ديما مصطفى سكران
ديما مصطفى سكران
1.6 k

"لا إله إلا الله".. كيف نفهمها دون تزييف؟

6/2/2019

إن رسالة "لا إله إلا الله" ليست لفظة يتلفظ بها المرء على عجالة وهو يجفف ساعديه بعد وضوء، فيظن أنه قد أحق الحق في الأرض وأدى الرسالة، إن "لا إله إلا الله" هي الحاجة الملحة لهذا العالم المتأرجح على حافة الجحيم من حيث لا يدري، رغم تلفظ مليار ونصف المليار مسلم بها صباح مساء!

"لا إله إلا الله" ليست عبارة أضغط على زر like حين أراها منمقة في صورة ملونة على صفحتي على فيس بوك، إنها اليد التي تربت على رأس هذه الفتاة الشقراء الراجفة، المنكمشة على نفسها في زاوية غرفة ما في بلدة ما في أقصى شمال النرويج، وقد بحثتْ عن الطمأنينة طويلا في صخب حفلات المراهقين، وأحضان الرجال، وكؤوس الخمر، وحقن المخدرات، ثم كسرتها قسوة الحياة، وها هي الآن تعاقر جرعة للموت في عتمة غرفتها النائية، دون أن يحس بها هذا العالم المتأرجح على حافة الجحيم!

"لا إله إلا الله" ليست وريقات في كتيب، توزعها هيئة ما لتفرض سلطة ما، أو تظن أنها أقامت حكم الله في أرضه، ثم تجلد فلانا أو ترجم فلانة، إن "لا إله إلا الله" هي لقمة الطعام لهذا الرجل الأسمر الذي يقبع مستلقيا في كوخ من قش، في قرية نائية في أقصى مجاهل إفريقيا، يحوم الذباب حول أنفه المدمى وعينيه الذابلتين، وقد أدنفه الجوع، وهد جسمه المرض، ولعل الإيدز يجري في عروقه وعروق امرأة عاشرها في الشهر الفائت، هي حامل الآن بطفل قادم إلى عالم يتأرجح على حافة الجحيم!

"لا إله إلا الله" أكبر من حروف، وأكبر من أن أظن أنا أو تظن أنت أننا أدينا حقها إذ صلينا في حلكة ليل ركعتين، أو ذرفنا في ساعة خشوع دمعتين!

"لا إله إلا الله" ليست لازمة في أنشودة يلحنها الملحنون، ويجمل المنشدون لها الأصوات، ويغنيها كورال من أطفال مسرحي الشعور نضري الوجوه، إن "لا إله إلا الله" هي نظرية فيثاغورث وقانون نيوتن في الجاذبية لشيخٍ هندي رث الثياب، يركع الآن أمام تمثال بحجم قبضة اليد لبوذا، مصنوع من نحاس، بينما تلامس لحيته الشعثاء ركبتيه الراجفتين!

"لا إله إلا الله" ليست حبراً على راية خضراء أو سوداء أو بيضاء، ترفرف فوق أرض شاع فيها الفساد وضاعت فيها الحقوق وشقي فيها الإنسان، إن "لا إله إلا الله" هي الكلمة الحق التي تروي حيرة الحائرين، قبل أن تستحيل حيرتهم رصاصة في بندقية جندي، هي أن يُسأل خباز أمام فرنه لم يرتد الجامعة قط عن مقاصد الشريعة، فيصمت خمس ثوان ثم يجيب، هي أن لا يجد المضللون منابرا يخطبون عليها، وألا يجد أنصاف المثقفين آذانا تصغي إليهم، أو رفوفا تحتوي كتبهم، لأن الناس، كل الناس، كل الناس يعلمون!

إن "لا إله إلا الله" أكبر من حروف، وأكبر من أن أظن أنا أو تظن أنت أننا أدينا حقها إذ صلينا في حلكة ليل ركعتين، أو ذرفنا في ساعة خشوع دمعتين! "لا إله إلا الله" هي يدك التي تضعها في يدي يا صديقي، لا لأكف فتاة شقراء يائسة من الحياة في غرفة مظلمة في أقصى شمال النرويج عن أن تدس السم في فمها، وتهب عمرها الآتي للموت، لا لست أنا من صنع الخمور، وروج المخدرات، وأباح الجنس الحرام، وفتح أبواب العالم على جحيم الشهوات، بل إن "لا إله إلا الله" هي يدك التي تضعها في يدي يا صديقي، لتعينني على الدرس إذا فترت أو أغرتني مجالس اللهو، ولتكتمَ سري إذا ما كشفت ستري بالصدفة عن معصية أرتكبها في خفاء، ولتبتسم في وجهي إذا أخطأت يوماً في حقك، ثم غالبني الكبر ولم أعتذر، ولتهمس في أذني بنصيحة خافته، وتدافع عني إذا ما اغتابني في غيابي جبان من الناس.

"لا إله إلا الله" هي حنانك الذي يرطب قلبي المشتاق يا زوجي، لا لأقدم طبقا من حساء ساخن لرجل أسمر جائع، يقبع في كوخ من قش في مجاهل افريقيا، ولا لأقدم الدواء لامرأة عاشرها قبل شهر هي الآن حامل بطفل قد ينتقل إليه الإيدز عند الولادة من دمها، لا لست أنا من أحتكرُ القمح والأرز، وأنقلهما عبر البواخر بين القارات لأزيد أرصدتي في البنوك كل يوم عشرات الأضعاف، لا لست أنا من أهدر ملايينا من الملايين على صناعة الطائرات الحربية، وقنابل الهيدروجين، ومناظير الرؤية الليلية، بينما لا يجد رجل أسود مريض ثمن دواء في عالم مجنون يتأرجح على حافة الجحيم. بل إن "لا إله إلا الله" هي حنانك الذي يرطب قلبي المشتاق يا زوجي، لتوقظني عند الفجر بحركة من أصابعك الرشيقة على خدي، ونقف متجاورين على سجادة للصلاة أشعر فيها بقربك بكل سعادة الكون تقطنني، هي جلسة للشاي نتصفح فيها معا مقالا يتحدث عن وجود الماء على كوكب المريخ، هي سهرة دافئة أفاجئك فيها بتسريحة جديدة وفستان زاه، بينما أنفض عن كتفيك المتهدلتين تعب النهار الطويل، هي لحظة ضعف تنهار فيها شاكيا تكاثر الهموم وغلاء الأسعار وغش الناس فأضمك إلي وأذكرك بلطف الله.

"لا إله إلا الله" هي ليست أن أسند عالما يتأرجح على حافة الجحيم، لكي لا يهوي فيها، فتحترق إنسانية الإنسان إلى الأبد، لا لستُ أنا من أملك القدرة الجبارة على فعل ذلك

"لا إله إلا الله" هي قبلة أضعها على جبين ولدي، لا لأبني مدرسة لمحو الأمية في الهند، ألقن فيها شيخا رث الثياب، يسجد لتمثال لبوذا، نظريةَ فيثاغورث في المثلثات، أو النظرية النسبية لأينشتاين، لا لست أنا من صب النحاس في قالب لآلهة زائفة يسجد لها الساجدون، لست أنا مليارديرا هنديا احتار في أمره لحظة سحب ملايينا من حسابه في سويسرا، هل يبني سلسلة من ملاه ليلية؟ أم يدفع براقصة مغمورة في بار إلى أضواء الشهرة عبر فيلم استعراضي سخيف؟ بل إن "لا إله إلا الله" هي قبلة أضعها على جبين ولدي المراهق، حين يعتريه الخجل أمامي لزلة ارتكبها، ثم أهمس في أذنه "يا ولدي هذا حرام"، هي ساعة من نهار نتسامر فيها معا، يُلغي موعدا مع صديق سوء ليبث إلي شكواه، فأسمعه، وأفهمه، هي ذكرى تعتريني حين كنت حاملاً به، ألامس بطني المنفوخ بيدي، وأنا أطالع كتابا لحسان شمسي باشا عن تربية الأطفال، هي عشر دقائق أغلق باب غرفة فيها أنا وزوجي، لنتناقش هامسين في شأن من شؤون ولدنا اختلفنا فيه، هي دعوة أدعوها في جوف الليل قبل صدور نتائج الامتحان "يا رب اجعله صالحا" ثم أقول: "يا رب اجعله ناجحاً"

إن "لا إله إلا الله" هي ليست أن أفرغ رشاشاً لجندي يطلقه دون تفكير على مبنى سكني، هي ليست أن أكف يد طيار عن ضغط زر يطلق صاروخا على حي مأهول، هي ليست أن أنزع حزاماً ناسفاً عن أمير في تنظيم ضال، لا لست أنا من أغلق المساجد بين الصلوات في وجه حلقات العلم، وسحب الكتب من الأسواق، وغيب المصلحين في السجون، وتلا أحكام الإعدام على أسماع علماء كرام!

إن "لا إله إلا الله" هي ليست أن أسند عالما يتأرجح على حافة الجحيم، لكي لا يهوي فيها، فتحترق إنسانية الإنسان إلى الأبد، لا لستُ أنا من أملك القدرة الجبارة على فعل ذلك. بل هي نور في القلب يجب ألا يظل نورا في القلب وحسب، هي أن ألتفت إلى جانبي، فقط على بعد خطوتين، ثمة شخص يخفي حيرته وضعفه وتردده خلف قناع من التصلب والغرور، هو يحتاج أن أشد على يده دون أن يقول، وربما دون أن يشعر!

أنا وهو قد لا نغير العالم، لكننا حين تقوم القيامة، ونُسأل عن "لا إله إلا الله" هل أدينا حقها؟ فسنعرف حينها كيف نجيب، ووحده سبحانه القادرُ على إنقاذ عالم يتأرجح على حافة الجحيم ليعيده إلى طريق الهداية، ووحده الله الذي لا إله إلا هو، وعدَنا أنه سيغير ما بنا إذا غيرنا ما بأنفسنا!

كلمات مفتاحية: رسالة، الإسلام، الحكمة، الصلاة

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة