مانديلا البرازيل.. الزعيم "لولا" ضحيّة لاضطهاد سياسي بغطاء قضائي!

3/3/2019

تتوالى الأحداث في حياة الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الشهير بـ"لولا"، لتجعل منه رمزًا للزعيم المناضل في سبيل العدالة الاجتماعية، وللمناصر الأصيل لقضايا الفقراء والمهمّشين والمسحوقين في كبرى بلدان أمريكا اللاتينية. فها هو يُفْجَعُ اليوم بوفاة حفيده الطفل ذي السبع أعوام، إثر التهاب حادّ في السحايا. وقد اجتمعت عليه محنة السجن بفاجعة موت الحفيد الطفل. ولا ريب أن "لولا" سجين سياسي، أدخله إلى الزنزانة قضاءٌ فاسدٌ مستبدٌّ صار قضاته دكتاتوريين حقيقيين يسمحون لأنفسهم بالتدخّل السافر في الحياة السياسية، في خرق فاضح للدستور وتجاوز لأبسط القوانين. 

 

أما ما هو أفظع وأفجع من هذا كله، أن بعض مؤيدي الرئيس الحالي بولسونارو، اليميني المتطرف، أظهروا الشماتة بموت طفل بريء لمجرد كونه حفيد خصمهم السياسي! لقد كتب بعض الناشطين اليمينيين البرازيليين تعليقات صادمة في لا إنسانيتها وتجردها من الرحمة على وسائل التواصل الاجتماعي. فمنهم من قال إن وفاة حفيد الرئيس هي "خبر مفرح"، وأن العالم قد كسب برحيل "ابن عاهرة". نعم، لم يحترم هؤلاء الناشطون مصيبة موت طفل بريء، وكتبوا تعليقات تظهر لؤم معدنهم وخساسة طبعهم ونذالة خصالهم. 

 

المضحك المبكي في قضايا الفساد المزعومة التي أدين فيها "لولا" أنه الوحيد من بين الفاسدين المزعومين الذين حوكموا وأودعوا خلف القضبان. في حين أن أكبر رموز الفساد في البلاد ما يزالون ينعمون بالحرية

"لولا"، يا مانديلا البرازيل، إننا إذ نبلغك أحرّ تعازينا بوفاة حفيدك، نشدّ على يدك وندعو الله أن يربط على قلبك في محنتك هذه وأن ينصرك على عدوك. وتضامننا مع "لولا" ينبع من إيماننا بمشروعه السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للبرازيل. ففي فترة حكمه التي دامت ثمان سنوات (من العام ٢٠٠٢ الى العام ٢٠١٠) شهدت البرازيل ازدهارًا غير مسبوق في تاريخها، كان سببه سياسة الإعانات والمعاشات التي قدّمها "لولا" للفقراء والبائسين في المناطق المحرومة وفي أحزمة البؤس. وقد حقّق هذا الزعيم الاستثنائي الكثير من الإنجازات للعملاق البرازيلي الذي كانت ترهق كاهله الديون. فتحوّلت البرازيل من رصيدٍ مدينٍ إلى رصيد دائن، بعد سداد كل الديون المتراكمة، وتحقيق فائض كبير من الاحتياطات المالية. ولا يفوتنا الحديث عن انجازاته في حقلي التعليم والثقافة. فحكومة "لولا" أمّنت الآلاف من المنح التعليمية الجامعية للطلاب في كافة أنحاء البرازيل، عبر قروض ميسّرة طويلة الأمد، مما أدّى إلى نشوء جيل جديد من المتعلمين من الشرائح الدنيا للمجتمع. 

 

ويقترب الرئيس "لولا" من إتمام عام على سجنه في نيسان/أبريل القادم، بعد محاكمته إدانته في قضايا فساد لا يفوت أي مراقب محايد أن يعي حقيقة تسييسها الفاضح وانحيازها السياسي لفريق دون آخر. وهذا لأن الأدلّة التي أدين بناءً عليها مؤسس حزب العمّال لم تكن أدلّة دامغة وقاطعة، والقضية بفسرها تشوبها الثغرات القانونية والخروقات الدستورية. منها مثلا التنصت غير القانوني والمخالف للدستور على هاتف لولا وعلى هاتف خليفته الرئيسة ديلما روسيف، وما هو أكثر مخالفة وخرقا للدستور: تسريب تسجيلات هذا التنصت للإعلام. 

 

على ان الدلائل التي تشير إلى التسييس الفاضح لمحاكمة وإدانة "لولا" اكتملت بتوزير القاضي سيرجيو مورو، الذي أدان لولا وحكم عليه بالسجن، في حكومة خصمه اللدود "جايير بولسونارو"، الذي يتولى اليوم رئاسة جمهورية البرازيل. وقد استلم "سيرجيو مورو" حقيبة وزارة العدل كمكافأة للخدمات الكبيرة التي قدّمها لليمين البرازيلي، والتي أدّت إلى وصول "جايير بولسونارو" إلى سدة الرئاسة بعد إزاحة "لولا" من المنافسة الانتخابية (والتي كانت تشير استطلاعات الرأي إلى فوزه المرجح فيها)، بعد زجّ "لولا" في السجن.  

 

والمضحك المبكي في قضايا الفساد المزعومة التي أدين فيها "لولا" أنه الوحيد من بين الفاسدين المزعومين الذين حوكموا وأودعوا خلف القضبان. في حين أن أكبر رموز الفساد في البلاد ما يزالون ينعمون بالحرية، إذ أن القضاء قد غضّ الطرف عن كل الأدلة القطعية التي تدين هؤلاء وأدان "لولا" بأدّلة فيها ما فيها من الثغرات ويشوبها ما يشوبها من العورات القانونية. 

 

وفي هذه الحالة، نحن أمام تهديد تتعرّض له الديمقراطية ليس من عوامل وأعداء خارج حدودها، وإنما من صميم كيانها وهي مؤسسة القضاء، التي من المفترض أن تكون الحصن الأخير للدفاع عن الدولة ومؤسساتها. فإذا فسد القضاء وأُقْحِمَ في أتون الصراعات السياسية، فأي مؤسسة بعد ذلك يُرجَى صلاحها في الدولة؟ وإنه لَمِن المفجع المؤسف أن يرضى الجسم القضائي بالارتهان لمصالح فئات ومجموعات داخلية وخارجية على حساب الحق والعدالة والسيادة القومية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة