محمد محمود التميمي
محمد محمود التميمي
5.6 k

مساجد المسلمين في الغرب ليست مجرد دور عبادة

16/3/2019

عشت في بريطانيا مدة خمسة أعوام تقريبا، كان للمساجد فيها دور محوري، فلم تكن فقط دورا للعبادة أمارس فيها الصلاة أو الدعاء فقط. بل كانت مجتمع متكامل التفاصيل، من عبادة وعمل وحياة اجتماعية ودراسية كذلك، كانت بكل بساطة الحياة بكل تفاصيلها.

 

في الوقت الذي تمارس الحكومات في البلاد المسلمة تفريغ المساجد من دورها الحقيقي المتمثل بالإضافة لكونها دورا للعبادة، فهي دور للعلم الشرعي والدنيوي ومنتديات ثقافية، وملتقيات اجتماعية ودور قضاء وحتى قاعات أفراح يعقد فيها القِران. ينبري القائمون على المساجد في الغرب ليعيدوا لها دورها الحقيقي، لتصبح الملاذ الآمن للعائلات الباحثة عن حياة تتسامى فيها الأرواح كما تتسامى الأجساد عن حياة الملذات، ففي مساجد الغرب تجد مجتمعا متكاملا فيه الطالب والبرفسور تناقشون في أمر علمية بحتة، وتجد فيه الأب الباحث لعروس لابنه أو عريس لابنته يرتضي دينهم، وتجد فيه من يبحث عن رزقه ومنها تنطلق الدعوة لدين التوحيد.

 

هناك في المساجد الموجودة في البلاد غير الإسلامية؛ تتعرف على أناس من مختلف الأقطار والأعراق والأجناس والطبقات، لتذوب كل هذه الاختلافات بينكم بمجرد إقامة الصلاة، لتتوحد بعد الأنفس في مشهد جميل قلما تجد له نظيرا. في المساجد هناك تجد ما تبحث عنه من سكينة للنفس والروح عندما تمارس العبادة، وتجد ما يغذي العقل عندما تخوض نقاشا علميا، وحتى أنك تجد ما يغذي الجسد من أكل حلال قلما تجده متوفرا في بلاد تحارب حتى حق الحصول عليه.

 

إذا أراد العالم أن يعم السلام، فلا بد من إعادة المساجد لتمارس دورها كما مارسته بداية انتشار الإسلام. وإذا ارادت الشعوب المسلمة ان ترتقي وتعتز، فلا بد لها أن تبدأ من المساجد

لا أستغرب أن تهاجم المساجد في الغرب أو حتى المساجد في بلادنا بكل الأنواع إن كانت لفظية أو بالسلاح، فهي الحصن الأخير الذي بقي ينافح عن حياض هذا الدين الحنيف، فالحكومات التي تحكم بلاد المسلمين لا تزال تهرع لتوقيع اتفاقيات تتنازل فيها ليس فقط عن دينها بل كذلك عن ثقافتها وعاداتها وتقاليدها، كما تنازلت من قبل عن ثرواتها ومقدراتها.

 

هذا الهجوم عن المساجد وما تمثله من رمزية ودور حيوي، إنما هو هجوم على ما يمثله الإسلام من حل لما تعانيه الأمة من ضعف وهوان، فكما بدأ الإسلام بالانتشار من المسجد النبوي ليدخل كل بيت، سيعود لما كان عليه من عزة وقوة وثبات، ليس من المنتديات العالمية ولا من البرلمانات ولا من المهرجانات الثقافية، بل سيعود لينطق من المساجد ليعود كما كان عزيزا قويا منتصرا متسامحا عادلا.

 

المساجد هي مصانع الشعوب القوية القويمة، ففي المساجد لن تجد الفاسدين ولا المفسدين، المساجد هي خط الدفاع الأول عن الحرية، عن الكرامة وعن الانسان بعض النظر عن دينه أو عرقه أو لونه، فهي تنطلق من حقيقة ان الله كرم بني آدم، ولعل قام به المسلمين وقت الحريق الذي وقع في برج غرينفل في لندن سنة ٢٠١٧ عندما هب المسلمون لنجدة من كانوا في هذا البرج، بل وفتحوا المساجد لإيوائهم وامدادهم بما يلزم من مأكل ومشرب وملبس، لهو مثال على أن المسلمين وما قاموا به من مساعدة لم يكن لمن هم فقط من المسلمين أو للبيض أو من اصل عربي، بل كانت للجميع بغض النظر عن معتقداتهم أو أصولهم، ليضرب المسلمون في ذلك الحي أروع مثال لما يمثله الإسلام من تسامح، وما تمثله المساجد من دور في هذا المجتمع.

 

إذا أراد العالم أن يعم السلام، فلا بد من إعادة المساجد لتمارس دورها كما مارسته بداية انتشار الإسلام. وإذا ارادت الشعوب المسلمة ان ترتقي وتعتز، فلا بد لها أن تبدأ من المساجد، وتعيد لها دورها الحقيقي الذي يشمل جميع نواحي الحياة.

 

قال ضياء كوك ألب في أبياته الشهيرة:

المآذن هي رماحنا

والقباب خوذاتنا

مساجدنا ثكناتنا

والمصلون جنودنا

  

وأقول إن هذه الأبيات ليست فقط للمعارك بل كذلك في جميع نواحي الحياة ومعتركاتها. في العلم والمجتمع وكل مناحي الحياة. أعيدوا للمساجد دورها تعيدوا للأمة عزها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة