سري سمور
سري سمور
2.5 k

الإخوان المسلمون.. أوهام ولدغ من ذات الجحر

5/3/2019
ختمت المقال السابق (المظلومية والتحدي السلبي.. هل هذا قدر الإسلاميين؟!) بضرورة تخلص الإخوان المسلمين من الوهم وضربت مثالا هو وجود وهم كبير بأن ثمة دولا كبرى أو عظمى أو صغرى ضد الانقلاب ومقتنعة أو تتبنى روايتهم، فهذا مخدّر خادع وما حكّ جلدك مثل ظفرك.

 

وحاليا تعترف الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بالانقلاب ونتائجه ومخرجاته، وكذلك روسيا، وأفريقيا، وربما الحالة الوحيدة الشاذة هي تركيا، ولكن لا نعرف هل سيظل هذا الموقف ثابتا في ظل ما تتعرض له تركيا من ضغوطات داخلية وخارجية، وبماذا يمكن أن تفيد مقاطعة تركيا للانقلاب غير استضافة معارضيه ومناهضيه وفضائياتهم؟ وهذا شيء مهم لا أهوّن منه ولا أقلل من شأنه ولكنه ليس كافيا للقول بوجود حالة دولية تعارض الانقلاب فعليا، أو أن الانقلاب يترنح، وهذا الترنح لطالما بشّر به معارضو الانقلاب مثل (محمد القدوسي) و(محمد الجوادي) وغيرهما ولا ندري كم سنة سيستمر الترنح بعد هذه السنوات الست؟!

 

ووهم آخر هو وجود مراهنة على أوساط في الجيش المصري ستعمل على ردّ الحق إلى أهله، وهذا لعمري يشبه ما تم تداوله من إشاعات عن تمرد في الجيش الثاني/الثالث أو غيره من قطاعات الجيش، وما تلاه من هتافات (النهاردة العصر الريس راجع القصر!) وهو ذات الرئيس الذي وقع ضحية من قال إن فيهم (رجالة زي الدهب!) فإذا بهم يزجونه في الأقفاص الحديدية!

 

من الأمور التي ساهمت في وصول الحركة إلى هذا الحال المزري، أنها حركة كبيرة ممتدة زاخرة بالطاقات الكبيرة والكوادر البشرية، ويقودها من ثبت أنهم ليسوا أهلا للقيادة، بدليل أن بعض الإبداعات والمبادرات الشبابية ما كنا لنراها قبل الانقلاب

ووهم آخر هو إمكانية تشكيل حالة ثورية من لون وحزب واحد في هذه المرحلة على الأقل؛ فلا التيار (المدني) الذي شجع وأيد الانقلاب ثم ها هو يكتوي بنيرانه، قادر على خلق حالة ثورية حقيقية معارضة، ولا التيار الإسلامي بكافة تلاوينه من إخوان وسلفية وصوفية وما بين بين قادر على ذلك، وكل تيار ينظر إلى الآخر بعين الريبة والاتهام بإجهاض الثورة، في الوقت الذي يسير فيه الانقلاب كبلدوزر يسحق الجميع بلا رحمة، مع التأكيد طبعا على أن نصيب الإخوان من السحق والقمع أكثر من الآخرين بأضعاف مضاعفة!

 

إضافة إلى وهم آخر هو عروض المصالحة سواء مباشرة بالحديث مع المعتقلين أو قيادات في الخارج، أو من خلال وسطاء، فهذه العروض ليست سوى عملية كسب للوقت يتم من خلالها زرع الخلافات والفتن في صفوف الإخوان وأنصارهم، ويجعل من يمكنه التحالف معهم من التيارات الأخرى في محل شك وريبة وتوجس، ويجعلهم في حالة انتظار سلبية وأمل بحل أو فرج من خلال تلك العروض الوهمية بالمصالحة، فيما النظام يحكم قبضته على الأرض بل هو بصدد (دسترة) تجعل حكم السيسي حتى مماته!

 

إن هذه الأوهام المتوالدة منذ بضع سنين، تظهر وكأننا لسنا أمام حركة واعية مجربة، جذورها ضاربة في التاريخ الدعوي والسياسي والاجتماعي، بل فعلا -كما يقال- نحن أمام مجموعة من الدراويش بل حتى (البهاليل) الذين يسهل على ثلة من العسكر وأدواتهم التلاعب بهم وخداعهم، ورسم مساراتهم، والتحكم بأولوياتهم، واختراق صفوفهم، وإبقائهم دوما في حالة دفاع عشوائي عن النفس، وردات فعل سلبية، والاحتفاظ بإنجاز وحيد فقط يعتبرونه نصرا مبينا دونه كل ما سال من دم وما قدِّم من تضحيات، وهو (البقاء على قيد الحياة)!

 

ومن الأمور التي ساهمت في وصول الحركة إلى هذا الحال المزري، أنها حركة كبيرة ممتدة زاخرة بالطاقات الكبيرة والكوادر البشرية، ويقودها من ثبت أنهم ليسوا أهلا للقيادة، بدليل أن بعض الإبداعات والمبادرات الشبابية ما كنا لنراها قبل الانقلاب، وما نتج عنه من انحسار دور تلكم القيادات بسبب هروبها أو سجنها أو ضعف أدوات تحكمها. وعادة عند أي فشل يجب مراجعة أداء القيادات والكوادر والطواقم وصولا لأصغر فرد، فكيف والفشل والخسارة من الفداحة لدرجة اكتوت بها الأمة بأسرها؟ وتضحيات القيادة ومعاناتها لا تعفيها من المحاسبة التي تعني ضرورة استبدالها، فما يجري أن هنالك حالة إعادة لتجربة المجرّب منذ عقود، وكما يقال: من الحماقة أن تتوقع نتيجة مختلفة بإعادة نفس الخطوات بذات المكونات في ذات البيئة!

 

ومما يجدر قوله إننا حين نتحدث عن مصر ونجاح الثورة المضادة فيها حتى الآن في إجهاض أو على الأقل تحجيم ومحاصرة ثورة يناير ولو مؤقتا وزرع الإحباط في كل راغب أو طامح إلى تغيير الواقع السيء؛ فإنه قد غاب عن الإخوان في مصر، في سلوكهم العملي الفعلي، ولا يعنيني بم كانوا يفكرون ولا يهمني الآن حسن النوايا، غاب عنهم وأغفلوا أهمية الثغر الذي كانوا يقفون عليه، أهمية لا تنحسر بهم وبأنصارهم وعوائلهم وعموم المساكين والمظلومين في مصر وحسب، بل للأمة بأسرها، ولكافة حملة الفكر الإسلامي في المنطقة.

 

كيف لا، وقد كان من تداعيات الانقلاب العسكري في مصر، الحديث العلني عن (موت الإسلام السياسي) أو ما يسمى زورا (مرحلة ما بعد الإسلام السياسي)؟ كيف لا، وقد تجرأ داعمو الثورة المضادة وكشفوا عن حقيقة نواياهم الخبيثة، وكشروا عن أنيابهم السامة، وأعلنوا أنهم لن يتوقفوا عند مصر، بل سيجهضون الثورة التونسية، وسيخربون كافة الثورات الأخرى، بل حتى وصل بهم الحال إلى التفكير بانقلاب في تركيا؟

 

وأنا أزعم بأنه لولا تمكن الانقلاب العسكري في مصر من إخماد أصوات وفعاليات المناهضين له، لما تجرأ الأمريكان على تدبير المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا صيف 2016. فأهمية مصر لا يختلف عليها اثنان، ولا تخفى على مبتدئ في المجال الجيوسياسي، كما أن لها رمزية خاصة لكون تأسيس الإخوان في 1928م كان فيها، ومن رجالات مصر نشأت هذه الدعوة وكبرت وتمددت إلى أرجاء الأرض.

 

وما كان لصلاح الدين أن يحرر القدس قبل أن يحكم سيطرته على مصر، وبقوة قادمة من مصر تم وقف الزحف المغولي الذي أحرق بغداد وامتد الحريق إلى الشام. ولولا زيارة السادات المشؤومة إلى فلسطين المحتلة وخروج مصر رسميا من حالة العداء لإسرائيل، لما تجرأ الصهاينة على قصف مفاعل تموز العراقي، واجتياح لبنان مرتين (1978+1982م) وقصف حمامات الشط في تونس، ولما كان هناك لا مدريد ولا أوسلو ولا وادي عربة ولا ما نراه من تطبيع عربي مع الصهاينة، لمركزية دور مصر في الصراع مع المشروع الصهيوني. بل حتى -وقد أعود لهذا مفصلا- في 2012 انتهى العدوان على غزة بسرعة ولم تتجرأ إسرائيل على ارتكاب مجازر بحق المدنيين مثلما فعلت قبل الثورة في 2008/2009 وبعد الثورة المضادة في صيف 2014... واأسفاه على مصر!

 

فهل كان إخوان مصر يدركون أين يقفون؟ وهل كانوا يحسبون ويقدّرون أي ضرر سيصيب الأمة بأسرها فيما لو أنهم لم يتمكنوا من الحفاظ على ما اكتسبوه؟ أشك في هذا؟ وإذا كانوا يدركون فتلك طامة كبرى ومصيبة أكبر كما قال القائل: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة/وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

 

يا ليتهم انتبهوا وابتعدوا عن تصدّر المشهد ما داموا لا يملكون عوامل وأدوات القوة الضرورية للحفاظ على موقعهم الجديد... ولكنهم لدغوا من ذات الجحر، واحسرتاه. لقد كانت الإشارات قوية بأن المسار لم يكتمل بتنحي حسني مبارك وحتى بمحاكمته؛ وسأعود بمشيئة الله إلى استعراض هذه الإشارات الواضحة في مقالي القادم، فلعلهم لم يروا الجحر أو لم يشعروا باللدغة إلا بعد سريان السم!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة