مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
233

حتى الربيع قد يضلّ الطريق!

4/2/2019

على مر التاريخ لم تفشل ثورة لأن نظام الحكم الذي خرجت ضده كان متماسكاً أو لأن أجهزته الأمنية كانت قوية ومتجبرة.. هذا لم يحدث قط، فمن وجهة نظر الأنظمة الحاكمة الثورات – خاصةً السلمية منها – تمثل كارثة حقيقية، تجعل من أركان الحكم مهما كانت قوية ومتسلطة ترتجف من أسفلها حتى أعلاها.

    

الثورات الشعبية مربكة بحق لكل الأنظمة الدكتاتورية ويكاد يكون من المستحيل إيقافها، الفرنسي المشهور غوستاف لوبون تحدث عن الجماهير خاصة الحركات الثورية وإيمانها العميق بأنها قوة لا تقهر، هذا الإيمان يتحول مع الوقت لواقع حقيقي، وتتحول معه الجماهير لسيل جارف مستعد للتضحية بكل غالي ونفيس في سبيل الأهداف التي خرجت لأجلها، هنا بالذات يبلغ إرتباك الأنظمة ذروته، وتبدأ التصريحات العرجاء والمتخبطة بالتدافع من أفواه المسؤولين معبرةً عن حالة العجز والتخبط التي تعيشها، فهم الجرذان والمندسين، والعملاء.. إلخ

    

في الربع ساعة الأخير من عمر الثورة وبعد التجريب والتخبط يبدأ الطاغية في الإدراك بأن الحل الأمني من تقتيل وتنكيل بالجماهير لن يفعل شيئاً سوى أنه سيلهب الغضب الكامن في النفوس أكثر فأكثر، وسيضيف مجموعات جديدة كانت على الحياد إلى دائرة الثورة، أما التعامل الناعم ودعوات التحاور والمراوغة السياسية فلن تجد لها أصلاً من أذن صاغية في صفوف الثوار الحانقين.

  

بمجرد أن ينخرط الناس في حركة جماهيرية وبطريقة غريبة تنخفض الملكات الفكرية للجموع، ويبدأ الحشد بالتصرف بغريزية وطفولية من السهل جداً التلاعب بها
ماذا يفعل الطاغية إذن؟

حسناً، هو لن يفعل شيئاً، ففي هذه اللحظة بالذات يصبح تفكير الطاغية وحاشيته محصوراً في التفتيش عن مخارج الطوارئ، والبحث عن صيغة تضمن له خروجاً آمناً يقيه غضب الجماهير وشر المحاسبة.

    

قد تلاحظ عزيزي القارئ بأن ردة فعل الطغاة تجاه الثورات على مر التاريخ واختلاف البلدان تظل متماثلة إلى حد بعيد، وتشبه ما يعرف في علم النفس بمراحل التسليم الخمسة والتي تبدأ بالإنكار: " لا توجد مظاهرات، فبركة إعلامية إلخ." ثم يتنقل الأمر إلى مرحلة الغضب: "هؤلاء مندسين مخربين وجرذان.. إلخ .

  

بعدها تأتي مرحلة المساومة: "دعوات الحوار والوعود بعدم الترشح، ثم تأتي مرحلة الكآبة والحزن: " أنا فهمتكم" وأخيراً يأتي التسليم باستحالة الصمود في وجه الجماهير ويتحول معها الطاغية إلى مخلوع أو هارب أو معزول. هذه هي المراحل الكلاسيكية للثورات الناجحة، لكن هل بإمكان الطغاة أن يقلبوا الطاولة في وجه شعوبهم وينجحوا في إخماد نيران الثورة، أم أن الثورة بمجرد اشتعالها لا يمكن إيقافها؟ حسناً، قد تبدو الثورات للناظر من بعيد كالقطار المندفع الذي بمجرد أن ينطلق لا يمكن إيقافه، وهذا صحيح فلربما حتى لو استحضر طغاة العالم روح نيكولا مكيافيلي من الجحيم، وأجزلوا له في العطاء ومن ثم سألوه بلهفة كيف نخمد الثورة يا فيلسوف الدكتاتورية وعرّاب المستبدين؟!

  

لكانت إجابة الرجل أن الطريقة الأسلم لذلك هي تجنب وقوعها منذ البداية، الثورات في المجمل لا يمكن الوقوف أمامها ومصارعتها وإيقافها عنوة، هذا دوناً عن كونه غباءً سياسياً هو أمر غير ممكن الحدوث. إن الطريقة الوحيدة لإيقاف قطار مندفع ليس الوقوف أمامه وإنما حرفه عن مساره وإخراجه عن "السكة"، فعلى مر التاريخ القلة من الأنظمة الدكتاتورية التي نجت من الثورات الشعبية ونجحت في إخمادها لم تكن تلك الأنظمة الأقوى ولا الأكثر دموية، بل كانت هي الأنظمة التي تمتلك وسائل إعلام قوية وقدرة على اختراق الجماهير وبث الفرقة والشتات في صفوفهم.

    

ما يجعل الثورات تسقط قبل أن تُسقط الأنظمة التي خرجت عليها ليس القمع ولا التنكيل أيها السادة، ما يجعل الثورات تفشل حقاً هو أن تفقد الجماهير إيمانها بذاتها، بأنها تستطيع، أن ينتشر الخزلان في صفوفها، أن تنخدع للأكاذيب وتغرق في تفاصيل القيل والقال وتنسى وجهتها الرئيسية. أدوات التضليل إذا توافرت للطغاة مع القليل من الخبث وبعض الذكاء يصبح حينها إخماد الثورات وحرفها عن مساراتها أمراً ممكناً بل وسهلاً نسبياً، فعدم وجود قيادة لثورات العصر وإن عده البعض ميزتها الأهم إلا أنه يظل أيضاً عيبها الكبير، فالقيادة توجه وتمنع السقوط في فخاخ الخداع ودعاوى التخزيل.

  

أما الجماهير لوحدها بدون قيادة وعلى الرغم من إيمانها بعظمتها وقوتها التي يصعب الوقوف أمامها إلا أن في طيات هذا الإيمان عيب قاتل يوازي ما تملكه الجماهير الثائرة من قوة وسمو. فبمجرد أن ينخرط الناس في حركة جماهيرية وبطريقة غريبة تنخفض الملكات الفكرية للجموع، ويبدأ الحشد بالتصرف بغريزية وطفولية من السهل جداً التلاعب بها.

     

ثوار مصر مثلاً الذين أسقطوا مبارك هم أنفسهم الذين سلموا ثورتهم على طبق من ذهب للدكتاتور على الرغم بأن الفخ الذي جرى استدراجهم إليه كان واضحاً جداً لكنهم برغم ذلك سقطوا فيه بجدارة، ليس لأنهم أغبياء على المستوى الفردي لكن لأن الجماهير ككل أقل ذكاءً بكثير من أفرادها المكونة لها، لو كان ثمة قائد يثق فيه الناس يقف خارج دائرة التجمهر هذه لربما اختلف الحال حينها، نفس الكلام بإمكاننا أن نقوله عن سوريا، فبطريقة مكشوفة تمكن النظام من حرف شعارات الثورة الأساسية وتقسيم الثوار خلف رايات الايدولوجية الضيقة. وكذا الحال في ليبيا.

    

الحقيقة أن مسار الثورات ليس رومانسيا كما يتصوًّره البعض، بل هو طريق وعرة للغاية يتطلب المرور عبرها إلى عيون مفتوحة عن آخرها، كما أنه وبلا شكل يتطلب أنفاساً طويلة وعقول لا تحيد عن أهدافها مهما حصل. وقبل كل هذا وذاك يتطلب إرادةً راسخة وإيماناً لا يقهر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة