عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
2.9 k

بملياراتهم السبعين.. زرعوا السيسي فحصدوا البلح

6/3/2019

بينما كان عبد الفتاح السيسي يتلو بيان الانقلاب أو ما سمي حينها خارطة الطريق، كانت حالة من الغليان والغضب تجتاح أنصار الرئيس محمد مرسي. فأول وزير دفاع معين بعد انتصار الثورة المصرية كان يعزل أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر ويعلن تعطيل العمل بالدستور مسدلاً الستار على جل أو كل مكتسبات ثورة يناير، في مشهد زاد من مأساويته صمت المجتمع الدولي. صمت لم تعكر صفوه سوى بعض الأصوات المنددة التي ما كان لها ان تعلوا على صوت انقلاب محكم مكتمل الأركان.

 

وعلى النقيض من حالة الإرباك والقلق الدوليين التي رافقت وتبعت انقلاب السيسي، خيمت أجواء من الارتياح والترحيب وحتى الغبطة على كل من أبو ظبي والرياض. وقد بدا ذلك جلياً في تصريحات مسؤوليهم وتغطية وسائل إعلامهم التي استحال وفقها الانقلاب ثورة وأصبح فيها السيسي المغمور -الذي كان المصريون بالكاد يعرفونه قبلاً- بطلاً قومياً ومنقذاً ومخلصاً لأرض الكنانة من براثن الفوضى وشرور الإخوان المسلمين.

 

لم تكن مواقف الإمارات والسعودية حيال الانقلاب وليدة اللحظة على الإطلاق. فالقلق الذي اعترى الدولتين منذ سقوط مبارك وعودة الإخوان المسلمين للمشهد السياسي كان واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار وسم الدولة العميقة الذي بثته في عسل ثورة يناير قد تجرعه المصريون في مناسبات عدة بدأً بدعم أحمد شفيق -ربيب نظام مبارك- في انتخابات الرئاسة، مروراً بتمويل وسائل إعلام مصرية وعربية بهدف تشويه صورة الرئيس مرسي وحكومته، وصولاً الى مباركة انقلاب السيسي ودعم الرجل في تنصيب نفسه رئيساً لمصر.

 

مليارات سبعون إذاً كانت كافية لزرع ديكتاتور في قلب الربيع المصري ليعمل في صناعه قمعاً وتنكيلاً. لكنها كانت أقل بكثير من أن تشتري دعماً او تأييداً من رجل كان نتاج عهوده خيبات وحصاد وعوده "بلحاً" كما يقول المصريون

نجح الانقلاب اذاً وشهدت الأيام القليلة التي تبعته تصاعداً ملحوظاً في الدعم السعودي الإماراتي للسيسي. فالمليارات التي صرفت لتهيئة الانقلاب وتنفيذه استتبعت بمليارات أخرى لتثبيت الواقع الجديد وتقوية نفوذ السيسي ومن معه من العسكر. وبدت الرياض وأبو ظبي كمن يكافئ الرجل على وأد الديمقراطية في مهدها واختطاف الشرعية المنتخبة ومعاقبة رافضي الانقلاب، ناهيك عن إعادة مصر الى أحضان الدولة العميقة. وعلى الرغم من الابتزاز الذي مارسه السيسي لاستجرار المزيد من الأموال من جيوب السعوديين والإماراتيين كما كشفت عنه تسريبات "الرز الخليجي"، فإن الرياض وأبو ظبي واصلتا دعمهما للرجل حتى وصوله إلى سدة الرئاسة المصرية.

 

استتب الامر للسيسي إذاً وأعتلى عرش مصر أو زرع فيه كما عبر عن ذلك أحد المقربين من ولي عهد أبو ظبي. وظنت الرياض وأبو ظبي أن رجلهما الأنسب قد أصبح في المكان الأنسب. لكن تالي الأيام أثبت عكس ذلك تماما. فقد بدا واضحاً أن رياح السيسي تجري بما لا تشتهي سفن المملكة والإمارات. فعلى الرغم من حرص الرجل على إظهار التقدير والوفاء لداعميه وإطلاق تصريحات رنانة على غرار "مسافة السكة" و"وحدة المسار والمصير" وأمن الخليج من أمن مصر" فإن الاختلاف والتعارض في معظم القضايا الإقليمية وخاصة تلك التي تشغل السعودية والإمارات كانت السمة الأبرز التي طبعت علاقة الرئيس المصري الجديد بكل من الرياض وابوظبي. ليتبين لاحقاً بما لا يدع مجالاً للشك بأن السيسي الذي يقول غير السيسي الذي يفعل. وان ما يطلقه من تصريحات وما يعطيه من وعود لا تعدوا كونها "بلحاً" (تعبير مصري ساخر يستخدم للدلالة على آمال كاذبة أو وعود لم تنفذ).

 

فحرب اليمن التي أرهقت السعوديين والإماراتيين وهددت أمنهم بشكل مباشر لم يحرك لها السيسي ساكناً. بل وقف موقف المتفرج على صواريخ الحوثي وطائراته المسيرة وهي تخرق اجواء الرياض وأبو ظبي. وغض الطرف عن استيلاء الحوثي على اراض سعودية مستهدفا العشرات من جنود الجيش السعودي وآلياته في خرق واضح لمقولة السيسي المكررة.. "أمن المملكة خط أحمر". وبدت "مسافة السكة" التي طالما روج لها الرجل أطول بكثير مما عناه السيسي وصدقه السعوديون.

 

لم تختلف مواقف السيسي من الحوثيين عن تلك التي انتهجها حيال داعمتهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فقد أظهر حياداً غير مسبوق في تعاطيه مع العداء التاريخي بين السعودية والإمارات من جهة وإيران من جهة أخرى. مواقف رمادية نتج عنها تصريحات فضفاضة تدين تهديد أمن الخليج دون الإشارة الصريحة إلى المهدد، في تراجع حاد لمكانة مصر التي طالما اعتبرت انها القوة الإقليمية الرادعة للأطماع الإيرانية المزعومة في الخليج. بدا جلياً ان مصر السيسي قد تبنت سياسة المهادنة بدل المواجهة مع إيران وأنها غير مستعدة لخوض معارك عسكرية ولا حتى دبلوماسية لمصلحة الآخرين. بل على العكس تماماً فإن التسريبات الإعلامية كانت تشي برغبة مصر وإيران بتحسين العلاقات بينهما. وقد دل على ذلك احتفال السفارة الإيرانية مؤخراً بذكرى الثورة الإسلامية في القاهرة وبحضور ممثلين عن الخارجية المصرية

 

كانت الأزمة السورية أيضاً ساحة لتناقض السياسات بين السيسي وداعميه الخليجيين وبالأخص المملكة العربية السعودية. فبينما كانت الرياض تتبنى نهجاً متشدداً حيال الأسد ونظامه وتصر على ضرورة إسقاطه سلماً او حرباً. كانت مصر السيسي تدعم الدولة السورية ورئيسها. تناقض كشف عن حجم الهوة بين حليفين مفترضين كان اوضح تجلياته خلاف علني بين مندوبي البلدين في مجلس الأمن حول مشروع قرار روسي دعمته مصر في مقابل آخر فرنسي دعمته السعودية.

 

مليارات سبعون إذاً كانت كافية لزرع ديكتاتور في قلب الربيع المصري ليعمل في صناعه قمعاً وتنكيلاً. لكنها كانت أقل بكثير من أن تشتري دعماً او تأييداً من رجل كان نتاج عهوده خيبات وحصاد وعوده "بلحاً" كما يقول المصريون. خسرت الرياض وأبو ظبي في السياسة والمال لكن خسارتهما الأكبر في رهانهما على السيسي كانت في شعب لن ينسى تآمر الأشقاء على ثورة احرقت وأرواح ازهقت ودماء أريقت وحرية كتب لها أن تغتال قبل أن تزهر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة