"جينات التيه".. نحو جمهورية جديدة للحراك الجزائري.

14/3/2019

أسبوع آخر ينقضي منذ أن بدأت المسيرات السّلمية في ربوع الوطن، لم يكن يوم 22 فبراير 2019 كغيره من الأيام التي مرت على الجزائر منذ الاستقلال، فبعد السنوات العجاف التي عاشتها الجزائر إبّان العشرية السّوداء، ومحاربة الإرهاب الذي هدد الأمن والسلم الداخلي، تراجع منسوب التظاهر والتجمهر بالميادين العامة والطرقات، كان الخوف يسيطر على جينات أيديولوجية شهدت الثورة وزمن التصحيح وموجات الصّحوة، ما أوجب تمسّكها بمشروع الاستقرار الذي أعاد للبلد سلمها الوطني.

 

إلا أنّ فترة التسعينيات من القرن الماضي أنجبت جيلا داخل جمهورية بدأت أو لنقل تفاقمت فيها صراعات الهوية والبحث عن مخرج للمعضلة السياسية/الديمقراطية والاجتماعية/القاعدة الشعبية، لم تستوعب جينات التسعينيات تلك الحقبة التي ظلت مطوية في صحف الماضي وكراسات السّاسة المطبوعة، بل راحت تصنع لذاتها عالما مغايرا عن التاريخ الذي أورثته إياها سرديات أبوية، ليس نكرانا منها للتضحيات التي قدّمها المناضلون للاحتلال الفرنسي، ولا جحودا منها للإرث العربي والأمازيغي، بل استجابة منها للحركة الثقافية والمعرفية التي خلفتها سياسة الانفتاح وعولمة الأشياء.

 

عبثا كنّا نجرب إذ في كل مرة نتيه داخل جداريات لا معنى لها، كنّا نرفض كل نقد يحرر تبعيتنا ويجدد إيماننا بأنسيتنا، لقد شوهت صور الجدر المتخيلة يقيننا الثابت، وتركت ذواتنا يتآكلها شعور كراهية الجدران التي أحاطت بها منذ الاستقلال

سمحت الجزائر بعد المصالحة الوطنية للعديد من الشركات الأجنبية بالاستثمار بغية إشباع السّوق الانتاجية والمالية، كما أنّها فتحت قنوات عديدة للبرامج التنموية والتوعية التي ساهمت في بناء ذوات تتضاربها قيم الغرب والتراكمات المحلية، الأمر الذي خلق تباعدا ما بين مريدي النهضة الحضارية وتشكيلات التنوير المتخيّلة، هذا الشرخ ظهر جليا في البرامج التعليمية المستنسخة من الخارج ومشاريع آليات التوظيف وعولمة الشركات الخاصة وتهاو القيمة النّقدية للعملة المحلية، إلى جانب عزوف المجتمع المدني عن بناء ذاته والعمل على ترسيخ العناصر الوطنية للبنى التاريخية، حددت لنا تلك السياسات النّمطية نموذجا نشاهد أعماله الفنية والتحررية اليوم في ساحات افتقدت رموزا مثل الأمير عبد القادر والعربي بن مهيدي وفاطمة نسومر ومصالي الحاج، جيل "الكيراتين والواتساب" كما يصفه حراس الثقافة "الظرفية"، لا يحملون أيّا من شعارات الماضي ولا آهات المذاهب الفلسفية، بل أوراقا وصفحات بفضاءات رقمية يكتبون عليها جملا مختلفة تبدأ "بلا"، ببساطة تامة هم يتظاهرون لمستقبل متعدد اللوحات والألوان، بوطن يكابد للخروج من منفاه التجريبي، لذلك يقومون بعد كل تظاهرة بتنظيف الشوارع وكنس النّفايات.

  

ما يثيره هذا الحراك هو سؤال البحث عمن وراءه، إذ أنّ دوافعه لا تخفى على عاقل يبصر حجم الفساد والبيروقراطية التي يتقاسمها المجتمع والسّلطة معا، مع تفاوت حجم التأييد الشعبي للحراك، إلا أنّ الأمر أعمق بكثير من أن نلصق هذا الخروج الكثيف للشباب "بالدّولة العميقة"، نحن بحاجة إلى الغوص في تفسير بواعث الحراك وعدم تشتيت الرأي العام عن مطالب المحتجين، فاللافتات التي تحمل مطلبا وحيدا وهو عدم الاعتراف بالعملية السياسية، تواجه استباقية من طرف اللوحات السّوداء للأطراف المتصارعة.

  

ببساطة يرفض أولئك الشباب حالة "العجز" "والشعور بالإهانة" التي تثيرها صور مرشحي الانتخابات؛ تطورت الأمور بالجمعة الثانية حيث ظهرت أصوات مناديه لدمج الحراك داخل "رفوف المعارضة" أو اقتفاء خطى "مثقفي البلاط"، وهنا لفت انتباهنا بعض الظواهر التي سبقت يوم 22فبراير، حيث برزت شخصيات (هزيلة) تتاجر بتطلعات فئة الشباب المهمشة، والتي حملها حلم الكرامة والرفاهية نحو أوربا عبر قوارب الموت، كما أنّ جيل المعارضة مازال يرابط عند مطلب "إسقاط النّظام" الذي يواجه رفضا من جهات هي الأخرى تملأ الشوارع، يترافق مع مشهد الاحتجاجات لغة التهكم على السّلطة والمعارضة وأرباب المال، هذا التفشي "للذات المتهكمة" مبرر مقارنة بما قامت به السّلطة في السنوات الأخيرة.

  

إلى ما يفوق خمسين عاما ظلت الخميرة الثورية تستورد "الحكمة الشاملة" متكهّنة في كل مرة نجاعة مشروع ما، عبثا كنّا نجرب إذ في كل مرة نتيه داخل جداريات لا معنى لها، كنّا نرفض كل نقد يحرر تبعيتنا ويجدد إيماننا بأنسيتنا، لقد شوهت صور الجدر المتخيلة يقيننا الثابت، وتركت ذواتنا يتآكلها شعور كراهية الجدران التي أحاطت بها منذ الاستقلال، التاريخ يرفض تجميل تلك الندبات كي لا تستقر به حقيقة، ليفرض خوفه المرضي على الثقافات المختلفة، ما أفرز مجتمعا قلقا مشتت الهوية، وإذا كان تيهان قوم موسى عقابا إلهيا، فإنّه كان نتيجة خطيئة منبثقة من نفوس مقهورة خفت صوتها في وجه الطغيان، فتوارت خلف عجزها وذلّها تلك الآهات التاريخية التي لم تندمل جراحها بعد.

  

يتمرد النّاس على السّلطة لوحي منبتق من الذات، حيث العقل يتحرر من جميع التزامته الفردية؛ يأتي هذا الاحتجاج للأطياف المختلفة والمكونة للمجتمع الجزائري، كلوحة فنية جديدة تصادر الصّورة التي جمع إطارها زوايا النّظام (السّلطة/المعارضة/الإعلام/المثقفون)، كما أنّ شعار الشباب في صفحات التواصل تخطى حاجز أبدية الوضع القائم؛ لم يكن بمقدور نخب الاستقلال استكمال مسيرة الإبداع المجتمعي بسبب قوة الموروث الاستعماري الذي تركها تستقبل قراءات متعددة بآليات حتمية للعالم.

 

تمتلك السّلطة الجزائرية النّفس الطويل بمقترحاتها عبر رسائل الرئاسة وهيئة الأركان، يأتي دور الشباب في كيفية تأطير هذا الحراك وتطهيره من ثعالب السياسة

مع هذا (التسليم) الذي بلغ ذروته تشكل جيل خارج محيط المعرفة المتأزم كي يعيد إنتاج واقع يليق به، دون أن يكون خاضعا ومبتذلا في اكتفائه بالتعبير عن فردية أكثر إغراقا في الاختلاف، "لا" التي تصيح بها الحناجر هي ذاتها التي كانت فيما مضى تحجب الحقيقة عن العالم، عن الجمال الذي يختبئ وراء الأشياء، لم تترك سياسات الأطر السّامية والشخصيات المألوفة والوعي المتشظي مجالا لتلك الفئة الفارة من غيابات السّجون الثقافية، يريد الشباب اليوم التحرر من كل شيء، العمل على تحقيق طموحاتهم وأهدافهم من دون مساومة، هم الآن يحيلون تاريخنا إلى التقاعد كي تسنح لهم الفرصة ليكتبوا تاريخا يليق بهم، الآن، وقد استفاق الكل ووجد وطنيته أمام رهانات مستقبلية، تنتظر الجميع أن يفتح بابا للحوار نحو جمهورية جديدة.

 

لقد أظهرت مالات "الربيع العربي" توجسا ملحوظا لدى بعض الدول التي نجت من موجات التحرر، فراحت تشيطنه وتحذر منه متهمة إياه على أنّه صنيعة الحركة الصهيونية، وبدل الاهتمام والاصغاء للأصوات الشعبية المنادية بزوال الطغم الفاسدة، ظل خطاب التخوين للعقول المنتفضة مستقرا لدى الطبقة الحاكمة والقطط السمينة، بينما الشعوب تآكلها سارقوا الانتفاضات ودهاليز الادارة وتأويلات المواد، لقد رهن مبارك "مصر" بتسليمه السّلطة للمجلس العسكري، في حين أدى تشبث الأسد بمنصبه إلى طوفان من الهجرة بسبب القصف العشوائي للأحياء السّكنية، أما المغرب العربي الكبير فقد نجى من تلك الهزة العنيفة التي أصابت المشرق.

 

بينما ليبيا تعاني من ويلات الحرب والانقسام الداخلي، كنتيجة حتمية لأربعين عاما من نظام الحكم اللامؤسساتي الذي عارض الممارسة الديمقراطية التي تحفظ للمواطنة دولتها، بل راح يجمع السّلطات كلها، لتزول معه تلك الجغرافيا التي عشعش فيها تاريخ مليء بالصراعات، يتهدد ليبيا اليوم خطر الانقسام نتيجة ضعف التمثيل السياسي وتصادم المشاريع الغربية؛ إنّ (الربيع العربي) الذي بدأت شرارته من تونس عاد إلى الشّمال الإفريقي في حلّة حضارية تفوق ذلك المد الصّحوي والتنويري، ومثلما تقوم المراكز والمخابر بدراسة الحالات الانسانية والتاريخية، كان عليها أن تجتهد في تحليل الظاهرة التي تمثل حقبة تستعد لكتابة تاريخ الابداع الإنساني لا رسم جغرافيا مغايرة.

 

من المبكر عدّ الحراك ربيعا جزائريا لعدة اعتبارات منها، أنّ الشارع اليوم ترابط به الدولة العميقة وباروناتها مزاحمة الشباب المتطلع للحرية والعيش الكريم، مما يخلق تساؤلات حول إمكانية تقاسم المطالب، فشعار "لا للعهدة الخامسة" لا ينفي القطيعة التاريخية مع النظام القائم، بل يثير سؤال هوية النظام المستقبلي، كما أنّ الدعوة للعصيان المدني يشوبها الكثير من اللبس، وبدل أن تعلوا الأصوات "بالشعب يريد إسقاط النّظام" أو "ارحل" مثلما كان الحال في تونس ومصر وسوريا، يردد الشباب المتظاهر وسط العاصمة والولايات الأخرى "بلا للعهدة الخامسة"، ومع إفلاس المعارضة وطرد رموزها من الشارع، يخشى على الحراك من سيطرة بارونات الدولة العميقة على سقف المطالب واستبدالها بشعارات تهدد الأمن الداخلي، ورفض أيّ محاولة للحوار مع السّلطة.

 

يظهر ذلك في تبني الدعوة لإقصاء الحزب الحاكم وموالوه؛ إنّ النّقلة الحضارية في التجمهر تقدم نموذجا مختلفا لما كان عليه الوضع سابقا، فانعدام التصدعات بالدوائر الأمنية هو ضمان لبقاء مؤسسات الدولة وعدم تحريف المطالب نحو "المتاهة"، تمتلك السّلطة الجزائرية النّفس الطويل بمقترحاتها عبر رسائل الرئاسة وهيئة الأركان، يأتي دور الشباب في كيفية تأطير هذا الحراك وتطهيره من ثعالب السياسة، وتجسيد رؤية لمشروع سياسي واقتصادي، من النّاحية الدّولية تبارك الخارجية الفرنسية سحب السيّد عبد العزيز بوتفليقة ترشحه لعهدة خامسة بعد صمت طويل لقصر الإليزيه، بينما تظل تغريدة الرئيس الأمريكي ترامب "بحرية التظاهر" تجوب سماء الجزائر، يجيبه المتظاهرون "زيتنا في بيتنا"، فهل بمقدور الجزائريين الجلوس إلى "طاولة الحوار الوطني" بعيدا عن مؤتمرات جنيف واتفاقيات باريس.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة