د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.3 k

أحمد حسنين وأمين عثمان نهضويان عظيمان فقدتهما مصر في 40 يوما

10/4/2019

إذا بحثنا بين الساسة المصريين في الحقبة الليبيرالية عمن تبنّى لنفسه خُطة طويلة الأجل في سياسة بلاده من خلال جماعة فكرية ذاتُ توجّه مُحدّد وآليات مُتراكبة فإننا نجد شخصيتين بارزتين، ومن المُذهل والمُؤسف والجالب للحزن والأسى أن هاتين الشخصيتين فقدتا الحياة أو فقدتهُما بلادهما في مطلع 1946 في يناير وفي فبراير على التوالي وأن الفولكلور المصري يُصوّر أن حياة الثاني فقدت في مقابل فقدان حياة الأول.. وهكذا فقدت مصر رجلين عظيمين في مطلع 1946على نحو غير مشهور بذات الدرجة المعروفة حين فقدت رجلين عظيمين آخرين في نهاية 1948ومطلع 1949 وبدا فقد الثاني رد فعل لفقد الأول.

    

يكاد القارئ يعرف بسهولة أننا نتحدث عن أمين عثمان باشا وعن أحمد حسنين باشا. أما أمين عثمان باشا 1898- 1946 الذي قتل أولا في يناير ( وهو أصغر من حسنين باشا بتسع سنوات وشهر ) فهو سياسي وتكنوقراطي وطني وفدي وصل إلى رئاسة ديوان المحاسبة ثم إلى منصب وزير المالية في 1942 وخلف في هذا المنصب كامل صدقي باشا الذي كان قد خلف مكرم عبيد لفترة قصيرة وسرعان ما أصبح أمين عثمان الذي كان في بداية حياته من أبرز المُساعدين لمكرم عبيد باشا أقوى نفوذاً وتأثيراً من مكرم عبيد نفسه فلم تكن تنقصه الأدوات ولا النظريات ولا الفهم فضلا عن هذا فقد كان يتمتع بالتحديث في علمه ورؤيته وبالقوة في عاقته وفكره على حد سواء.

  

كتب التاريخ التي نشرتها ثورة 23 يوليو 1952 كانت حريصة على تشويه أحمد حسنين بكل ما تملكه من قدرة على التشويه، وهذا في حد ذاته دليل على أن حسنين باشا كان رجلا وطنيا من طراز رفيع

وقد رأى هذا الرجل صاحب الأمل أن إصلاحاته وتوجّهاته العصرية تتطلّبُ منه أن يعمل على إتاحة الفرصة لتثقيف كوادر من الوطنيين المشتغلين بالعمل العام عن بصيرة وفهم وأن هذه الكوادر لا بد أن تربى وتٌروى بالخبرة على مهل فأسّس من أجل هذا الهدف جمعية النهضة المصرية واتخذ لها مقراً في شارع عدلي في وسط القاهرة، وقد شاء القدر أن يُغتال هذا الرجل الوطني العظيم في مدخل العمارة التي كانت تضمّ مقر جماعة النهضة. ومن الجدير بالذكر أن أمين عثمان شأنه شأن الوفديين لم يحظ بمن يمجد تاريخه الحافل بالأمجاد، وهذا هو المعتاد مع كل قيادات الأحزاب الوطنية التي تحقق الأغلبية وفي مقدمتها الوفد والإخوان المسلمين، بل إن مكرم عبيد باشا نفسه كان هو الركن الركين في التأليب الذي كان استند إليه الاقتناع بقرار اغتيال أمين عثمان

  

أما أحمد حسنين باشا 1889-1946 الرحالة والمُستكشف الذي آثر أن يعمل قريبا من الديوان الملكي وقريبا من الملك حتى أصبح رئيسا للديوان6 الملكي فقد كان له هو الآخر مشروع مُواز، ورأى أن يُؤسس له جماعة مُستقلة ناهضة بالفكر والدراسة، هذه الجماعة لمن لا يعرف هي جماعة الرواد التي لا تزال بعض مقراتها موجودة حتى الآن ولا تزال تحيي تاريخها من آن لآخر بل يمكن لها أن تعود لتكون مُستمرة في نشاطها، ومن الطريف أن هذه الجماعة كانت بمثابة أهم المنابع الثلاثة التي قدمت العون الفني/ السياسي لثورة 23 يوليو 1952 في أول عهدها بالحكم (كان المنبعان الآخران هما جماعة الإخوان المسلمين والحزب الوطني القديم) والدليل الواضح أنه كان لهذه الجماعة عدد من الوزراء في حكومات أول عهد الثورة بما يفوق ما كانت تصل إليه أحزاب الأقلية في الوزارات الائتلافية، فقد كان من المُنتمين لهذه الجماعة كل من الأساتذة والدكاترة عبد الجليل العمري وعلي الجريتلي وإسماعيل القباني وعباس محمود عمار ومحمد عوض محمد وعبد الرزاق صدقي ووليم سليم حنا ومحمد فؤاد جلال.

   

لم يتحدث أحد من المؤرّخين عن هذه العلاقة وهذا الفضل لأحمد حسنين ومن اصطفتهم جماعته ممن دعموا الثورة بخبرتهم الفنية لسبب وجيه هو أن كتب التاريخ التي نشرتها ثورة 23 يوليو 1952 كانت حريصة على تشويه أحمد حسنين بكل ما تملكه من قدرة على التشويه، وهذا في حد ذاته دليل على أن حسنين باشا كان رجلا وطنيا من طراز رفيع ذلك أن أدبيات ثورة 23 يوليو 1952 لم تُشوّه باحتراف ودأب إلا جهود الوطنيين الأجلاء أصحاب المشروعات النهضوية الحقيقية وكانت في هذا التشويه مجرّد مُنفذ أمين لما كان منفذو السياسات الخفية لجماعات من الأمريكان يُوجّهونها إليه من أجل قطع الصلة بما يكمن وصفه بدقة شديدة بالاصطلاح النحوي القائل في وصف أزمنة الفعل بما يسمى الزمن الحاضر المستمر، وهو نفس الأسلوب الذي تتضمّنه الكتالوجات الانقلابية العسكرية في التشويه المُفرط لمن كانوا في السلطة قبل وصولهم إليها مباشرة.

 

ربما أذكر للقارئ شيئا طريفا وهو أن المهندس المعماري المصري العظيم حسن فتحي ظل طيلة عهد الرئيس جمال عبد الناصر وبدايات عهد الرئيس أنور السادات بعيدا تماماً أو مبعدا عن كل الأضواء لسبب بسيط لا يتعلّقُ بعلمه ولا بعمله وإنما يتصل بكونه صهراً لأحمد حسنين باشا فقد كان زوجا لشقيقته، وهكذا جاء الحديث عن المهندس حسن فتحي منذ نهاية السبعينيات في صورة كان يبدو معها وكأنها تقدم اكتشافا لشيء كان مخفيا عن الأنظار أو مغيباً عن الحضور.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة