من رحم المعاناة.. هل يجب أن تكون مجنونا لتبدع؟

12/2/2019

"لقد اعتبرني الناس مجنونا، ولكن لم يُبث بعد إن كان الجنون هو أرفع درجات الذكاء أم لا، أو إن كان كلّ ما هو رائع وكل ما هو عميق نابع من سقم في الفكر أو حالات مزاجية للعقل تعلو على حساب القدرات الفكرية العامة".. إدغار ألان بو

ارتبط الفن في المُخيّل الشعبي بالجنون والبوهيمية وعدم الانصياع لقوانين العيش الطبيعية، ولكثرة انتشار فكرة وجود صلة بين الاضطرابات النفسية والفن، تحول الأمر إلى حقيقة مطلقة يصعب معها تخيل فنان سوي وطبيعي، وكأنه من المحتم على كل مريض نفسي أن يبدع في مجال ما، وبذلك تبلورت فكرة قديمة قدم الفن تربط بين جدلية الإبداع والجنون، بيتهوفن، فيرجينيا وولف، فان غوخ، سالفلدور دالي... والقائمة تطول، كلهم مبدعون اختلت عقولهم وتفجرت مواهبهم.. فهل يجب أن تكون مجنونا لكي تبدع؟ وهل من رحم المعاناة يُولد الجمال؟

جنُون الفنان.. إبداع على حافة الهاوية
عاش بيتهوفن طفولة قاسية أثرت على نفسيته فوالده مدمن كحول كان يعنفه لدرجة فقدانه السمع، كل هذا الألم جعله يؤلف أعمالا خالدة دون استعمال أذنيه وتوج نفسه ملكا للنوتات للأبد

في مؤلفه "جنون الابداع" يقوم الطبيب النفسي تييري دولاكور باستكشاف النفسية المضطربة لما يقرب من عشرة أسماء خالدة في تاريخ الفن، استطاعت السموّ باختلالها العقلي كفانسون فان غوخ وفرانسيس بيكون ونيكي دو سان فال وأوريلي نيمور، ويُقر دولاكور في بداية كتابه بأن ما يطرحه ليس سوى امتداد لفكرة نمطية قديمة قدم الفنّ مفادها أن الإبداع يُولد من رحم المعاناة، معاناة ثمّ التفنن في تصويرها بشتى الطرق في الروايات وعلى خشبة المسرح كما يؤكد على أن الصورة النمطية لمعاناة المبدع لا تزال راسخة في أذهاننا لأن ما نعرفه عن ظروف الإبداع في الوقت الحاضر يتعايش مع ما نحتفظ به من صور حول الرومنسية والتعبير عن الألم والمسرحيات الدينية وتلك التي تصور بداية الخلق وشيطنة الفنان المجنون الذي يتمرد على قواعد التفكير التقليدي والمألوف.


وعلى الرغم من أن الفن المعاصر استطاع التحرر من الإشكالية القديمة التي تقول إن الفنان كائن منعزل ومجنون ومنفصل عن الواقع إلا أن هذه التصورات والكليشيهات لا تزال تحكمنا بسبب سحرها وجمالها التراجيدي وبسبب حاجتنا الدائمة لربط الابداع بالمُقدَّس. كما يربط الكاتب جميع قصص الفنانين المذكورة في كتابه بقاسم مشترك يوحد بينهم هو خطر الشغف الحارق الذي يدفع صاحبه إلى المجازفة بالتعرض لجنون الإبداع هازئا بما تستوجبه الحياة المنتظمة المستقرة من روية واحتزاز. تييري دولاكور بصفته مختصا في علم النفس استطاع في كتابه ارجاع الفنانين من الماضي وإجلاسهم على أريكة الطبيب النفسي، وبذلك ندرك معاناتهم النفسية والتراكمات كالموت والهجر والتعنيف التي نحتت شخصياتهم منذ الطفولة.

مبدعون بلمسة جنون

يقول أرسطو بأنه لا يوجد عقل عظيم دون لمسة جنون، لنلقي نظرة على حياة البعض من هؤلاء المبدعين للتقرب من العلاقة بين المعاناة والابداع:

خد مثلا الشاعر والناقد الأمريكي إدغار الان بو الذي حاول الانتحار ودخل المصحة العقلية عدة مرات، وبتاريخ حافل بموجات الاكتئاب ومرض ثنائي القطب توج الان بو نفسه واحدا من أبرز الشعراء المعاصرين وهو الذي قال ذات مرة في أشعاره: "لم أكن كالأخرين، ما كنت أرى مثلما يرون، لم أستطع جلب آلامي من نبع معروف، وما كنت انهل أحزاني من نفس الينبوع، ما كان بمقدوري أن أبعث في قلبي البهجة بنفس النغمة، وكل ما أحببت كنت فيه منفرداً".


فينيست فان غوخ، أحد أبرز الرسامين وأكثرهم تأثيرا في تاريخ الفن الغربي بـ 2100 عمل فني، لقد كانت حياة فان غوخ مليئة بالمعاناة والعذاب، لدرجة قطع جزء من أذنه كما أنه عانى طيلة حياته من موجات اكتئاب ونوبات ذهان psychosis انتهت بانتحاره سنة 1890 عن عمر 37 سنة فقط.


بيتهوفن، صاحب أعظم سمفونية موسيقية مرت على تاريخ الموسيقى البشرية، وبالرغم من معاناته من الصمم إلا أن إسهاماته الموسيقية غيرت عالم النوتات للأبد، وقد عانى بيتهوفن من اضطراب ثنائية القطب الذي يظهر على شكل حزن عميق أو ضحك هستيري غير مبرر، عاش بيتهوفن طفولة قاسية أثرت على نفسيته فوالده مدمن كحول كان يعنفه لدرجة فقدانه السمع، كل هذا الألم جعله يؤلف أعمالا خالدة دون استعمال أذنيه وتوج نفسه ملكا للنوتات للأبد..

إن العاملين في مهن فنية معرضون للمتغيرات الجينية المرتبطة بالاضطراب ثنائي القطب بنسبة 17 في المائة أكثر من العامة

فيرجينيا وولف، كاتبة بريطانية وواحدة من أبرز أعلام الأدب العالمي المعاصر، عانت من اكتئاب شديد انتهى بانتحارها في أحد أنهار إنجلترا تاركة رسالة لزوجها: "عزيزي، أنا على يقين بأنني سأجن، ولا أظن بأننا قادران على الخوض في تلك الأوقات الرهيبة مرة أخرى، كما لا أظن بأنني سأتعافى هذه المرة، لقد بدأت أسمع أصواتا، وفقدت قدرتي على التركيز، لذا سأفعل ما أراه مناسبا".


تبقى هذه الأسماء مجرد غيض من فيض، فعالم الإبداع موسوم بمبدعين عانوا من أمراض عقلية، لكن لا يستطيع أي شخص التأكيد على أن المرض العقلي هو سبب الإبداع، نحن فقط نحاول الاقتراب من جدلية الإبداع والجنون كما لا نحاول وصف الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى على أنها شيء ساحر وجميل يجلب الإبداع والتفرد، فهذه أمراض خطيرة وتدمر حياة صاحبها، لكن ماذا يقول العلم في هذه الصلة بين المرض العقلي والإبداع؟

الإبداع والجنون مترابطان جينيا

حاول العلم عدة مرات النبش في الرابط بين الإبداع والجنون وكانت النتائج مبهرة، فمثلا في دراسة نُشرت سنة 2015 في مجلة nature، ثم الاطلاع  على بيانات جينية لأكثر من 15 ألف شخص، فوجد الباحثون أن لأولئك العاملين في حقل الفن والإبداع احتمال أكبر بأن يكونوا حاملين لجينيات تجعلهم معرضين لخطر الإصابة بالأمراض العقلية على عكس العاملين في مهن لا تتطلب إبداعا.


وفي بحث صادر عن شركة الأدوية الحيوية deCode GEntics الأيسلندية، تبين بعد الاطلاع على بيانات مأخوذة لـ 86 ألف أيسلندي أن العاملين في مهن فنية معرضون للمتغيرات الجينية المرتبطة بالاضطراب ثنائي القطب بنسبة 17 في المائة أكثر من العامة. وفي تعليق للرئيس التنفيذي للشركة المسؤولة على هذا البحث  كاري ستيفانسون قال: "لتكون مبدعا، عليك أن تُفكر بطريقة مختلفة، وعندما نكون مختلفين، يصبح هناك ميل لأن نلقب بالغرباء والمخبولين".


في الأخير، لطالما كان الفن الملاذ الآمن للمضطربين، ولطالما كانت قوته في قدرته على إنقاذ فنانين من تقلبات الحياة، وكثيرا ما كان الإبداع  الوسيلة الوحيدة للكثيرين لإخراس الألم الذي لا يمكن قوله، وأجمل الأشياء حسب أندريه جيد هي تلك التي يُوحي بها الجنون ويكتبها العقل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة