ في ظل حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتطبيع الجميل مع العرب.

 

لكن في سياق آخر ما زالت قوة المقاومة الفلسطينية تتضاعف في القطاع رغم قلة الإمكانيات لكن" قليل دائم خيرٌ من كثير منقطع" ، وأيضا لعب تقلصّ الدعم المالي من جانب الدول التي تبديّ دعمها لهم رغم اختلاف النوايا في اضطراب المقاومة، مما لجئت كتائب القسام الجناح المسلح لحركة حماس إلى عملة "البتكوين" لدعم الجهاز العسكري بالأموال حتى يستعيد قوته المادية، لذلك ناشدت مؤيديها في العالم إلى تقديم الدعم المالي لها من خلال عملة "بيتكوين" الرقمية، الباب أمام صراع جديد مع الاحتلال الإسرائيلي الساعي لتجفيف منابع التمويل للمقاومة الفلسطينية.

 

ومع كل هذا يبقى هذا السيناريو جاثماً على القطاع، احتلال يحاول أن يستنزف طاقة الشعب ويستغلها ضد المقاومة وحماس، وما بين استمرار النضال الشعبي بكافة الوسائل لكي تبقى راية الكرامة عاليًة رغم كل شيئا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة