مريم الخطاط
مريم الخطاط
491

ممتنون لتلك المواقف التي تأتينا على هيئة دروس!

6/2/2019

قبل أيام قليلة من اليوم اتصلت بجارتي لغرض ما، فأجابتني بصوت متقطع ومرتعش سألتها ما الأمر هل تبكين! قالت لي "نعم"، قبل أن تخبرني أن الأستاذ الذي كان يدرسها في الابتدائي الذي لم تراه منذ أكثر من عشرون عاما، توصلت بخبر أنه قد توفي، كان هذا الخبر صدمة كبيرة لها، سألتها "لم تريه كل هذه السنين وخبر وفاته أثر فيكِ لهذه الدرجة!" أجابتني أنها حاولت حبس دموعها لكنها فشلت عندما تذكرت المواقف القليلة والمؤثرة التي عاشتها رفقة ذلك الرجل، قالت لي أنه مرة طلب من كل تلميذ في القسم أن يقترح اسم شخصية تاريخية مؤثرة يحبها، فأجابت هي بـ اسم "جاك بغيل" إنه مغني فرنسي مخضرم، استغرب الجميع حتى ضحكوا عليها بكل سخرية، "ماذا هاهاها.. جاك بغيل من يكون.. يا له من اسم غريب! أكيد أنكِ لم تتمكني حتى من نطق اسمه صحيحا"، واستمروا في الاستهزاء بها حتى أسكتهم الأستاذ بعبارة "اصمتوا دعونا نسمع منها، فسألها والدهشة مرسومة على محياه: "أنت في هذا السن الصغير جدا وتستمعين لهذا النوع الراقي من الموسيقى والأغاني، هل تفهمين الكلمات أنها بالفرنسية!"

 
فأجابت أنها تحب الاستماع له رغم عدم فهمها للغة الفرنسية، هي فقط تحس بالفرح والاستمتاع والاختلاف في أغانيه، وأنها تعشق تلك الإيقاعات الهادئة والكلمات التي تطرق مسمعها رغم عدم فهمها لها، كانت دائما تسمع أغانيه في قناة تلفزيونية دؤوبة على عرضها لفترات متقطعة من اليوم، طلب الأستاذ من التلاميذ الوقوف احتراما وتشجيعا لها قائلا: "هذه الفتاة ستكون في المستقبل بارعة ومتمكنة من اللغة الفرنسية فلا تضحكوا عليها مجددا، هيا صفقوا لها جميعا وأنا بدوري سأصفق لها".

المواقف التي تأتينا على هيئة دروس هي من تصنعنا بحلوها ومرها علينا فقط أن نتسلح بالإيمان الذي يجعلنا نأخذ من الحياة اليومية ومن كل دقيقة فيها ما ينمي فينا شعور الرضى

قالت لي بالحرف وبالنفس الصوت الباكي والحزين "تخيلي لو أنه أيضا سخر مني لكان قد حطمني وجعلني أكره اللغة وأكره كل القسم وربما لكنت كرهت المدرسة بأكملها، لقد أعطاني ذخيرة من الثقة  تكفيني ما حييت"، وأضافت أن هذا الموقف أخد من فؤادها الحيز الأكبر وكان حافزا لها في أن تتعلم اللغة بكل حب، حتى إنها أصبحت متمكنة منها بل ومغرمة بها حد الجنون، هي الآن في الأربعينات من عمرها تمارس دائما روتينها المعتاد، تقفل عليها غرفتها وتقرأ روايات باللغة الفرنسية حتى أنها اكتسبت الرقي والفخامة والنضج من الفرنسيين الموجودين في الروايات، ما تزال محتفظة بذلك الموقف وتتذكره كل مرة، وقبل البارحة وأنا على متن القطار الذي اعتدت على ضجيجه وغربائه والعاملين فيه، كان المراقب يمارس عمله الروتيني، يطلب تذاكر السفر من الراكبين للتأكد من صلاحيتها.

مر علينا جميعا وتأكد من أن التذاكر لا مشكلة فيها ومضى، حتى عاد بعد ثوانٍ وطلب من راكبة أن تعاود إعطائه التذكرة، بعد أن حدق فيها طويلا قال لها ما مفاده أن التذكرة فيها تاريخ مختلف وهذه تعتبر مخالفة، حاولت هي أن تدافع عن نفسها وقالت أنها طلبت من العامل في مكتب المحطة قبل صعودها القطار أن يغير لها التاريخ، وبالفعل تم ذلك لكنه أحتفظ بالتذكرة المصححة سهوا منه وارجع لها تذكرتها القديمة بنفس تاريخها حتى أنها لم تنتبه، قاطعها في منتصف الكلام ولم يصدقها وأمرها بدفع مبلغ ضعف أضعاف الثمن الأصلي للتذكرة، وأنها ستخضع للمحضر لدى الشرطة وطلب منها بطاقة التعريف واعطته إياها وذهب، هي كانت محرجة جدا جدا، ولكنها تتظاهر بالقوة والصلابة، انتظرته كثيرا حتى يعود ومعه بطاقتها الوطنية لكنه لم يفعل، بحثت عنه ولم تجده، حتى عرفت من زميله أنه غادر القطار في محطة أخرى، أصيبت بالصدمة وعيناها امتلأت بالدموع عندما قال لها زميله في العمل أنه لا يحق له بالمرة أخد بطاقتها، وأن عمله يملي عليه أخد المعلومات والبيانات الشخصية فقط وإرجاع البطاقة لصاحبها. 


يا له من موقف محرج ومضغوط تعرضت له تلك الفتاة أمام الجميع، حاولت أن تخفي دموعها لكن الاحمرار والحرج تسلل حتى وجنتيها فاحمرت، كنت أود أن أخبرها بشيء يرفع من معنوياتها، وقبل نزولي من القطار أخبرتها أن لا تبالي له وأن تعتبر ما حدث للتو درسا قيما رغم قساوته، تعلمت بل تعلمنا منه نحن من شاركناها المقاعد المجاورة لها أن لا تضعف أمام أي صاحب سلطة ولا تعطي بطاقتها لأي شخص مهما كان إلا في قسم الشرطة، ربما لو حدث الموقف معي لكنت تصرفت مثلها جهلا مني بهذه النقطة، لكني الآن تعلمت من هذا الموقف، وأكاد أجزم أنها تخلصت من الفتاة الخائفة الموجودة بداخلها التي تخرج في اللحظات المحرجة وتذرف الدموع بسرعة، أظنها تخلصت منها واكتسبت قوة ووعي.


كثيرة هي المواقف التي تؤثر فينا، والحياة عبارة عن سلسلة من الأحداث يعيش وقعها بداخلنا منها السيء والجيد، لكن طوبى لنا بتلك المواقف التي نشاهدها ونعيشها كل يوم، فيها من العبر ما يترسخ في العقل بقوة، إنها تسلحنا بالعديد من القيم والمفاهيم الغائبة عنا، ربما لو كانت تلك المواقف دروس ممنهجة لما فهمناها ولا أخدنا منها ذلك الوعي الذي تتركه فينا عندما تكون حقيقة تمارس أمامنا ونشاهدها ونعيشها، أحيانا بل وفي الكثير من الأحيان نشارك الجلسة مع أحدهم أو إحداهن فننبهر بكمية النضج وجودة الأفكار ولطافة الطبع، تظن أنه تعلم فقط من المدرسة والجامعة أو المعاهد العليا، لكنه يفاجئك أنه تعلم أيضا من الحياة تعلم من المواقف، فأخد منها الدرس الذي يناسبه وينفعه، هذا ما يسمى  بفضل المواقف والأحداث علينا، نتذكره ولا ننساه، كل واحد منا يحتفظ بموقف أثر فيه وترك حمولته داخله سواء كانت حمولة إيجابية أو سلبية، وبتأكيد هناك أناس غيروا حياة أشخاص على كوكب هذه الأرض بسبب موقف ما، هنا طبيب كان حنونا في مراعاة نفسية مريض ما، فاختار أن يكون  لبقاً وإيجابيا في طريقة وصفه لمرضه، فكانت طريقة سلسة جعلته يطمئن ويرى أملا في الشفاء، وهناك زوج تذكر تاريخ ميلاد زوجته فبعث لها باقة ورد أو جهز لها طاولة في مطعم ما فيها كل ما تحبه المرأة في ذكرى كهذه، وموقف جار يملك سيارة فاستيقظ باكرا لإيصال جاره إلى المستشفى في حالة طارئة دون أن يطلب منه ذلك، وموقف شاب أمسك بيد عجوز وقطع به الشارع.. 


باختصار المواقف التي تأتينا على هيئة دروس هي من تصنعنا بحلوها ومرها علينا فقط أن نتسلح بالإيمان الذي يجعلنا نأخذ من الحياة اليومية ومن كل دقيقة فيها ما ينمي فينا شعور الرضى، الرضى بكل اللحظات والمواقف التي مررنا وسنمر بها، وأنه ما زالت ستأتينا في الحياة أحداث أخرى تتراقص حولها العبر، وستعلمنا ما ليس هو موجود في الكتب، الروايات والمقررات، وعليه فإننا ممتنون للمواقف ممتنون لجمالها وقسوتها، ممتنون كثيرا لكل ما تتركه فينا من أثر ونضح وتقبل، تقبلها بنفسية مسالمة، مؤمنة بقيمة تلك المواقف وقيمها. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة