محمد صلاح حسين
محمد صلاح حسين
885

هل يقع الشباب السوداني في أخطاء الربيع العربي؟

11/2/2019

يقول عبد الإله بلقزيز في كتابه ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل لم نردك إلا متأخرين أن الملايين من الشباب العرب ليسوا من جمهور روتانا وأشبهاها ولا ممن استلبتهم منافسات كرة القدم ولا ممن يشمئزون من عادة القراءة ولا ممن يعزفون عن الاهتمام بالشأن العام انما كان في جملتهم شباب طليعي واع ومثقف وذلك الذي رأيناه في شارع الحبيب بورقيبة وميدان التحرير وساحة التغيير وباب الحد وسواها من الساحات والميادين. 

حالة الإعجاب المشوبة بالتفاجئ في ما خطه المحلل المغربي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة على ما يبدو فبداية من اندلاع شرارة الربيع العربي على جسد التونسي البوعزيزي ثم انتشرت لتعم أغلب ربوع القطر العربي فتتسلل منها إلى مصر ثم اليمن ثم سوريا وليبيا إلا أنها لطالما شكلت حالة من المفاجأة في وجوه الأنظمة الشمولية العربية الواحدة تلو الأخرى وجعلتها في حالة أقرب ما تكون إلى عدم التصديق وهي التي لطالما لم تعر الشباب العربي أدنى حد من الاهتمام معتبرة إياه جيلا ضعيفا باهتمامات محدودة بعيدة كل البعد عن الواقع السياسي لوطنه الأم أو حتى على الشكل الدولي أو الإقليمي.

الشباب وبذرة المشكلة
ركزت الجحافل الشبابية على إسقاط النظام كمطلب أول لم ترتكز على حيثيات وتسلسل تتابعي لما بعد ذلك السقوط من انتقال للسلطة فوقعت فريسة سهلة لأحزاب تقليدية متمرسة سياسيا سرقت الثورة

في بعض بقاع الأرض على شاكلة دول الاتحاد الأوروبي تتفاقم مشكلة من نوع اّخر وتتعالى فيها النداءات والتحذيرات نتيجة لشيخوخة المجتمع الأوروبي التي تلوح في الأفق فها هي ألمانيا أحد الدول الأوروبية الأكثر تهديدا بواسطة شبح الشيخوخة فها هو المكتب الفيديرالي الألماني للإحصاء يفيد بأن الكتلة الشبابية بعمر مقدر 15 عاما فأقل 16 بالمئة فقط وإذا استمر هذا المعدل فسينكمش سكان ألمانيا إلى ما بين 65 و70 مليوناً بحلول العام 2060 إلى 65 مليوناً من عدد سكان يبلغ حاليا زهاء الـ 80 مليونا أمر جعل الحكومة الألمانية ترحب بموجة النزوح الأخيرة بصدر رحب محاولة تفادي حاليا الانكماش السكاني وتجديد روح الشباب والمحافظة على الأيدي المنتجة والعاملة بينما حذت بعض الدول الأوروبية حذوها لتنتقل حتى اليابان شرقا بعد وصول شبح الشيخوخة إليها.

خلافا لما سبق من شبح الشيخوخة ونقص في الكتلة الشابة تتمتع الأوطان العربية بمعدلات ضخمة للكتلة الشبابية تتعدى النصف في عدد من الدول بينما يقع المتوسط الحسابي للأعمار من بين 14 إلى 29 ما يتعدى الثلث من سكان الوطن العربي بينما تتمتع الأغلبية منهم بمستويات ومعدلات أكاديمية متوسطة ومقبولة بينما للأسف تكمن أعلى معدلات للبطالة في الوطن العربي فوفقا لمنظمة العمل الدولية كانت الدول العربية هي المنطقة الوحيدة التي بلغت فيها البطالة 30 بالمئة من البطالة في العالم فينما بلغت في بلد كاليمن 60 بالمئة حتى وصولا إلى الجزائر بـ 12 بالمئة. أمر يبدوا جلي الملامح واضح المعالم ففي منطقة تتمتع بأكبر كم من الكتلة الشابة وفي تناقض مخجل تقبع فيها أكبر كتلة للعطلة في العالم كان لا بد للشباب من التململ فخرجت ثورات الشباب العربي التي كانت شبابية بامتياز وكان الظهور الشبابي فيها هو المكون المشترك بين كل تلك الثورات في جميع الأقطار العربية المختلفة.

 

خيبات الربيع العربي.. أين أخطأ الشباب؟

بدأ الربيع العربي شبابيا بامتياز مما أكسبه زخما وعنفوانا كان جلي المعالم فأطاحت الثورة الشبابية سريعا في تونس بزين العابدين الذي ولى هاربا سريعا في وقت قياسي مما أكسب الشباب طموحا وطمعا جديدا بالتغيير فتبعت تونس الكثير من الأقطار العربية أولها مصر التي نجح شبابها في إسقاط نظام حسني مبارك أيضا في فرحتين عربيتين كبيريتين جعلت بقية الأقطار العربية تحذوا حذو التجربة التونسية والمصرية ولكن للأسف لم يكن الوضع في اليمن وليبيا ومن ثم سوريا بذات الحظ في ظل أنظمة شمولية ديكتاتورية.


يمكن تقسيم أخطاء الحراك الثوري الشبابي إلى بعد الفهم السياسي والدولة العميقة والتركيبة المعقدة لها فبينما ركزت الجحافل الشبابية على إسقاط النظام كمطلب أول لم ترتكز على حيثيات وتسلسل تتابعي لما بعد ذلك السقوط من انتقال للسلطة فوقعت فريسة سهلة لأحزاب تقليدية متمرسة سياسيا سرقت الثورة وامتطت عنانها وبين انقلابات مضادة للدولة العميقة التي لم يغسلها طوفان الثورة واكتفى بإزاحة قشورها الخارجية المتمثلة في رأس النظام بينما بقيت دولته العميقة التي بنتها الأنظمة الشمولية الديكتاتورية بسلاح التمكين والفساد ليتحول النظام لا لنظام حاكم بأيدولوجية مستبدة تبتغي السلطة لحد ذاتها بل بجحافل من المنتفعين المحيطين بالنظام المهددين بغياب مصالحهم حال غياب النظام غلطة وإن كانت كارثية.

فقد كانت نتاجا لإقصاء الشباب الذي لم يكن في غالبه ينتمي لأي حزب سياسي والغير متمرس سياسيا وهو اقصاء متعمد من قبل الأنظمة الشمولية التي كانت تهدف إلى ابقاء الشباب في خانة البحث عن قوت اليوم أو وسائل الترفيه العديدة بعيدا عن السياسة وأغوارها. ثاني تلك الأخطاء هي اندفاع الشباب بحماسه إلى سلاح العمل المسلح بعيدا عن سلاح السلمية فنجحت الأنظمة الشمولية الديكتاتورية في جر الحراك الذي بدأ في أغلبه سلميا في سوريا واليمن وليبيا إلى عمل مسلح يتمتع فيه النظام الحاكم بأفضلية واضحة وساحقة بالإضافة لجره لمستنقع العنف واستخدام الالة الإعلامية في تخوين الحراك الشعبي ووسمهم بالمخربين وهو ما افقد الحراك الشعبي كثيرا من التعاطف المحلي والشعبي بل وحتى العالمي بينما كان بالأولى الضغط على الأنظمة الديكتاتورية بالعمل السلمي وتفويت الفرصة على الأنظمة الديكتاتورية في ادعاءاتها المعهودة بالخيانة والتخريب والتدمير.

السودان حراك شبابي جديد
خرج البشير منددا بالحراك وواصفا إياه بمحاولة لاستنساخ الربيع العربي بينما سخر من الحراك واصفا إياه بحراك الفيس بوك والواتس أب

ليس بعيدا عن وسطه العربي انطلقت التظاهرات السودانية في خواتيم العام المنصرم لتستمر حتى الآن على إلى ما يقارب الشهرين وفي بلد تكون فيه الكتلة الشبابية ما يقارب الـ 60 بالمئة لم يكن السودان بمعزل عن حراك شبابي جديد قديم وان كان خرج تزامنا مع الربيع العربي في بواكير العام 2013 بينما قوبل حينها بقمع شديد من القوات النظامية انتهت إلى مقتل ما يقارب 200 شهيدا اغلبهم من الشباب خمدت حينها التظاهرات بسبب غياب التنظيم وغياب حزب أو جهة مسيرة للتظاهرات بالإضافة لغياب الريف السوداني حينها أخطاء يبدوا أن الحراك الشبابي اليوم قد تفاداها فها هي التظاهرات مستمرة زهاء الشهرين بوتيرة متصاعدة واكتسبت حتى الان زخما شعبيا وجماهيريا كبيرا بعد ما كانت شبابية بامتياز في مطلعها.

الحكومات العربية لا تتعلم أبدا

كما درجت العادة خرجت الحكومة السودانية بلهجة التهديد والوعيد ولجأت إلى حل الاّلة الأمنية والقمعية بدلا من الالتفات إلى المشاكل الحقيقية التي خرج الشباب مطالبا بها الأمر الذي زاد من احتقان الشارع وأكسب الحراك الشبابي بعد أن انضمت له مكونات الشعب المختلفة وعلت نبرة التعاطف بعد أن قتلت الاّلة القمعية للنظام ما يقارب الـ50 شهيدا حتى الآن أغلبهم من الشباب، حلول على ما يبدو لم ترضي الشارع السوداني الذي رفع شعارا واحدا متمثلا في جملة واحدة معنونة بتسقط بس. 

الشباب السوداني وتفادي أخطاء الربيع العربي

خرج البشير منددا بالحراك وواصفا إياه بمحاولة لاستنساخ الربيع العربي بينما سخر من الحراك واصفا إياه بحراك الفيس بوك والواتس أب الذي لن يسقط حكومته ليعود النظام ذاته ويقوم بحجب وسائل التواصل وبينما نادى رؤوس الحزب الحاكم كما صرح أحد نواب البرلمان بأن الشباب ما خرج إلا طلبا للنكاح وطالب بتسهيله أكد مدير جهاز المخابرات الوطني صلاح عبد الله المعروف بصلاح قوش أن الشباب خرج بسبب التضييق عليه وإغلاق مناطق الترفيه ليأمر بإعادة فتحها مجددا مسلسل انتهى إلى تراجع الرئيس البشير ذاته ومهاجمة النظام العام الموجه نحو الشباب مؤكدا أنه قيد من حرياتهم وساهم في زيادة الغبن تجاه النظام محملا القوات النظامية والشرطية المسؤولية.

نبرة شهدت تراجعا كبيرا في أسلوب الوعيد والتهديد بل تحولت إلى طلبات للحوار مع الشباب لدراسة مطالبهم بينما يراها الكثيرون خطوة متأخرة بعد ارتفاع المطالب خصوصا بعد رؤية الشباب أثر الحراك في حالة النظام وتبعثره الحالي حراك تلافى مشكلة التنظيم السابقة لينطوي تحت مظلة تجمع المهنيين البديل لنقابات الحكومة المسيسة وإدماج الريف السوداني في الحراك بعد اقتصاره سابقا على العاصمة السودانية الخرطوم مما شكلا ضغطا هائلا على النظام بالإضافة لاستخدامهم الأمثل لوسائل التواصل في نقل صورة الحراك وانتهاكات النظام مما أدخل النظام في حرج شعبي وخارجي ختاما بسلمية الحراك واستخدام أساليب الاحتجاج السلمية مما فوت الفرصة على النظام لتحويلها لمعركة مسلحة أو استخدام أسلوب التخوين خطاب يبين كمية الفجوة الكبيرة بين الأنظمة العربية وشبابها والتي تؤكد أن الربيع العربي سيستمر أمدا بعيدا وسيعود من جديد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة