إبراهيم الفرجاني
إبراهيم الفرجاني
1.3 k

هل يمكن للإخوان أن يتخلوا عن سلميتهم؟

4/3/2019

بعد كل فادحة إعدام أو قتل جماعي من قبل النظام المصري ضد معارضيه ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين تتعالى الأصوات المنددة بالسلمية خاصة بعد أن أعلنها مرشد الإخوان منهجا من على منصة رابعة وصاغها في عبارته الشهيرة: "سلميتنا أقوى من الرصاص"، والسؤال الذي يسأله الجميع: هل كان هذا منهجا صائبا؟ هل ممكن أن تنتصر الثورات بالسلمية فقط؟ ألا يجدر بالإخوان أن يعيدوا النظر في منهجهم هذا ويحملوا السلاح ضد هذا النظام الغاشم الذي استباح كل المحرمات وتعدى كل الخطوط الحمراء، أو التي كان يظن يوما أنها خطوط حمراء؟ 


لكن السؤال الأهم في تقديري: هل تحتمل طبيعة الإخوان انتهاج نهج آخر خلاف السلمية؟ هل يمكن للجماعة التي تقدم نفسها دوما على أنها رمز للوسطية والاعتدال وتعني بهما فيما تعني التمايز عن الجماعات الحاملة للسلاح في مواجهة الدول والأنظمة، هل يمكن لجماعة كهذه أن تحمل السلاح يوما في غير مواجهة المحتل الخارجي؟

البنا لم يرفض استخدام العنف فقط بل نقل عنه الرغبة في التراجع عن الانخراط الكبير في العمل السياسي والعودة إلى مهمة الجماعة الأساسية من التعليم والدعوة والتربية

بالعودة إلى نشأة الجماعة وأدبياتها، نجد أنها نشأت كجماعة دينية إصلاحية كان أكبر اعتمادها على المحاضرات والدروس التي غالبا ما كان يلقيها البنا نفسه في مناسبات عديدة وكان معظمها يسجل ويكتب حتى جمعت بعد ذلك في كتب، منها مجموعة الرسائل، وحديث الثلاثاء، وفقه الواقع، وغيرها. وظل الأمر على هذا مدة حياة البنا، يؤكد عليه في كل مناسبة ويردده في كل ميدان أننا جماعة التدريس قبل التأسيس، حتى ذكر في بعض مقالاته أنه لو كانت القوة تسمح لنا بتحقيق أهدافنا 99 بالمائة والصبر يحققه لنا بنسبة مائة بالمائة لاخترنا طريق الصبر على طريق القوة.


وقد حقق البنا هذا عمليا مدة حياته فلم يتعد مرحلة التلويح باستخدام القوة عند ظهور ما يوجب ذلك من خروج الحكومة على حدود الله، وهي ما سماها بمرحلة الخلع والإبعاد، لكنه لم يذكر متى يحق الخلع والإبعاد وآلية هذا الخلع والإبعاد، لكنه يقينا لم يكن يقصد ما ينادي به البعض الآن من استخدام القوة المسلحة في مواجهة الأنظمة الحاكمة لأنه حتى في مرحلة الصدام مع الحكومة خاصة بعد جريمتي مقتل القاضي الخازندار ورئيس الوزراء النقراشي سارع بإنكار ما حدث والتشنيع عليه بإصدار بيانه الشهير (ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين)، والبعض يقول أن البيان كان بعنوان: ليسوا إخوانا، فقط، أما عبارة: ليسوا مسلمين، فهي إضافة مخابراتية، ومما يرجح هذا التزوير موقف البنا من التكفير بصفة عامة ومن ذلك ما سطره في رسالة التعاليم وهو موقف لا يختلف عن موقف أهل السنة والجماعة من هذا المسألة من عدم تكفير أحد من أهل القبلة بمعصية أو تأويل.


وكان القائم بأعمال العنف هذه أفرادا من التنظيم الخاص وهو التنظيم الذي كون لأهداف خاصة ليس من بينها مواجهة الحكومة القائمة بالسلاح، وإنما كان تكوينه لأهداف مقدرة آنذاك من جميع أطياف الشعب المصري مثل مواجهة المحتل الأجنبي والجهاد في فلسطين. ومما يؤكد على أن رفض استخدام العنف لتحقيق أهداف الجماعة كان منهجا واضحا عند البنا استنكاره لهذه الحادثة في وقت كانت الشبهات فيه تحيط بالحكومة القائمة وبالنقراشي نفسه لاسيما بعد موقفه من حرب فلسطين 1948م، وكانت هناك جمعيات سرية مسلحة تقوم بأعمال عنف كهذه يقدرها الكثيرون آنذاك، ولا ننسى هنا قتل أمين عثمان وزير المالية في حكومة الوفد بين عامي 1942م و1944م، والذي اشترك في اغتياله أنور السادات الذي أصبح فيما بعض رئيسا للجمهورية وكان يفتخر بذلك ويعتبره نقطة بيضاء في تاريخ نضاله السياسي.


لكن البنا لم يرفض استخدام العنف فقط بل نقل عنه الرغبة في التراجع عن الانخراط الكبير في العمل السياسي والعودة إلى مهمة الجماعة الأساسية من التعليم والدعوة والتربية، وهذا ما حكاه الشيخ الغزالي رحمه الله في أحد كتبه حيث قال: التقيت بالأستاذ الإمام حسن البنا قبل يوم من استشهاده، وعانقته وأفزعنى أنى عانقت عظاما معلقة عليها ملابس! كانت الهموم قد اخترمت جسد الرجل فلم تبق منه إلا شبحا يحمل وجهه المغضن العريض، وشرع يحدثني كما يحدث أي تلميذ له، قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بالجماعة إلى أيام المأثورات.

دعوة جماعة الإخوان المسلمين للتخلي عن سلميتها هو دعوة لها للخروج عن طبيعتها وتحولها إلى كيان آخر بأهداف وأساليب مختلفة

يكمل الغزالي: واستبنت ما يعني، لقد واجهت قلة من المؤمنين طوفانا من المتاعب والمآسي نما مع الليالي السود! أين الناس؟ أين المسلمون؟ أعداد كبيرة تبحث عن الطعام، وأخرى تبحث عن اللهو، وثالثة تلهث وراء آمالها في هذه الدنيا، وهؤلاء المصلون الخارجون من المساجد! أما يهتمون بدينهم الموشك على الغرق؟ إنهم كثيرون لكن لا وعى ولا حراك! إن القصور الفقهي والأدبي حوَّلهم إلى غثاء لا خير فيه.. إن السواد الأعظم يحتاج كل الاحتياج إلى إحياء تربوي طويل، والمعركة قبل ذلك قليلة الغناء! نعم، سيضرب الدعاة جند أشبه بالآلات، وسيقف الجمهور يتفرج ويتسلى كأن الأمر لا يعنيه، ألا نعيد النظر في تفكيرنا ووسائلنا!

وحين ترشح البنا لمجلس النواب سنة 1942م انسحب بعد طلب من الحكومة الوفدية بضغط من الإنجليز، لكنه انسحب بشروط كان من أبرزها إلغاء دور البغاء، وهنا نجد البنا يتخلى عن مكسب سياسي محقق لتحقيق هدف ديني ومجتمعي في الوقت نفسه وهو ما يتوافق تماما مع طبيعة الجماعة وتوجهها، بخلاف ما جرى عليه الأمر بعد، إذ انخرطت الجماعة في العمل السياسي للأذقان خاصة بعد مقتل البنا ـ رحمه الله ـ فكانت الجماعة عاملا فاعلا في انقلاب الضباط الأحرار سنة 1952م، ثم ظلت على انخراطها في السياسة حتى كان أكبر تجلٍ لهذا الانخراط مشاركتها الكبيرة في ثورة 25 يناير 2011م ثم حيازتها لأغلبية مجلس الشعب مع غيرها من الأحزاب الإسلامية، ثم فوز الدكتور مرسي بلقب أول رئيس مدني منتخب في التاريخ المصري الحديث.


بعيدا عن الخطأ والصواب في كل هذه القرارات السياسية إلا أن ما نريد أن نؤكد عليه هنا هو أن الجماعة لم تتخل يوما عن نهجها السلمي، حتى في أقسى محنها بعد أن زج بها عبد الناصر في سجونه واستقدم لأعضائها خبراء تعذيب من الخارج، وقد حكت الشهادات الحية من ذلك ما تنخلع له القلوب، ومن قرأ أيام من حياتي لزينب الغزالي أو البوابة السوداء لأحمد رائف يطلع من ذلك على الكثير، وفي هذه الأثناء وبعد أن جنح كثير من شباب الإخوان في السجون إلى تكفير الحكومة القائمة بل إلى تكفير المجتمع ككل كتب المرشد العام للجماعة المستشار الهضيبي من محبسه كتابه الشهير دعاة لا قضاة، وهو بحث علمي رصين يؤكد فيه موقف الجماعة الثابت من أنها جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، ويتبرأ فيه من الفكر المنحرف الذي بدت بذورة تنضج في سجون عبد الناصر، ويبين فيه بوضوح أن الإخوان معنيون بتبيان أحكام الشرع للناس ودعوتهم إليه وليسوا معنيين بإنزال هذه الأحكام على شخص معين أو على أشخاص معينين.


أما عن موقفه من استخدام القوة المسلحة فقد عبر عنه تعبيرا عمليا بليغا عندما قام بحل النظام الخاص حين رآه خرج عن خطه الأساسي الذي أنشئ من أجله، وكذلك رفضه الصدام المسلح مع رجال انقلاب 1952م، ويؤكد هذا سعيد حوى في كتابه مدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين فيقول: ولم يكن حسن الهضيبي رحمه الله على خطأ عندما اتخذ قرار المقاومة السرية ضد بريطانيا، كما لم يكن على خطأ وهو يدخل صراعا سلبيا ضد الثورة المصرية، كما لم يكن على خطأ إذ لم يدخل في معركة مسلحة مع رجال الثورة. وهكذا نرى أن الجماعة لم تلجأ للصدام المسلح مع الحكومات القائمة يوما ما، بل ظلت دائما في الجانب المستنكر والمدين لأي عمل عنيف شهدته الساحة المصرية في عهودها الحديثة.


ومن هذه الطبيعة السلمية أخذت الجماعة كثيرا من سماتها على المستوى الإقليمي والعالمي فهي جماعة مجتمعية مدنية تشارك في النشاطات الطلابية والنقابية، لها منتجاتها واختياراتها الفنية، كما أن لها تعاطيها مع الحياة السياسية معارضة للحكومة أو مشاركة فيها أو قائدة لها. إن دعوة جماعة الإخوان المسلمين للتخلي عن سلميتها هو دعوة لها للخروج عن طبيعتها وتحولها إلى كيان آخر بأهداف وأساليب مختلفة، وهذا فضلا عن أنه غير ممكن من الناحية النظرية فهو يعني كذلك فقدان الجماعة للكثير من وزنها وتأثيرها الداخلي والخارجي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة