كوثر أبو سعدة
كوثر أبو سعدة
885

كيف أصبحت الثورة السورية حربا بالوكالة لقوى دولية؟

16/3/2019

"حين الحاكمُ سمعَ القصةَ، أصدر أمرا للسياف بذبح الديك، قال بصوت الغاضب: كيف تجرّأ ديكٌ من أولاد الحارة أن ينتزع السلطة مني كيف تجرأ هذا الديك؟ وأنا الواحد دون شريك"

-نزار قباني

  

"إجاك الدور يا دكتور" و "يسقط الأسد" و "الشعب يريد إسقاط النظام"، عبارات أطلاقها تلاميذ على جدران مدرسة "الأربعين للبنين" في بلدة "درعا" بعد انتهاء دوامهم المدرسي، وفروا بعدها إلى منازلهم. ورغم بساطة الفعل، لم يدركوا هؤلاء الأطفال بأنهم تسببوا بإطلاق موجة واسعة من الاحتجاجات التي بدأت من "درعا" والتي أصبحت مهد الثورة في ذاكرة السوريين. فعندما دق جرس إنذار المدن والمحافظات السورية في عام 2011 بدءً من "درعا"، وخصوصاً بعد سقوط بن علي وتنحي مبارك عن الحكم، تبدل حينها وجه المدن السورية التي عُرفت بجمال طبيعتها ومعالمها وحضارتها وثقافتها وآثارها ومساجدها وكنائسها، إلى مجازر وتهجير لشعبها، وذلك من خلال الوحشية التي قابل النظام بها الشعب السوري "المُعارض" الذي كان على يقين بأن التغير قد حان وقته.

 

فمنذ اللحظة التي اندلعت بها الثورة السورية، حتى الآن، والتي بدأت من احتجاجات عفوية سلمية للقضاء على فساد وديكتاتورية نظام الأسد وللمطالبة بالحرية والكرامة، إلا أن الاحتجاجات السلمية، واجهها نظام الأسد "القمعي" بالسلاح والذي تسبب في سقوط مئات الآلاف من الضحايا.  يقود الأسد حرب وجرائم ومجازر أمام أعين المجتمع الدولي المُغلقة، متفنناً في تصفية دماء شعبه والذي كأي رئيس يتسلم مقاليد الحكم، لابد أن يتعهد بحماية الشعب والحفاظ على كرامتهم وعلى الدستور، إلا أنه لم يكن قادراً على أن يفي بالعهد رُبما بسبب ما توارثه عن أبيه "حافظ الأسد" الذي عُرف بإجرامه، ولكن الفارق بينهما أن بشار كان أكثر إجراماً وعنفاً من أبيه. فقد استطاع بشار أن يحوّل الاحتجاجات السلمية العفوية إلى حرب مسلحة، ساهمت في إشعال المشكلات الطائفية التي أسس لها الاحتلال الفرنسي في سوريا.

 

لم تُترك سوريا وحدها في الحرب، فقد بدأت فصائل عدة بالتشكُل من خلال الدعم التي كانت تتلقاه من دول العالم أجمع. كما تسابقت قوى دولية عظمى وإقليمية لتدخل عسكرياً في سوريا، وكل منهم كان يتسابق حسب مصلحته. لذلك، سنسعى عبر هذا التقرير شرح الكيفية التي أصبحت فيها سوريا ملعباً دولياً، بالإضافة إلى العوامل والمصالح التي كانت وراء الدعم والمساندة الدولية والإقليمية للأسد ونظامه بهدف إبقائه على سدة الحكم، ربما حتى لا يأتي حاكم آخر أكثر "راديكالية"، وللحفاظ على مصالحهم المتحققة، أو توسيع رقعتها.

   

  

السجين الذي تتلمذ على يد سجّانه

حسب ما أشار له كوثراني في كتابة "بلاد الشام في مطلع القرن العشرين: السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية" أن التاريخ: "ليست المسألة مسألة مؤامرة، فالتاريخ لا تصنعه المؤامرات، لكن لميزان القوى بين الأطراف، وللعلاقات المنسوجة بين قوى الداخل وقوى الخارج، دورا في ترجيح ما هو محتمل وممكن، وما هو مسموح به أو ممنوع".

  

لذلك، فالعودة للتاريخ ضروري لفهم التحولات التي لحقت بالبلاد مع وقوع الثورة، حيث إن الطائفية التي لعب بشار على أوتارها لم تكن سوى مخلفات الاحتلال الفرنسي، وذلك لأن الاحتلال كان يستغل النعرات الطائفية لتسهيل السيطرة على سوريا عبر توسيع دائرة المتصارعين ومن ثم الظهور كمنقذ يسعى لإدارة هذه الفوضى. كما قام الاحتلال الفرنسي آنذاك بتقسيم سوريا إلى أربع دول، هي: الدروز والعلويين ودمشق وحلب، وبعد الاحتجاجات الشعبية التي استمرت على مدى عامين، قام الاحتلال بتشكيل ما عُرف بـ "الاتحاد السوري" في عام 1922، المكون من حلب ودمشق والعلويين. إلا أن ذلك الاتحاد لم يدم طويلاً، ففي عام 1924 قام الاحتلال الفرنسي بإلغائه، ووحد دولة "سوريا" حتى اندلاع الثورة السورية الكبرى في عام 1925. وقبل عام من استقلال سوريا، شهدت حركة شعبية واسعة ضد المستعمر الفرنسي التي ارتكب فيها جنود الجيش الفرنسي إحدى أبشع جرائمهم في التاريخ الحديث.

 

وبالانتقال لسوريا الحالية، وحسب تقرير "الجزيرة نت"، فقد انتقلت سوريا من العباءة الفرنسية تجاه عباءة في معسكر آخر، أي الاتحاد السوفييتي. وقد كان لأحداث احتجاجات حماة 1964 الأثر الرئيس في تشكيل ملامح الوجه الجديد لسوريا، والتي عُدّت حينها أول احتجاجات بين القيادة الحديثة لحزب البعث العربي الاشتراكي وبين الإخوان المسلمين في سوريا- كقوة جديدة متبنيه المشروع الأيديولوجي الذي يهدف للتغيير الاجتماعي. ليتجه النظام البعثي حينها للتحالف مع الكتلة الاشتراكية، إقليميا ودوليا، والذي يأتي على الرأس منه الاتحاد السوفيتي -الداعم الأول والأساس لسوريا-. وبناءً على ذلك، حدث تطوران تجاه موقع سوريا من الأمن الأوروبي: الأول زيادة تفاعل سوريا مع دول شرق أوروبا، وروسيا. والثاني اصطدامها بالمشروع الأوروبي الأطلسي، والتحالفات الإقليمية التي اعتبرت دمشق معادية للعرب.

 

سوريا والمسلخ البشري

هبت نسائم الربيع، حاملة معها ثورات واحتجاجات شعبية على امتداد عدد من الأقطار العربية التي اعتادت على قمع الشعوب، حتى وصلت إلى سوريا في العام 2011، سوريا التي ظلت تحت وطأة حكم عائلة الأسد على امتداد أربعين عاماً. ليخرج الشعب السوري إلى الشوارع، رافضاً الظلم والفساد والقمع كما قامت الشعوب العربية الأخرى، إلا أن تلك الاحتجاجات السلمية ما لبثت إلا أن تحولت لثورة مسلحة وحرب أهلية، وذلك حين وقفت الطائفة العلوية التي ينتمي  لها الرئيس، ومن يُعرفون إعلاميا بـ"شبيحة الأسد" في وجه المتظاهرين "المعارضين"، ومع استمرارية الاشتباكات بين المعارضة والنظام، تطورت تلك الاشتباكات نحو استعمال الأسلحة الثقيلة من قِبل قوات النظام، واستعمالهم للمدفعيات والآليات المصفحة، وقصف الكثير من المدن بشكل مباشر، وصولاً للآليات المتقدمة الحديثة التي استُعملت كسلاح الجو، والذي استخدم لأول مرة عبر القصف بالمروحيات القتالية والبراميل المتفجّرة.

  

فقد أصبحت صور الجُثث في الطرق ورائحة الدماء والموت والحرائق والصواريخ أمر معتاد للشعب السوري، كما أن احتمالية التردي نحو الأسوأ بدأت تزداد ساعة بعد ساعة. فأكثر من سبعة أعوام تعيش سوريا حالة من الألم والمأساة وكأنها في نفق مظلم لا نهاية له، مليء بالجزارين الذين يتفننون بقتل الشعب. حيث كان نظام الأسد الابن كفيلاً ليعيد تاريخ تلك العائلة التي عُرفت بالإجرام، حيث حاصر النظام سوريا من جميع الجهات وحوّلها إلى غُرف تعذيب من المستحيل أن يغادرها أحد إلا وهو مُكفن.

 

هنا، لا يمكننا تجاهل تاريخ عائلة الأسد، لفهم الأحداث والتحولات التي حدثت في سوريا من قِبل تلك العائلة. فقد كانت مجزرة حماة التي قَتل حافظ الأسد حينها عشرات الآلاف في غضون 27 يوم، كفيلة لتشرح إجرام العائلة والذي بدأ من الأب "حافظ" وتوارثه الابن بشار الذي ارتكب وما زال يرتكب مجازراً أكثر عنفاً ودموية مما فعله الأسد الأب في حماة.  وحسب التقارير الدولية التي أُصدرت بشأن الثورة السورية، أوضحت بأن أكثر من سبعة ملايين مُهجر وأعداد شهداء وضحايا ضخمه وغير متناهيه، وإن لم يكن بسبب القصف، فيكون في المعتقلات السورية كسجن "صيدنايا" وآخرين لا حول لهم ولا قوة فيموتون في المخيمات من البرد ونقص المواد الغذائية والطبية على الحدود والتشريد.

   

    

فقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً وثقت فيه الإعدامات المختلفة التي نفذها النظام السوري بحق المعتقلين المعارضين. حيث استند التقرير إلى تحقيق عميق أجرته على مدار عام، والذي تضمن مقابلات من بينهم مسؤولين وحراس في تلك السجون وقضاة ومحامون. فحسب تعبير المنظمة التي وصفت فيه السجن العسكري بأنه " المكان الذي تذبح فيه الدولة السورية شعبها بهدوء"، ناهيك عن طرق التعذيب التي ذُكرت في تقرير المنظمة ومنها "السلق في المياه الساخنة".

    

الاحتلال الروسي والمطامع الأمريكية والاستعمار الخفي

بعد اندلاع الثورة السورية، وبدأ العديد من الأطراف الدولية والإقليمية تتسابق لتحقق مصالحها ومطامعها من خلا التدخل في الحرب السورية، وذلك لأن سوريا تتميز بموقعها الاستراتيجي الذي يطل على البحر الأبيض المتوسط وإسرائيل ولبنان وتركيا والأردن والعراق، مما جعلها ذات أهمية كبرى لإمكاناتها الاقتصادية المتنوعة والكثيرة. وهذا أيضاً ما جعل مصالح الدول الطامع تتسابق نحوها مع أول سقوط لسوريا، فالوضع في سوريا يشبه المثل العربي الشهير "إذا وقع الجمل كثرت سكاكينه" والذي يعني أن الجمل عندما يخر صريعاً فإن الأيدي تتسابق للظفر بلحمه وتقطيعه، فهذا تماماً ما قام به العالم في الحرب السورية. فكل منهم لديه أطماعة واحلامه وخططه القابلة للتحقيق مع أقرب فرصة، والفرصة متاحة الآن في سوريا التي أصبحت ملعباً دولياً.

 

فقد مثلت سوريا لموسكو، محطة إستراتيجية تمثل مركزا في السياسة العسكرية، وتوسيع مناطق نفوذ الكرملين في الشرق الأوسط تحديدا. حيث سعت موسكو جاهدة لتحقق حلمها الذي طال انتظاره، والذي سيتحقق عبر التدخل في الثورة السورية، لتضمن وجودها في المنطقة. فقد كانت تأمل روسيا في التدخل العسكري أن تستعيد زمام المبادرة في الشرق الأوسط خصوصاً بعد التراجع الأمريكي فيه، وأن يكون لها دور أكبر في المنطقة. بالإضافة إلى رغبتها في الحفاظ على القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس والتي تعد القاعدة العسكرية الوحيدة لها في الشرق الأوسط. كما كان التدخل الروسي في سوريا تحدٍ لهيمنة الولايات المتحدة في الشؤون العالمية، من خلال مساندة النظام السوري في حربة ضد الانقلابين الإرهابين ولقتالهم ومنع تنامي قدراتهم.

 

بالإضافة إلى المطامع الاقتصادية الروسية التي تجلت في إبقاء سيطرتها على سوق الغاز عالمياً والحصة الأكبر من الأسواق الأوروبية والهيمنة على السياسة الأوروبية، فروسيا تخوض حرب أنابيب الغاز التي تمر من سوريا. إذ وَقعت شركة "إيست ميد" عقدا مع حكومة الأسد والذي يتضمن إجراء عمليات التنقيب عن البترول في المنطقة الممتدة من جنوب شاطئ مدينة طرطوس، والتي تحولت إلى قاعدة ثابتة للسفن النووية الروسية في الشرق الأوسط.

 

فقد رأى البعض في التدخل الروسي بالثورة السورية باباً لإيجاد حل سياسي وتفاءل به، ولكن حسب ما ذكر سابقاً، لم يكن تفاؤلهم بهذا التدخل بمكانه، وذلك لوضوح المصالح الروسية في سوريا التي لم تعد خافية على أحد. فقد انطوى تدخل روسيا على مطامع عدة اعتبره البعض احتلالاً بطريقة غير مباشرة. فقد تمثل التدخل الروسي في استهداف المدنيين المعارضين بحجة محاربة الإرهاب، وذلك لأن الفئة المعارضة ترفض رهن مستقبل سوريا لروسيا الذي سيتحقق من خلال التدخل على المدى البعيد. على الرغم من تصريحات روسيا التي وضحت من خلالها بعدم وجود مطامع اقتصادية في سوريا، إلا أن تصريحاتها لم تتوافق مع أفعالها واتفاقياتها التي كانت تُعقد بالسر.

  

  

وهكذا، حَلّقت الطائرات الروسية في سماء سوريا ولم تفارقها أبداً، ومع تزايد وتيرة القصف والتي تسبب في ارتفاع حركة نزوح المدنيين، وازدياد وتيرة الهجرة إلى الخارج. حيث ذكر "ستيفان دي ميستورا" مبعوث الأمم المتحدة لسوريا أن "دخول روسيا الحرب الأهلية السورية أدخل محركات جديدة إلى الوضع، وشرد أكثر من أربعين ألف مدني، وأن المزيد قد يفرون خشية تصاعد القتال". أما بالنسبة لدور الولايات المتحدة الهام، والذي راهنت عليه الدول الداعمة لثورة الشعب باعتبار وقوف الولايات المتحدة مع الثورة، إلا أن ذلك الرهان مثّل أكبر الأخطاء الاستراتيجية، وذلك لأن سياسات الولايات المتحدة التي رسمت بما يخص الشرق الأوسط جاءت بما يخدم مصالحها والمصالح الإسرائيلية.

 

لذلك، كان دور الولايات المتحدة في الحرب السورية دور سلبيا، بسبب سياساتها التي تراعي المخاوف والمصالح الإسرائيلية والتي ترى في إقامة دولة سورية ديموقراطية ضرورة تخدم مصالحهم. هذا ما دفع الولايات المتحدة بأن تمنع السلاح النوعي الذي يرجح كفة الثوار على حساب النظام، كما أنها قامت بالضغط على كل الاتجاهات، وعلى كل الدول التي دعمت الشعب السوري من أجل عدم تسليح الثوار بمضادات طيران، وذلك لتحييد طيران الأسد الذي عاث في السوريين ذبحاً وقتلاً.

 

إذ يعد أمر مواجهة التدهور في سوريا من أهم القضايا الخارجية إلحاحاً أمام الرئيس الأمريكي الحالي وسلفه، وذلك لما أكدته التقارير التي أصدرت بما يخص المصالح الأمريكية في المنطقة، بحيث أن أبرز ما تهدف إليه الولايات المتحدة هو استمرار تدفق النفط والغاز، والحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها، كما أنها تمنع وبشدة تقدم نفوذ أي طرف على النفوذ الأمريكي في المنطقة، بالإضافة إلى منع تصاعد وتوسع النزاع الإقليمي. كما يتضح أن الموقف الأمريكي تجاه الأزمة في سوريا كشف الكثير من التشابك بما ذكر أعلاه.

 

تمتد المصالح الإيرانية إلى إنشاء قواعد عسكرية بحرية في سوريا على البحر المتوسط. ولكن مصالحها وطموحها في سوريا اصطدمت بمعارضة إسرائيلية بشكل أساسي وروسية بشكل أخف

فقد كان موقف الولايات المتحدة متناقضاً بعض الشيء، وذلك لأن في بداية الصراع قامت بتزويد مقاتلي الجيش السوري الحر بمساعدات غير قاتلة، كما أعلنت تأييدها للحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، إلا أن ذلك الموقف لم يصل إلى درجة التدخل العسكري مثلما حصل في ليبيا على سبيل المثال. حيث أن الموقف الأمريكي مر في العديد من التحولات التي أوضحت تناقضها، فقد اتجه الموقف الأمريكي إلى تغيير التحالفات وإنشاء مجموعات متطرفة تقاتل بعضها بعضاً، واستمرار العمل على إضعاف النظام، لاستمرارية سياسة الاستنزاف الداخلي في سوريا على جميع الأصعدة.  فقد اتضح لنا بأن اللاعبين الدوليين كانوا يتبادلون الرسائل التي كانت إشارة للعالم أجمع ليفهم بأن الولايات المتحدة هي الطرف الذي بدأ اللعبة من خلال الرد على السياسات الروسية تجاه الحرب السورية، كما أرادت إيصال نقطة معينة إلى روسيا تنذرها بوجود خيارات أخرى فمن شأنها أن ترفع كلفة وجودها في سوريا.

 

من مشهد آخر، ومع توسع الاحتجاجات التي أصحبت احتجاجات شعبية مسلحة، لم يجد النظام السوري سوى التحالف مع حلفائه التقليديين تاريخياً، كروسيا كما ذكرنا سابقاً، وإيران التي تعتبر الاستعمار الخفي لسوريا، فقد عمد بشار على إيران لإنقاذ وجوده وإبقاءه على حكمه. وكعادة إيران التي تمتاز بقوة جيشها وأسلحتها المتقدمة، فقد أدت دوراً كبيراً لمساندة الأسد من خلال دعم النظام السوري وجلب الميليشيات الشيعية وتوزيعها على الأراضي السورية لمحاربة المعارضة. حيث كان لذلك الدعم الإيراني دوافع خفية، تمثلت الأهداف الإيرانية في الجغرافيا السورية التي تعتبر "حلقة وصل" بين العراق ولبنان وفيما يخص مشروعها الاستراتيجي "الهلال الشيعي" الذي سيساعدها لحفظ أمنها القومي ونقل غازها الطبيعي إلى أوروبا على صعيد استراتيجي. كما كان لإيران مصالح سياسية تمثلت في إثبات نفسها كقوة إقليمية مؤثرة في أحداث المنطقة إلى جانب إسرائيل والسعودية، ولدعم محور المقاومة والحفاظ على ميليشيات حزب الله.

 

بالإضافة إلى المصالح العسكرية التي تسعى لها إيران من خلال مد نفوذها العسكري إلى سوريا، وإنشاء قواعد عسكرية دائمة لها في جنوب سوريا على الحدود مع "إسرائيل"، ومن جهة أخرى تمتد المصالح الإيرانية إلى إنشاء قواعد عسكرية بحرية في سوريا على البحر المتوسط. ولكن مصالحها وطموحها في سوريا اصطدمت بمعارضة إسرائيلية بشكل أساسي وروسية بشكل أخف.  ولكن بعد التدخل الإيراني الذي استمر لأكثر من سبع سنوات، أعلن الرئيس الروسي عن ضرورة انسحاب كافة الميليشيات الأجنبية بما فيها الإيرانية من سوريا، عدا قواته الروسية -كونها دخلت سوريا بشكل شرعي- حيث سبق إعلانه تهديدات واشنطن واسرائيل المباشرة لإيران ومنعها من البقاء في سوريا.  فقد اتضح لنا مما سبق، أن الدور الذي مثلته إيران في سوريا كان فرصة لتتحقق أهدافها وأحلامها على أكمل وجه، والتي تمثلت في تجنيس مليوني شيعي، وتهجير قرابة سبعة ملايين من السنة.  

 

اختبار اللاعبين الإقليميين

تعد سوريا دولة محورية في منطقة الشرق الأوسط، إذ تحظى بأهمية استراتيجية وتعد أخد أهم المفاتيح المهمة لاستقرار المنطقة وأمنها. فإن الثورة السورية والجرائم التي تحدث في الداخل من الممكن أن تقود المنطقة لاضطرابات عنيفة ودوامة من الفوضى التي بغنى المنطقة عنها.  لذلك كان لابد من تدخل دول الخليج في الأزمة السورية لإيجاد حلول تساهم في استقرار سوريا والمنطقة، فقد بدأ التحرك الخليجي وبالأخص "السعودي- القطري" والتي قادة المنظومة العربية في التعاطي مع الأزمة، حيث تحوّل موقفها من الحياد إلى محاولة وقف آلة الذبح والقتل، مباشرة بعد المجازر التي نفذها النظام بحق الشعب السوري، وذلك من خلال وضع حلول دبلوماسية للأزمة والذي تجسد في المبادرة العربية.

 

فقد تقدمت قطر بعد ذلك بحكم ترأسها للجنة الوزارية العربية ليتطور موقفها بشكل جذري لمطالبة الأسد بالتنحي بدلاً من الإصلاح والتغيير. كما استمر الموقف بالتطور حتى وصل للمطالبة بدخول قوة عربية ودولية لحماية الشعب السوري، إذ قامت السعودية وقطر بالتحديد بتسليح المعارضة ورفض الحوار مع الأسد.  كما تبنى الموقف الخليجي اعتبارات عده سعت من خلالها منع حالات العنف الذي يتبعه النظام ضد الشعب السوري، والذي لا يمكن لدول الخليج القبول به أو السكوت عنه. بالإضافة إلى الجانب الإنساني الذي كان حاضراً على مستوى الشعوب الخليجية وحكوماتها.

 

وبالانتقال إلى اللاعب الإقليمي “تركيا” والتي تُعد الأكثر أهمية في الثورة السورية، لاعتبارها الثورة الأكثر تعقيداً، ولتحولها بشكل سريع إلى إرادات إقليمي ودولي. فقد طغت الحسابات الجيوسياسية على كل القوانين والأعراف الدولية، وهذا ما دفع العديد من القوى الدولية والإقليمية للتدخل، إذ كان ولا يزال لتركيا الدور الأكبر في الأزمة السورية والتي كان لتدخلها التأثير الفعّال في تغيير مجريات الأمور خصوصاً على الصعيدي السياسي والعسكري.

   

  

حين نتحدث عن الدور التركي في الحرب السورية، يمكننا ملاحظة أن تركيا تسعى لمد نفوذها في مناطق سورية واسعة من خلال عملية "درع الفرات" أو عملية "غصن الزيتون". وهذا ما يدفعنا للرجوع للتاريخ لفهم الدور التركي، حيث يتضح لنا بأن دائماً ما كانت تركيا تسعى لإعادة مناطق كانت تعتبرها أراضٍ تركية، ولكن اتفاقية سايكس بيكو نزعتها منها. لذلك، فأن الوضع السوري ما هو إلا فرصة لتحقيق مصلحتها التي تتمثل في إعادة أراضيها. فالأطماع التركية ليست سراً، وقد تحدث عنها الرئيس التركي "أردوغان" خلال خطابه في أيلول 2018 بقصر الرئاسة، حينما انتقد “معاهدة لوزان” وموقعيها من الجانب التركي، وأكد على الحقوق التاريخية والدولية لتركيا على الشريط الممتد من مدينة حلب السورية وحتى مدينة الموصل العراقية.

 

ولكن في بداية الأزمة السورية، اتبعت تركيا "الأسلوب الدبلوماسي" من خلال حث الأسد على القيام بإصلاحات جذرية وحقيقة باتجاه مطالب الشعب، ولكنها باءت بالفشل وهذا ما دفع رئيس الوزراء التركي لإعلان مقاطعة الدولة السورية ومطالبة الرئيس السوري "بشار الأسد" بالتنحي، فقد قامت تركيا بتدريب المنشقين عن الجيش السوري على أراضيها، وأعلنت مجموعة عن ولادة الجيش السوري الحر تحت مراقبة استخبارات الجيش التركي، كما بدأت في إيواء الجيش السوري الحر، وتوفير منطقة آمنة وقاعدة لعملياتهم. ومن هنا، ازداد التوتر بين تركيا وسوريا خصوصاً بعد أن اسقطت القوات السورية طائرة حربية تركية في 2012. إذ تمكنت تركيا من عقد اجتماع "ناشطو المعارضة السورية" في تركيا، وذلك لمناقشة تغير النظام، فقد قامت تركيا باستضافة قائد الجيش السوري الحر العقيد "رياض الأسعد".   

 

ومن مرارة ما ذُكر أعلاه، ومن معاناة الشعب السوري وحده، يتضح بأن العالم تكيّف مع الوضع السوري، ولم تعد مشكلة حقيقية تربكنا أو تؤلمنا، حتى أصبح سماع خبر مجازر نفذها النظام السوري والطيران الروسي أمر عادياً. فهذا التحول الكارثي في تكيفنا مع مأساة الشعب السوري، والذي عزز من قدرتنا على الاستمرار في الحياة، وشوّه شكل التظاهر بالحزن على الضحايا، حتى أصبح ذلك الشعب يعاني لوحده. فالقضية السورية يُفترض أنها ليست فقط قضية السوريين، بل هي قضية ملايين البشر الذين -بسبب خوفهم من الحرب- ماتوا من الداخل، فقد قال غسان كنفاني "إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت إنها قضية الباقين المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درساً صغيراً للعيون الحية". 

 

لذلك يمكن استنتاج أن ما يحدث في سوريا ما هو إلا دليل قاطع على مدى استهانة النظام والعالم بدماء الشعوب التي لا حيلة لها ولا قوة. وهذا يجعلنا بحاجة لأشخاص آخرين لازالت الإنسانية تغمرهم، ومشاهد الحرب والتعذيب والموت تؤلمهم. فقد قال أحدهم "إذا كنت تشعر بالألم فأنت حيّ، أما إذا كنت تشعر بآلام الآخرين فأنت إنسان".  ومما يُعقد المشهد السوري ويطيل زمن الحرب، وهو أمر لابد للشعب السوري من إدراكه، أن كثرة اللاعبين الدوليين وتدخلهم المباشر في مختلف اتجاهات النزاع، ورغبة كل طرف في تحقيق مصالحه وأطماعه والخروج بأهم المكاسب من الحرب السورية. وهو الأمر الذي يلح على أذهاننا بأسئلة مهمة، فيتساءل أحدنا ما مستقبل المعارضة السورية وأين سيكون النظام من المعادلة؟ ولمن سيكون النصيب من الكعكة السورية؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة