خولة مقراني
خولة مقراني
1.1 k

المُذَرْقَفُون وشِرذمة السّلطة!

23/2/2019

في خِضم الأحداث التي تسُود المنطقة العربيّة في السّنوات الأخيرة، برز إلى العالم وجهٌ آخر للمُثقّف العربي! والذي قد أُطلِقُ عليه مُصطلح "المُذَرْقَف" حتّى لا يكون والمثقّف في الكفّة سواء، ويمكِنُ حصرُه في فئتين رئيسيّتين، هما: مثقّفو الأبجديّة وباعة المبادئ.

 

هم فئاتٌ مستفزّة، النّاظر إليها لا يدري كيف يتصرّف؟ أَيكتَفي برميِهم بنظرة احتقارٍ واشمئزاز لأنّ الخوضَ معهم في أيّ جدالٍ سيكون عقيمًا في كلّ الحالات، أم يتصدّى لهم بحُرقة المثقَّف الواعي الذي يغير على أمّته، فيَضعُ حدًّا للامبالاتهم بما حولهم.  إنّ السؤال الذي يطرحُ نفسهُ على هؤلاءِ "المُذَرقَفِين" هو: كيفَ يواجهون هذه الوقائع الصّادمة، الحروب والدّماء وتهجير الملايين إلى المجهول بهذه البلادة؟ في حين كان من المفروض أن توقِظَ فيهم همّة الحراك في المجتمع.

 

مثقّفو الأبجديّة هم أولئك الغارقون في نُصوصهم الأدبيّة وتهويماتهم اللفظيّة، فلا يسطرون حرفًا عن الوقائع والأحداث العربيّة من حولهم عالميّة كانت أم دوليّة، يُشيحون بوجوههم عنها أو يكتفون بالفرجة عن بعد، في شرفاتهم الظليلة أو على أرائكهم الفاخرة عبر شاشات التلفاز، يعتنقون الصّمت أو الحياد، بل وينصرفون إلى الكتابة عن تجاربهم الشّخصيّة وتجريداتهم الذهنيّة في مقالاتٍ أدبيّة لا تخدُم العالم، مثقلة بالبيان والمقولاتِ التي بَطُلَ سِحْرُهَا والتي لا تُغيّر في الحياة شيئًا! مختلسة من مُتون نُقَّاد ومُؤَدلجين انتهت فعاليتهم، فلا تهزّهم فواجع الحاضر العربي الذي ينتظر منهم ولو تحليلاتٍ بسيطة أو استقراء لما سيأتي... أن تَصدر منهم ولو كلمةً واحدة، المُهم أن يظهر لهم موقفٌ يحفّز التقدّم، فتنعكسَ بذلك أنوار إبداعاتهم الأدبية والفكرية على الدروب التي تضمخها دماء الضحايا.

 

باعةُ المبادئ، فهم فئة تدّعي الوعي والرّشاد، لكنّها في حقيقة الأمر تميل حيث تميل بها رياح الجاه والسلطة، هذا الصنف من "مُذَرقَفي السّلطة" لا يقيمون وزنًا لأيّ مبدأ طالما تغنوا به أو شعارٍ رفعوه وأظهروا الدفاع عنه

لكنّهم يفضّلون السّلامة على المُواجهة، والدّنيا حولهم نهبٌ لحريق، يواصلون الاسترخاء والاتكاء على أفكارهم المُجهضة التي نحَرتها التجرُبة، بأنّهم المساكين المهمّشون المبعدُون عن السّاحات أصحابُ الخبرة والعقول النيّرة والمشاريع المُذهلة الذين تتجاهلهم المؤسّسات، فلم تبذل لهم ما يستحقون من تقدير واعتبار... أفكارٌ سلبيّة تتعاظم بتعاظم الوهم لديهم.

 

هم باعة التشاؤم والخنوع، تجدهم يكيلون التثبيط لكلّ مبادرٍ، يحتقرون أحلامه ومشاريعه، ولا يحرّكون ساكنًا من أجل التغيير، ولا يستخدمون مخيّلاتهم للسّعي نحو مُستقبلٍ أفضَل، بل يزرعون بذور اليأس والتعجيز، ويسقونها من آبارِ الذلّ والرُّضوخ للواقع الذي أصابنا؛ زعمًا منهم أننا نستحقه وعلينا الدّعاء وانتظار بزوغ فجر المعجزات. يترجمُون الأحداث بما يخدمُ أوهامهم فيتصيّدون الأخطاء من هنا وهناك، ليعلّقوا على عاتقها محنة البلاد وانهيار اقتصادها وما آلت إليه أوضاعها الاجتماعية، مكتفين بالشّكوى والتحسر وهم يقفون على حافّة السلامة ويعتصمون بما يقيهم من الضرر.

 

أمّا باعةُ المبادئ، فهم فئة تدّعي الوعي والرّشاد، لكنّها في حقيقة الأمر تميل حيث تميل بها رياح الجاه والسلطة، هذا الصنف من "مُذَرقَفي السّلطة" لا يقيمون وزنًا لأيّ مبدأ طالما تغنوا به أو شعارٍ رفعوه وأظهروا الدفاع عنه، وأكّدوا أنهم يفدونه بأرواحهم، ينحازون دائمًا لما يُطلب منهم مادام هناك ثمن سيُدفع! يتمثّل هذا النّوع بكثرةٍ في دعاة الليبرالية والعلمانية وبعض العازفين على الوتر الإسلامي! وأمثال هؤلاء قد أبرزتهم أحداث العراق، سوريا، مصر وأزمة الخليج... وحتّى لا أكون من المُجحفين فإنّ من الليبراليين والعلمانيين من بقي ملتزمًا بما نادى به على قلّتهم. إنَّ حديثي هُنا لا يشملُ السّياسيّين، بل يتضمّن الطّبقة التي تدّعي الثقافة من وجوهٍ بارزة وإعلاميّين وكتّاب، والتي يفترض فيها النزاهة والثبات على المبادئ التي يتبنّونها.

في سوريا:

مثلاً، "مذَرْقَفي" السلطة السورية، سواء أكانوا من مُدّعي التديُّن مثل شرذمة الدّولة كالمُفتي وغيره، يعلمون جيّدًا أنّ الأسد لم يصل إلى الحُكم بطريقةٍ شرعيّة ديمقراطيّة، وهم مُدركون جيّدًا لما يجري حولهم في السّاحات السياسيّة والجرائم اليوميّة التي تُرتكبُ في حقّ الشعب الذي كان ذنبُه الوحيد أنّه طالب بحريته، لكن رغم ذلك فهم لا يعترفون بذلك، بل ويقفون إلى جانبِ حاكِمهم "العادل"!

 

في مصر:

 رغم أنّ الرئيس السّابق "محمّد مرسي" حقق قواعد "اللعبة الديمقراطية" التي يُندد بها علمانيو مصر، فوصلَ إلى الحُكم بطريقة ديمقراطيّة نزيهة، إلاّ أنّه وبالنّسبة لهم هو كشخص وكتنظيم وكفكر لا يُحقّق مصالحهم بتاتًا بل ويُهدّدها، فكان لابدّ من خلعه، ولو كان ثمنُ ذلك حكمًا عسكريًا دكتاتوريًا مستبدًا. وعلى إثر ذلك تمّ اعتقال كلّ من كان من المُحتمل أن يعترض أو يقِفَ في وجه الانقلاب آنذاك من إعلاميّين وغيرهم ممّن لهم نفسُ التّوجّه... ومن ذلك الوقت إلى هذا الحين تستمرّ سلسلة الاعتقالات والإعدام والنفي والخطف من قبل الدكتاتور وحاشيته في حقّ شبابٍ أبرياء وفي حق كل من يفكّر –مجرّد التفكير-في نشر الوعي والدّين في المجتمع، لمَ؟ لطمس الدّين وكل من ينتمي إليه ويدعو له، من الإخوان المُسلمين أو غيرهم من أفراد وجماعاتٍ ذات المنهج الإسلامي...

 

ببساطة لقد صار الدّين شبحًا يسرق نومهم ويقض مضجعهم... ومع كلّ ما يحصل، عجبت حين خرج علينا المُذَرقفون يندّدون خلال الانتخابات الماضية "هننتخبه ثاني عشان يبنيها"! أيّ بناء بربّكُم؟!

 

هُنا كان على الفئة المثقّفة –إيّاهُم-أن تُقيم الدّنيا ولا تُقعِدها طلبًا للعدل وتحقيقًا للديمقراطيّة وانتصارًا للحريّات التي لطالما تنادوا بها وهزّوا العالم بضجيجهم من أجل الدّفاع عنها كما يزعمون، لكنّهم ضربوا كلّ ذلكَ عرض الحائط، فسقطوا سقوطًا مدويًّا، وهناك أسماء مع معرفتي المُسبقة بتلونهم إلا أنني لم أكن أتوقع أن يصلوا إلى هذا المستنقع الذي وصلوا إليه اليوم!

 

الأزمة الخليجيّة:

وفي أحداث هذه الأزمة، انقسم المُثقّفون العرب إلى مؤيّدين للمقاطعة، وهم كما وصفهم الأستاذ صلاح القادري "بالتابعين الذين لا يملكون في القرار ناقة ولا جمل"، فهؤلاء وقعوا في فخ الاصطفاف السياسي الأعمى بتأييدهم للحصار، رغم عِلمهم المُسبق بأنّها أزمةٌ مُفتعلة، لها أهدافٌ خفيّة أبعد ممّا صُرّح به، في حين لزمَ آخرونَ الصّمت وتحفّظوا على رأيهم فلم يصدُر منها أيّ موقف...

 

في الجزائر:
إنّ حاجتنا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى ثورة على الأهواء، وإلى تخلّي كلّ مثقّفٍ عن نرجسيّة اللامبالي التي يرتديها، فالواقع الذي نعيشه اليوم شاء أم أبى هو جزءٌ لا يتجزأ منه

إنّك حين تسمع عبارة "عشرين سنة من الحُكم لرئيسٍ واحد" سيتبادر إلى ذهنك أنّ الدولة التي نتحدّث عنها هَهُنا هي "مملكة" لا دولة ديمقراطيّة شعبيّة، في حين أنّ هذه السّنوات تمثّل في حقيقتها أربع عهدات رئاسيّة متتالية لرئيسٍ التصق بكرسيّ الرئاسة فما قام عنه، أربع عهدات بنسب تصويتٍ لا يتقبّلها العقل ولا المنطق وكأنّها "حكمٌ بالتزكية" ومع ذلك رضخ الشّعب وخنع للواقع المفروض عليه المغلّف بـ "انتخابات ديمقراطيّة نزيهة". اليوم إطار فخامته المُبجّل يترشّح لعهدة خامسة؛ لأنّ الرئيس بوتفليقة كشخص صار غير قادرٍ على الحُكم، وفعلاً قد حدث وخلفه إطاره -خلال العهدة الجارية-في الكثير من المناسبات فخرج علينا في الكثير من المرّات بدله في موكبٍ رئاسيّ فخم... وبالرغم من هذه المهازل السياسيّة التي نعايشها منذُ سنوات، والتي يقودها الرئيس وعُصبته من الوزراء تِباعًا، الذين لا نعلم أين يمكننا تصنيفهم حتّى، حمقى أم بُلهاء أم ذئاب ماكرة؟ إلاّ أنّه مازال هناك من المطبّلين من يلعقون أحذية النّظام، من يقدّسون الحكومة أكثر من تقديسهم لدينهم، من يندّدون بعهدة خامسة وأن "سنبقى نصوّت لبوتفليقة حتّى دخوله القبر"! ما هذا الهُراء؟ ما هذا الجهل؟

 

وسط كلّ هذا الهرج والبلبلة في الساحة السياسيّة، إضافة إلى المظاهرات الشعبيّة التي خرج فيها المواطن للشّارع كسبيلٍ وحيد لممارسة شرعيته في التعبير عن رفضه للعهدة الخامسة، تجد المذرقفين من الأدباء والكتاب لا يقولون كلمة حقّ واحدة، يشيحون بوجوههم عن الواقع وكأنّه لا يمسهم ولن يتجرّعوا من نفس الكأس الذي سنتجرّع منه، وهو نفس الحال بالنسبة للفضائيات الحكوميّة التي لم تغطّ أيّ حدثٍ ممّا يحصل، بل تهلّل وتعظّم وتكبّر للنظام، لا يخرج علينا منها أيّ شخصٍ يقول كلمة سديدة، يعارض أو يحلّل تحليلاً واقعيًّا يزيل به الغشاوة عن ذلك المواطن البسيط الجاهل الكفيف، الذي لا يدرك معنى "عهدة خامسة" لرئيسٍ "مُقعد"، أيّ إعلامٍ هذا وأيّ نخبة هم؟ ثمّ إنّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل أكمل وأنجز الرئيس مهامه للعهدة الرابعة حتّى يُطالب بأخرى خامسة؟ لا ريب أنّ الإجابة هي: لا. الأحداث كثيرة ومشابهة في دول عدة؛ كاليمن، والبحرين، والكويت، والعراق... كلّ دولة تتجرّع الاستبداد من حكومتها بدرجةٍ متفاوتة عن غيرها، ولا يخرج شخصٌ من النّخبة ليقول كلمة حقّ!

 

إنّ هذه ما هي إلاّ أمثلةٌ عن البؤس الفكري والعِهر الإعلامي الذي يَجتاحنا، ففي كلّ مرّة تحصُل صِدامات بين الحقّ والباطل في السّاحات السياسيّة ويقع الأبرياء ضحايا أمام حيوانات السّلطة، تجِدُ هؤلاء "المُذرقفين" من الإعلاميين والكتاب لا يقولون كلمة حقّ واحدة، يظلّلون الشّعوب بتصريحاتهم المغلوطة، ويختارون الانسياق وراء الادّعاءات غير المبرّرة، والانسلاخ من أي تفكير عقلاني رصين، ولن أقول أخلاقي، فالأخلاق باتت نسبيّةً في منطقتنا، أمّا المبادئ فهي تحت الأقدام! ويتبنّون بدل ذلك مبدأ النفاق السّياسي، وهذا الأخير ليس وقفًا على فئة أو دولة دون أخرى، بل هو منحى اتّخذه أغلب المستبدّين العرب، من أجل سلطة زائفة علموا مسبقًا أنّهم لن يصلوا إليها... هي طريقةٌ بائسة قد جعلت من المثقفين قيمة رخيصة، يَنظُر إليهم المُثقّفُ الواعي نظرة ازدراء واحتقار رفسُوا مبادئهم في سبيل تحقيق مصالحهم أما نفاقهم فحدّث عنه ولا حرج، وهذا ما يمثل قمة الانحطاط!

 

إنّ حاجتنا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى ثورة على الأهواء، وإلى تخلّي كلّ مثقّفٍ عن نرجسيّة اللامبالي التي يرتديها، فالواقع الذي نعيشه اليوم شاء أم أبى هو جزءٌ لا يتجزأ منه، يؤثر فيه ويتأثّر به، حقيقة لا مفرّ منها مهما استغرقه ذهول السّادرين في الكهوف، وإلى الالتحام بهويته الإسلامية والعربية التي تبني ولا تهدم، من أجل أثر ثقافي لا تنساه الأجيال، ودروس موجعة لكل من كان يظن أنه استثناء أو خارج المعادلة، فطوفان الحرية لا عاصم منه، نسعى إليه كبديلٍ عن سنين الجدب، والقحط، والجفاف، والجوع، والغرق، والهدم، والموت؛ هي سنة حسنة، تكشف جانبًا من سنن الله في عباده (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، أما دجاجلة الإعلاميّين ومُدّعي التدين فهؤلاء لهم مزبلة التاريخ، وبئس المكان.

 

المُذَرقف: مصطلحٌ عاميٌّ ابتكره الأستاذ إبراهيم هواري، وهو دمج بين كلمة "الذَرْ" كلمة جزائرية عاميّة تعني (الفتى غير البالغ)، وكلمة مثقّف.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة