رامي إبراهيم البنا
رامي إبراهيم البنا
722

اللغة بين الفصحى واللهجات العامية

14/3/2019

اللغة ليست كائنًا جامدًا بل هي مرنة إلى أقصى حدٍّ وكلّما زاد عدد المتحدثين بها واختلفت بيئاتهم واتسعت الهوة بينهم، كلما ساعد هذا في تولّد لهجات لهذه اللغة واتسمت هذه اللهجات بخصائص تميز كل لهجة عن أختها، وهذا لا يصدق على اللغة العربية فقط، بل ينطبق على الإنجليزية فإننا نرى لهجة أمريكية وإنجليزية وأسترالية وهندية وإفريقية وفي كل لهجة تجد عدة أشكال أخرى من اللهجات. فأمريكا مثلا وهي التي تضمُّ خمسين ولاية و325 مليون نسمةً ومساحتها تمثل قارة كاملة مع دولتين أخرتين المكسيك وكندا لا يتحدّث أبناؤها بلهجة واحدة، فأنت إذا قلتَ بأنك تتحدّث اللغة الإنجليزية باللهجة الأمريكية فهذا لا يعني أن كل الأمريكان يتحدثون بهذه اللهجة التي تتكلم بها، بل قد يوجد منهم من قد لا تستطيع أن تفهمهم وهذا لا ينطبق على اللغة الإنكليزية فقط بل اللغة الألمانية يقع فيها نفس الشيء، فلهجة الجنوبيين غير لهجة الشماليين الألمان وهذا ينطبق على أماكن أخرى كثيرة في ألمانيا.


وقد عالجت هذا في اللغة التركية كثيرًا، وكانت تحدث في ذلك أشياء كثيرة طريفة منها أنه في بداية تعلّمي للغة التركية تعلّمت جملة: "كيف حالك؟".. وهذه من الجمل الابتدائية التي تُتعلم في أي لغة وكيف حالك في التركية تعني بداءة جملة Nasılsın... فهذه هي الترجمة الحرفية والرسمية الموجودة في الكتب. وذات مرة جاءني صديق تركي وقال لي Ne yapıyorsun، وهذه في التركية تعني: ماذا تفعل؟... فأجبته على التو بالتركية قائلا: أنا أجلس على الكرسي... فقال لي: أنا لا أعني هذا أعني كيف حالك؟... ولا يستعملون جملة ماذا تفعل؟ فقط للدلالة على هذا المعنى... بل يقولون: ماذا فعلت؟ أيضا في صيغ أخرى..

من المعروف أن اللغة العامّية ينظر إليه باستحقار من قِبَل متخصصي اللغة العربية حتى صُدِّرت هذه النظرة إلى متعلّمي العربية من غير ناطقيها وهو خطأ فاحش كبير لا ينبغي أن يصدر ويستمر

ومرة أخرى وأنا جالس بين أصدقائي الأتراك على الفطور وكنا كثرة والأجنبي الوحيد كنت أنا بينهم، فقال لي صديق منهم: Ne var ne yok?... والترجمة الحرفية لهذه الجملة هي: "ما الذي موجود وما الذي غير موجود؟... فأجبته مُرتَبِكًا: لا يوجد شيء موجود ولا شيء معدوم، فضحك الجميل ومرّ الموقف وأنا محرج، ثم جاءني هذا الصديق بعد ذلك وقال لي مُعلِّما: إننا نعني بهذه الجملة: "كيف حالك؟.. وهكذا أصبحت جملة كيف حالك لها عدة صِيغ في التركية.


ولما انتقلت من مدينة استانبول إلى مدينة نوشهير وهي واقعة في وسط الأناضول، مدينة تحت أنقرة وقريبة من قونيا وأقرب إلى قيصري، وجدت أن جملة: كيف حالك؟ مختلفة كل الاختلاف عما يقال في استانبول يقولون: Ne örüyün.. وهو معنى غريب مدهش. فالمعنى الحرفي لهذه الجملة: ماذا تغزِل؟.. لكنني وجدتهم يستعملون هذه الجملة في معنى كيف حالك؟.. أو بمعنى ماذا تفعل؟.. ويُعمّمون هذا الاستعمال على كل شيء. فمن الطرائف أيضًا أنني ذهبت إلى مصلحة التأمين الصحي لأستخرج بعض المستندات وكان يوجد هناك رجلٌ عجوز تركيٌّ بامتياز يحبُّ الحديث والفضفضة والبحبحة في الكلام، فحدّثني عن نفسه وأنه سينتقل إلى المعاش قريبًا وعن ولده الذي يتعلّم في أنقرة وهو مجتهد جدًّا، وفي وسط الكلام قال لي سائلا عن مصر وحالها: Mısır ne örüyür?.. وكما قدّمنا فإن المعنى الحرفي لهذه الجملة ماذا تغزِل مصر؟ لكنّه لم يكن يعني ذلك أبدًا بل كان يعني كيف حال مصر الآن؟ أو كيف وضع البلاد الآن؟ فأجبته على التو، ويستعملون هذا المعنى في عدة أشكال ماذا غزلت وماذا ستغزل وما تغزل؟ وكل هذه الجمل تعني كيف حالك أو ماذا ستفعل.


وهذا الاستعمال ليس في مدينة نوشهير فقط، بل ينتشر في مدن كثيرة من بلاد الأناضول كمدينة قيصري الكبيرة ومدينة قونيا وغيرهما ومن الطُرَف التي يذكرونها هنا أنهم يقولون: إذا اجتمع اثنان من قونيا خرج منهم أربعة من: "ماذا ستغزل" بالتركية Ne örüyün... يقول الأول: ماذا ستغزل؟ فيردّ الآخر: ماذا سأغزل؟ فيرجع الآخر قائلا: ماذا ستغزل؟ فيرد الأول قائلا: ماذا سأغزل؟


وهذا الاستعمال العامّي نجد له مشابهًا في لهجتنا حينما يقول لك صديقك بالعامّية: أنت عامل إيه؟ فتقول له: أنا حاعمل إيه يعني؟ وإنت عامل ايه؟ وهكذا وبالعودة للمعنى السابق القريب، فإن استعمال أتراك وسط الأناضول لجملة ماذا تغزل؟ للدلالة على ماذا تفعل يعطينا معنىً ما أو خلفية عن الحياة قديمًا في هذه المنطقة وأهمّية الأعمال اليدوية كالغزل ونحوه.


ولاختلاف أمر اللهجات في اللغة التركية وضع القائمون على دراسة هذه اللغة والحفاظ عليها ما يُسمّى بتركية إستانبول Istanbul Türkçesi ... وهو الذي يُعلّم في المدارس والجامعات وللأجانب أيضًا. وأمر هذه اللهجات ليس بالأمر السهل الهيّن على متعلّمي اللغة خاصة من غير أبنائها، ويزداد الأمر صعوبة في اللغة العربية مثلا، فالملايين الذي يتحدثون بهذه اللغة متوزعون في مساحة جغرافية واسعة وعلى بيئات مختلفة وثقافات مختلفة، لذا تولّدت في اللغة العربية العديد من اللهجات وفي كل لهجة العديد من اللهجات أيضًا. فعلى سبيل المثال مما يُشاع عن المصريين نطقهم لحرف الجيم كحرف G الإنجليزي، ويُعاب عليهم في ذلك ولا يَدري من يقول ذلك أن هذه لهجة واحدة في الجيم. وأن هناك عدة لهجات في حرف الجيم في اللهجة المصرية، فمن المصريين من ينطقها صحيحة وهي أن تحبس الهواء أثناء نطقها ليس كالنطق الشامي الشبيه بحرف J الإنجليزي، ومن المصريين أيضًا من ينطقها بشدة حتى تقارب حرف الدال من الصعيد، علاوة على هذا فإن هناك شعوب أخرى تنطق هذه الجيم غير المصريين مثل السودان واليمن أيضًا.


على أي حال فإن هذا الاستطراد عن اللهجة والعامّية يقودنا إلى استطرادٍ آخر وهو الحديث عن عامّيتنا نحن، فمن المعروف المألوف أن اللغة العامّية ينظر إليه باستحقار من قِبَل متخصصي اللغة العربية حتى صُدِّرت هذه النظرة إلى متعلّمي العربية من غير ناطقيها وهو خطأ فاحش كبير لا ينبغي أن يصدر ويستمر، لأن العامِّية في نهاية الأمر لغة حديث ويتحدث بها الملايين وإهمال العامّية أدّى إلى ما نحن فيه، من جهلنا بالتراث الشعبي الموجود لدينا سواء في مصر أو في غيرها من البلاد العربية، وأكثر من هذا غرابة أن تُعتَبر اللهجة العامية ضد القرآن وضد الإسلام وهذا خطأ لأننا بالأساس مقصرون أصلا في نشر الفصحى وتعلمها وتعليمها وهذا هو عين التقصير، لكن أن تكون مقصِّرًا في فهم اللغة العربية الفصحى وجاهلا بها وتظل أيضا ضد لغتك العامّية فهذا خطأ آخر.


وإذا سمعت من المتعلمين غير الناطقين بها وهم يتعلمون الفصحى. ستجد منهم إحدى الشكاوى المشتركة منها أنهم يقولون: إننا نتعلّم لغة لا يتحدّث بها أو يقولون بأننا إذا ذهبنا إلى بلد عربي وحاولت التحدث معه بالعربية الفصحى ضحك عليّ وسخر مني وهذا تقصير أيضًا منا نحن العرب لأننا ليست عندنا مناهج قوية رصينة تواكب التقدّم الكبير الذي وصل العالم وإذا أردتَ أن تعرف هذا فقارن مناهج تعلّم اللغة الإنجليزية مثلا بالمناهج والكتب المنتشرة لتعلّم العربية.


والخلاصة أن الانتقاص من للهجات العربية واحتقارها قد بدا في أول أمره كردّة فعل عنيفة كالعادة في أوائل القرن الماضي لدعاة إحلال العامّية مكان الفصحى أو تبديل حروف الفصحى ونحو ذلك، واستمرّ هذا الأمر إلى الآن وهو خطأ، فالمطلوب الاهتمام باللهجة العامية مع الاهتمام باللغة العربية التي هي في الأساس لم تُعطَ حقُّها من أبنائها وعدم احتقار اللهجات فهذه اللهجة هي لغة أمي وأمك وأبي وأبيك فلابدّ من دراستها والاهتمام بها وبتطوّرها في الحقل البحثي ومن المعلوم أن علم اللهجات هو أحد فروع علم اللغة ونحن متأخرون في كل هذا، وقد تجد الغرب أكثر علمًا بنا منا في كثير من هذه الأمور والواجب أيضًا تعليم هذه اللهجات للراغبين في تعلُّم العربية من غير أبنائها وقد كنت أقول دائمًا إنّ الأجنبي الذي يريد أن يتعلّم العربية له هدف من تعلُّمها فلابد أن تُدرَّس هذه اللغة بناء على الهدف الذي يريد. فالتاجر مثلا الذي يريد أن يصنع تجارة مع العرب بلسانهم والذي سيتعامل مع طبقة التجار من العرب لن يقابل التاجر العربي الذي هو في الغالب لا يعرف الفصحى بقوله: ما ثمن هذا؟ ولن يفاوضه في الأسعار والأثمان بالفصحى ولن يتم هذا الحوار بهذه الطريقة بل سيكون أقرب إليه وإلى التاجر أن يتحدّث بلغته أما إذا أراد أن يتعلم أحد العربية لأجل العلم والتراث وفهم القرآن والسنة فعليه تعلّم الفصحى على أصولها كما جاءت في الكتب ÇÇÇ فهل نفعل نحن هذا؟!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة