كوثر أبو سعدة
كوثر أبو سعدة
569

قراءة في كتاب برهان غليون.. لماذا تعادي الدول العربية شعوبها؟

10/4/2019

يسعى برهان غليون في كتاب "المحنة العربية الدولة ضد الأمة"[1] لفهم وترتيب الأسباب والأحداث التاريخية التي حوّلت الدولة العربية الحديثة من أداة للتحرر، ومن كونها أمل الشعوب العربية بعد عقود من الاستعمار، إلى غول ابتلع الحداثة والمجتمع، وأخضعهما لمصالح خاصة غير إنسانية، وأدى في النهاية إلى تفجير المجتمعات وتشظيها وتشتيتها. فقد قمعت هذه الدول العربية الأصوات المعارضة أو المُصلحة، وامتلأت السجون بأصحاب الرأي المخالف، تلك الأصوات التي كانت تسعى لحرية التعبير والمساواة بين فئات المجتمع المختلفة.

 

 تعد الأزمة اليوم، التي تعيشها الكثير من المجتمعات العربية، والتي تجلت في ثورات الربيع العربي، والاحتقان الشعبي المتزايد وما ينطوي عليه من الشعور بالخذلان والتردد العميق والحيرة وعدم الاستقرار، نتاجاً لفشل الدولة العربية، وذلك بخلاف الأطروحات الأنثروبولوجية التي تركز على العوامل الثقافية أو البينية الدينية الموروثة، وللأطروحات التاريخانية التي تشدد على العوامل الخارجية والإمبريالية لفهم أصل السلطة الاستبدادية العربية الراهنة. ففي هذا الكتاب يسعى غليون ليقدم تفسيراً جديداً لأصل القطيعة بين المجتمع والدولة، ومحور نظرية الدولة التحديثية نفسها.

   

يتكون الكتاب من سبعة فصول، حيث تناول الفصل الأول إشكالية الدولة، أما الفصل الثاني الذي يندرج تحت عنوان عصر التكوين، الأمة والشعب، ويتضمن بداخله مجموعة من المحاور التي تمثلت في "معجزة الولادة" و "أزمة الهوية"، و"الأزمة العربية"، والفصل الثالث من هذا الكتاب تناول عصر التنظيم: من خلال الدولة والسلطة، والذي لوحظ بانه تناول الدولة العربية إلى جانب دولة العقل أو التنظيم العقلاني للدولة، بالإضافة إلى جانب دولة المجتمع والشعب. إذ تناول الفصل الرابع عصر التغيير أو أصل القطيعة بين المجتمع والدولة. كما حلل الفصل الخامس عصر المحنة أو ثمن الحداثة المجهضة إلى أن نصل إلى الفصل السادس وهو الذي ناقش إلى أين يسير الوطن العربي؟ وذلك من خلال طريقين، أما طريق النزاع الأهلي أو طريق التغيير من خلال الحداثة والاتحاد والديمقراطية. واخيراً، الفصل السابع الذي عرض أهم الاستنتاجات.

 

أولا: إشكالية الدولة

"لأن المجتمعات الإنسانية هي بالضرورة والطبيعة مجتمعات سياسية، فهي لا تستطيع أن تعيش من دون دولة"

-أرسطو

 

شرح أرسطو عبر جملته هذه ضرورة عيش الإنسان داخل كيان سياسي، كون أن الإنسان يٌعد من الفاعليين السياسيين داخل القُطر أو خارجه. وهي الفاعلية التي تغيب عن المواطن العربي في بلاده، فهو مفعول به سياسيا فقط، ولا يمتلك الحد الأدنى من التأثير السياسي على واقعه. وبذلك، فإن الأزمة العامة التي يعيشها المجتمع العربي اليوم تستند بصورة أساسية على الدول. كما أنه قد ظهر مؤخراً عبارات أو مسميات للدول كـ "دولة إسلامية، دولة علمانية، دولة ديمقراطية، الخ.." والتي أصبحت تندرج في اللغة اليومية للمثقفين العرب ولمجموع النخب الاجتماعية، ولتعكس الموقع المركزي الذي تحتله الدولة وإشكاليتها في النقاش السياسي والاجتماعي والديني في المجتمع. لذلك، فقد فَصّل الكاتب العوامل والأسس التي قامت عليها الدولة، سواء كانت هذه العوامل مادية أو معنوية.

 

يتطلب فهم إشكالية الدولة معرفة مجموعة من المستويات الأساسية التي تساهم في تكوين الحقيقة التجريبية التي نُسميها الدولة. فما يُطلق عليه اسم الدولة يتراوح كثيراً في حقيقة تكوينه وتكامله ونضجه، وعليه فإن الدولة كمفهوم، لا تعبر من حيث حقيقتها عن ذات الشيء. لذلك لابد من معرفة مستويات الدولة، حيث جاءت الدولة في مستواها الأول الذي يعبر عنه الجهاز المركزي، والذي يعتبر الأكثر مادية وتحكما بالدولة، وقد يكون هذا الجهاز متجسدا في سلطة وطنية منتخبة أو سلطة مجموعة من المرتزقة الذين استولوا عليه بالقوة كما حدث في جزر القمر على سبيل المثال، أو سلطة فريق من مهرّبي المخدرات كما يحدث عادة في دول أمريكا اللاتينية. إذ أن هذا المستوى التقني يضيف مستوى سياسي يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة المصالح السياسية التي تقود جهاز الدولة، أي القوة التي تملك شرعياً حق التملك في الجهاز وإدارته. بالإضافة إلى وجود بعض من القواعد المحددة التي يتوجب التعرف عليها لفهم الكيفية التي تتم بها ممارسة السلطة وتعيين الحدود، كوسائل التلاعب بالجهاز أو توجيهه لخدمة مصالح شخصية أو حزبية أو فئوية. فهذه القواعد لا تُقرر بالإرادة وحدها ولا بالقانون.

 

    

فالدولة في المستوى الأول "التقني" وهو موضوع العلم السياسي بالمعنى الدقيق للكملة، ظاهرة مرتبطة أساساً بزمانية تطور وتراكم التقنيات السياسية وأنظمة الحكم والمراقبة العملية للسلطة على الصعيد الإنساني الحضاري.  من الممكن أن تكون الدولة في مستواها الثاني وطنية أو نخبوية، طائفية أو طبقية، أي أن تخدم برنامجاً وطنياً أو طائفياً أو نخبوياً أو قبلياً، كالقوة الاجتماعية- السياسية التي تتحكم بها. ففي المستوى الثاني للدولة، لا تظهر القوة التاريخية المؤسسة للدولة كثمرة تطور حضاري عالمي بقدر ما تعبّر في تكوّنها وتبلورها عن ديناميات داخلية وزمانية خصوصية تلتقي فيها عوامل فكرية واقتصادية واجتماعية محلية وعالمية. فهنا تظهر الدولة بوصفها التعبير المباشر عن الطريقة التي ينظم فيها المجتمع نفسه، ولا بد لها من هذه الناحية أن تُجسد وتعكس برامج القوى الاجتماعية المنظمة ومصالحها. بالإضافة إلى أن هذا المستوى يبلور ما نطلق عليه عادة المحتوى الاجتماعي والسياسي لسلطة الدولة الذي يقوم عليه التمييز التاريخي بين الدولة الإقطاعية والدولة الرأسمالية والدولة الخراجية أو الطرفية.  

 

أما بالنسبة للمستوى الثالث للدولة، فإنه يتمثل في فهم الدولة من حيث كونها قيمةً أو وعياً للذات الجماعية الحضارية. والمقصود هنا، تحديد غايات السياسة التي تحاول الدولة تجسيدها وتقديم وسائل الوصول إليها. فإذا كان لمجتمع ما أن يستورد نمطاً من أنماط التنظيم التقني للدولة، كما حصل في مرحلة التحديث العثماني بالنسبة إلى الإدارة والتقنية، وهو نمط يجسد زمانية مختلفة كلياً عن زمانية المجتمع المحلي ذاته، وإذا كان من الممكن كذلك تبدّل الفاعل الاجتماعي المؤسس والمحرّك للدولة. فإن أخلاقية الدولة وغاياتها الإنسانية مرتبطة إلى حد كبير بالقيم الاجتماعية وتطور العقلية والنفسية والثقافة العميقة للمجتمعات.  ومن هنا يتضح لنا أن المستويات الثلاثة للدولة تعتبر مستويات مستقلة نسبياً. بالإضافة إلى أن تلك المستويات تمثل نوعا من الترابط في صيرورة واحدة، ويمكن من خلالها تحديد هوية الدولة خصوصاً التي تسمى بـ "الدولة المعاصرة العربية" ولها طبيعة معينة تحركها الحركة القومية أو الوطنية.

 

ثانيا: عصر التكوين- الأمة والشعب

يتناول هذا الفصل فكرة أن العرب لم يكونوا يمثلون اليوم أمة- دولة حديثة، وذلك لأن بنية الدول العربية القُطرية ما زالت تنفي في آلية عملها مبدأ تكوين الأمة. فقد ارتبط تاريخ العرب ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ الإسلامي والتوسعات الثقافية والجغرافية والتاريخية. إذ تجدر الإشارة هنا أن المصير العربي السياسي حُسِم مع انتصار الغزوات المغولية والتي ظلت قرابة قرنين متواصلين والتي قضت على الدولة العباسية ونشرت الخراب في كل مكان قبل أن ينجح العرب في إيقافها واستيعاب الشعوب الجديدة وتحضيرها وأسلمتها. وأيضاً، عندما ننظر إلى تاريخ الوطن العربي في عهد الدولة العثمانية، نلاحظ انغماسه في التأخر والانحطاط والتقوقع. حيث تميّز النظام السياسي والاقتصادي والعقائدي الذي خضعت له المنطقة العربية بسيطرة النزعة العقيمة، حيث انتهى هذا الانهيار بالتهميش للمنطقة العربية وإبعادها عن التيارات التي كانت تدعو إلى التجديد الاقتصادي والتقني.

 

نجد هنا، أن الأمة العربية وانبعاثاتها واجهت العديد من العوائق لفترة طويلة من التاريخ، ولكن الفضل الأكبر في حصول معجزة البعث التاريخي للأمة العربية يعود إلى عاملين، الأول وهو "الدين الإسلامي" الذي مثّل الملجأ الأخير للغة والثقافة العربية، والعامل الثاني "الخميرة العقلانية الحديثة" التي هزت الفكر الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر، والتي تجسدت في ظهور ما يُعرف بـ "التيار العقلي". ومن بين المؤثرات التي أثرت على الوطن العربي كانت الحركة الوهابية التي ترجع جذورها الفكرية إلى مذهب الإمام ابن تيمية.

 

قامت الوهابية بتوجيه ضربة قاسية إلى عناصر السلطة العثمانية الرئيسية، العقائدية والسياسية، حيث تستند الوهابية في مذهبها الفكري على "التوحيد المتشدد"، وفي سلوكها السياسي الكفاحي والحربوي. فالوهابية تعتبر مستند جديد لتجديد الإيمان وتوحيد فضائه، ولكن هناك العديد من العوامل التي أدت إلى هزيمة هذه الحركات والتي جسدت روح المقاومة للاحتلال، أي أنها أُخفقت من خلال الحركات الوطنية الإسلامية وأصبح الهدف هو ترميم النظام الاجتماعي العربي والإسلامي.

   

المفكر السوري برهان غليون

مواقع التواصل
    

ومن هنا، ظهر ما يسمى بأزمة الهوية، وهي التي كانت تعتبر الواقع الذي تتميز به الجماعة، ويقصد بالهوية التصور الذي يكوّنه الشعب عن ذاته، لا قيمة لها إلا بقدر ما تساهم، من خلال القيم التي تركز عليها والعلاقات التي تشجع على بنائها والإيحاءات التي تثيرها في إعادة بناء الشخصية الفعلية المفككة أو المهددة، والتي ستكون ضمان تفتُّحها واستقرارها. بالتالي، فإن الولادة الرسمية للعروبة كعقيدة سياسية حديثة، وليس كشعور بالانتماء العام إلى جماعة عينية كانت في مؤتمر باريس عام 1913 والذي نتج عنه جذب للقوى السياسية.

 

بعد مشكلة الهوية التي غالباً ما كانت تتماهى في الفكر القومي الكلاسيكي مع مشكلة الأمة من خلال الاهتمام بتجانسها. فقد ظهرت في هذا السياق أطروحتان تتصارعان في إطار الأمة العربية، حيث جاءت الأطروحة الأولى والتي تتعلق بتكوين العرب قبل الإسلام، والتي عبّرت عن نفسها في الأدب والشعر العربي الجاهلي، ومن خلال الأحوال الخاصة بالحياة في الجزيرة العربية، ولم يكن الإسلام نفسه إلا أحد مظاهر روح هذه الأمة العربية، على الرغم من أن النزوع العالمي والأممي للدين الحنيف أضعف الشعور القومي لدى العرب وعمل لغير مصلحتهم. فقد أدى توحيد مفهوم الأمة مع مفهوم الهوية والتجانس البشري والثقافي إلى مطابقته مع مفهوم العصبية القومية في خطاب التيارات القومية الجديدة.

 

ولكن يجب أن نشير إلى أن الليبراليون والماركسيون هم الذين دافعوا عن الأطروحة الثانية وأيضاً رفضوا فكرة الأمة العربية مثلهم مثل الإسلاميين، التي بدت لهم جميعاً أنها تعتبر غير واقعية. كما أكدوا في المقابل إما استمرار القوميات التي كانت موجودة قبل الإسلام أو الطابع الحديث والرأسمالي لتكوّن القومية. فقد كان الهدف مما سبق، تنظيم عملية الاندماج والتوحيد الفضائي، القانوني والاقتصادي والسياسي، بين أقطار ستظل تمثّل أعضاء في أسرة أكبر.

 

ثالثا: عصر التنظيم: الدولة والسلطة

يدرس هذا الفصل الترابط بين عناصر البنية الأساسية للدولة من جهة، والقوى الاجتماعية من جهة أخرى، فهي التي تحدد هامش النمو السياسي وطبيعة السلطة في أنماط الدول العربية التحديثية. فقد استنتج غليون أن الدولة التي نناقش ونحلل وجودها في الوطن العربي المعاصر ليست دولة تقليدية، وليس لها علاقة بالدولة التقليدية السلطانية، لا في مستوى بنيتها الأساسية ولا في حتى بنيتها السياسية الاجتماعية. فالدولة العربية الراهنة هي أولاً دولة تحديثية، دولة الحداثة بما هي تقنية للدولة وغاية لها. مثّلت آليات التداول الطبيعي للسلطة واحتكار مراكز القيادة من نخب لا تتمتع في أغلبية الأحيان بالحد الأدنى من الأخلاق المدنية والكفاءة المهنية وغياب الحريات العامة وزيادة انتهاك حقوق الإنسان، -ظواهر عده لا يمكن أن تخفى على عين أي مراقب- الحقيقة اليومية للسلطة في المجتمعات العربية، وتعكس القطيعة التي لا تكف عن التفاقم بين الدولة والمجتمع.

 

عند النظر في التحليلات التي يقوم عليها الوطن العربي، نجد أنها لم تكن منتظمة ومركّزة في أي حقبة ماضية مثلما هي عليه اليوم. فالدولة عادة ما تخفي النزاعات والاختلافات التي ظهرت في موضوع الهوية، وغالباً ما نجد أنها تهتم بالتنافس المستمر والمتزايد بين قوى اجتماعية وسياسية متصارعة. بالإضافة إلى وجود تناقض قوي بين تيارات الرأي العام المختلفة في مسألة تعيين طبيعة الهوية الوطنية، فقد كان التناقض عنيفاً أيضاً في مسألة فهم وتحديد طبيعة الدولة الجديدة الناشئة في جحر الجماعة أو المجتمعات العربية. فعندما ننظر إلى المركزية في الدولة، نجد أنها تكون نابعة عن دور الدولة في تنظيم الرأي العام، حيث ارتكزت السلطة المركزية الدكتاتورية على الاندماج بالذات وتكوين الرأي العام الذي يحركه الجماهير والضغوط على السلطات حتى يتم تعديل المصالح وتوزيع السلطات.

   

 

أيضا من الأمور الهامة التي يجب الإشارة إليها، أن هناك من حاول تفسير المشكلات التي تمر بها الدولة العربية الحديثة من خلال مجموعة من النماذج، كنموذج التعميم الأنثروبولوجي الذي يغيٍّب السياسي والاجتماعي والتاريخي معاً. كما يوجد هناك مجموعة من التيارات التي ترى أنها في المجمل ترتبط في سياستها بالقيم الدينية العربية الإسلامية والتي لم تكن الوحيدة التي توجه النقد إلى مجموعة من التيارات القومية. فهناك مجموعة من المحاولات التي سعى إليها السلاطين والأمراء المسلمين ومن أشهرهم السلطان محمود ومحمد علي الكبير، وفخر الدين المعني، كرد الفعل من أجل الاهتمام بعملية تحديث الدولة التي لا نزال في الوقت الحاضر نعيش مضاعفاتها في الوطن العربي، إذ وجدنا أن الهزيمة ظهرت من خلال جيوش المماليك، فالتحول التاريخي هو الذي فرض نفسه على المشاركة بدون أن يتيح لها الفرصة في المشاركة وفي مواجهة خطر الاستبداد.

 

فقد حدث نوع من الصدمة التي أحدثها اكتشاف العالم الحديث عن طريق العنف والغزو أم بالسعي الذاتي، لتشكل هذه الصدمة، قطيعة حقيقية في التصور الثابت للذات، كما ارتبطت بتضييع المصداقية التاريخية، حيث ارتبطت بانقطاع خيط الزمان وانكسار امتداد المكان. باختصار، لم يعد هناك أي وضع ثابت في التنظيم الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية. فقد تبدل حقل التفكير بكاملة مع بروز مراتبية جديدة للسلطات ونظام جديد للأشياء، فهو إمكانية للكلام وللرؤية والفهم ولتوليد الخطابات وعقلنة الممارسة وإبداع الإشكاليات النظرية القادرة على كشف الواقع الموضوعي وإظهار حقيقته.

 

يعد تحديث تقنيات الحكم والتنظيم المادي لعناصر المجتمع والإنتاج، فإن التحديث لا يمكن أن يتحقق دون أن يفرض على الحامين وضع مشروعهم الجديد في أفق العصر، أي بتبديل مواقعية الدولة ككل في التصور العام للممارسة التاريخية. والواقع أن التكيف مع المعايير الدولية للتنظيم السياسي والاقتصادي ليس قضية اختيار ذاتي بالنسبة إلى المجتمعات، بينما هو شرط موضوعي للتواصل والتعاون مع المجتمعات الأخرى. فقد تعرضت الآمال والتطلعات للمجتمع العربي إلى الطفرة التي شهدها المجتمع الحديث. ومن هنا، عمَّ نموذج التطلعات والآمال الدينية جميع المجالات الحضارية في القرون الوسطى.

 

ولا يقتصر بنا الحال التحدث عن التنظيم العقلاني الحديث للدولة وقيم التقدم كغاية للاجتماع السياسي. فقد أدخل النظام الذي يتعلق بالوعي التاريخي من خلال تبلور نظرية الدولة والسلطة من خلال وجود المجتمع كمصدر لقوى التغيير والمبادرة. ومن الأمور التي يجدر الإشارة إليها بأنه يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط للدولة العربية التحديثية والتي تنطلق من تغيير السلطة والقوى الاجتماعية والشعبية الحاكمة. فقد تمثل النمط الأول في الدولة الإصلاحية[2]، أما النمط الثاني هو نمط الدولة الوطنية أو القومية[3]، والنمط الثالث هو الذي أُطلق عليه دولة الانفتاح وهي ما يطلق عليها الليبرالية الجديدة، من خلال دراستها وفق مجموعة من الميادين سواء الميدان الأول الذي يتعلق بالعلاقة بين السوق الخارجية والدولة، والميدان الثاني وهو تحرير الدولة من الالتزامات الاجتماعية والسياسية والتي تنادي بالشعارات القومية والتضامنات العربية والإقليمية المشتركة أو فيما يتعلق بمفهوم العدالة الاجتماعية.

 

رابعا: عصر التغيير أو في أصل القطيعة بين المجتمع والدولة

يعتبر التجسيد الأول لفكرة الدولة التحديثية في الوطن العربي تجسيداً أداتياً أو تقنياً بسيطاً يفتقد القيم والأخلاقيات والقيم السياسية، كما حدث نوع من النمو في الطبقة الوسطى من خلال التركيب الاجتماعي علاوة على قلب التوازن السياسي، وهو السبب الجوهري في انهيار النموذج الإصلاحي للدولة التي تعاني من تناقض ذاتي جوهري ناتج عن التناقض بين أهدافها السياسية والتاريخية التقليدية وبرنامجها الاجتماعي الذي يتمحور حول إدخال التقنيات والنظم الحديثة في حياة النخب الاجتماعية، وبالتالي زيادة المنافع الناجمة عنها، وتفاقم الصراع بين أطراف النخبة المحلية: البيروقراطية والوجاهية والعسكرية والإقطاعية، على اقتسامها.

 

فيما يتعلق بقضية غياب النظرية الثورية، فلا بد من التمييز بين العقيدة والفلسفة التاريخية أو الوجودية الشاملة. حيث كان للحركة القومية العربية عقيدة واضحة كرؤية عامة تقود خطاها في ممارستها

فمع تغير تصور العرب للتاريخ العالمي ولموقعهم الخاص في هذا التاريخ من النقيض إلى النقيض في أقل من قرن حيث كان أفضل مؤشر على ذلك تغير المصطلح السياسي الذي يشير إلى الأهداف الجماعية التي تتمثل في تغير النوازع والتطلعات والآمال التاريخية. فقد انتقل العرب من مفهوم النهضة الطموح، إلى التنمية الاقتصادية القطرية الأكثر اعتدالاً، ثم إلى شعار التدهور الاقتصادي والحفاظ على الحد الأدنى من الفاعلية والقيم للدولة السياسية التي أصبحت مهددة بالتفتت والزوال. كما تراجع شعار العمل العربي المشترك الذي انطلقت منه الحركة القومية من مستوى شعار الوحدة العربية الذي يشير إلى حتمية عودة انصباب الأمة العربية الواحدة في دولة واحدة إلى شعار التعاون والتضامن العربي بين دول تنتمي إلى منطقة إقليمية واحدة، وتخشي أن يقود عدم التفاهم فيما بينها إلى تفاقم الصراعات والنزاعات والحروب الأهلية والعربية.

 

ومن هنا نجد أن كلمة النهضة تشير إلى مفهوم التقدم، الذي يراهن بالدرجة الأولى على بناء الذاتية العربية، الجماعية والفردية المرتبطة بها، أي على العوامل الثقافية، الدينية والأخلاقية والمعنوية التي ينظر إليها عادة باعتبارها الأساس العميق لكل تقدم مادي. فللخروج من هذا الوضع لم يكن لدى الإصلاحيين النهضويين غير اقتراح استراتيجية قائمة على إصلاح العقل والدين، وهو جوهر إشكالية تخليص المسلمين من الاستسلام لروح الجبرية المؤذية والخرافة المضيعة. كما أن هناك عوامل ساهمت في إخفاق مشروعات التحديث الوطنية والتي كان منها إخفاق العرب في إيجاد إطار التعاون والتضامن الفاعل. فقد كان من الممكن، ولن يكون من الممكن نجاح أي مشروع للتنمية الحضارية، من خلال منع ثروات التنمية المادية والبشرية. لذلك، يتضح أن حركة القومية العربية كما عرفها الوطن العربي، عانت نقائض كثيرة، في مستوى بُناها أم في مستوى العقيدة والفكرة التي كانت تحرّكها وتوجّه نشاطها وممارستها.

 

ومن بين هذه النقائص والعيوب، غياب الديمقراطية والحريات السياسية الفكرية، بالإضافة إلى سواد الروح التجريبية التي تحكمت بسلوك القيادة وتفكيرها، التي كانت تعني في هذا السياق، غياب العقيدة أو النظرية الثورية الواضحة والمتسقة. لكن لابد في الحقيقة من وضع هذه الافتراضات، على الرغم من أهميتها، في سياقها التاريخي وإدراك حدود قدرتها على تفسير مصاعب هذه التجربة. فإذا كان غياب الحريات الفكرية والسياسية قد عمل من دون شك على عزل الحركة في صفوف المثقفين والفئات العليا، لكنه لم يؤثر كثيراً في موقف التكتل الجماهيري في دعمه في وتأييده القيادة القومية، دون أن يعني ذلك التقليل أو الانتقاص من أهمية هذا النقد وعزلة المثقفين.

 

أما فيما يتعلق بقضية غياب النظرية الثورية، فلا بد من التمييز بين العقيدة والفلسفة التاريخية أو الوجودية الشاملة. حيث كان للحركة القومية العربية عقيدة واضحة كرؤية عامة تقود خطاها في ممارستها. كما ضمنت الروح التجريبية نوع من المرونة في العقيدة والسياسة والانفتاح الذهني الذي كان يتطلب نوع من التعلم واكتساب الخبرة في العمل السياسي الوطني. ترتب على ذلك، وحين نشأة الدولة العربية على أنقاض الاستعمار، أن الدولة العربية لم تفرز نخبا تطورت طبيعيا في المجتمع، لكنها أنتجت طبقة منفصلة عن المجتمع، والتي سعت بسبب انفصالها عنه (الشعب)، أن تمتلك الأدوات التي تُمكّنها من ضبط المجتمع والسيطرة عليه، وبذلك، كانت تلك هي اللحظة المفصلية التي أسست القطيعة التي نشأت الدولة العربية وفقا لها.

 

خامسا: عصر المحنة أو ثمن الحداثة المجهضة

تناول الكاتب في هذا الفصل تفسير المقصود بـ "عصر المحنة" و "الحداثة المجهضة"، والذي يقصد به فقدان معالم الطريق والتخبط التاريخي والقلق على المستقبل. كما يعني أيضاً غياب الآفاق التي يستطيع من خلالها أي مجتمع معاصر صوغ المشروع الوطني السابق. فمن الأمور التي تستحق الإشارة إليها أن المفاهيم التي تتعلق بمشروع التحديث العربي وجدت البرامج التي تفقد مصداقيتها ومدلولها حيث وجدنا أن استخدام مصطلح الأزمة يعكس اللجوء المتزايد حول الاهتمام بالحقب الماضية في المناظرة الفكرية العربية ويجب علينا أن نتعرف على مضمون هذه الأزمة من خلال التعرف على طبيعتها وأسبابها، كما يجب الاهتمام بالحلول التي يُمكن للمجتمع العربي أن يصوغها حتى يتمكن من الخروج من هذه الأزمة.

 

وتعتبر هذه الأزمة من الأمور التي لا تتجلى بالمظاهر والأبعاد التي تعتبر في حد ذاتها مجموعة من المشكلات التي يواجها المجتمع العربي. فقد وجد نوع من التعارض المطلق بين تصور طبيعة الأزمة وبين الأسباب والحلول التي تقدم من خلال السمات الرئيسية للأزمة لدى جميع الأمم السابقة، حيث يصعب التمييز بين هذين التصورين المتعارضين الذين ظهروا في الأعوام الأخيرة. فقد أكد التصور الأول على معارضة التحديث الوطني الذي يعتبر جوهر العملية التاريخية الجارية في الوطن العربي، ويرجع في البحث عن أسبابها إلى ما يطلق عليه عادة بمقاومة النظم والبنى القيمية والمعرفية والثقافية القديمة، كما لا توجد فاعلية للهياكل التقليدية والهرمة الموروثة في مجتمعاتنا. وفي المقابل، شدد التصور الثاني المعارض على الطبيعة السياسية للأزمة، وكشف عن أسبابها في التحلل الأخلاقي والتخلي عن الهوية الثقافية وتوسع دائرة الاستلاب وتبعية النخبات الحديثة الحاكمة والسائدة في المجتمع للدول والمجتمعات الصناعية والغربية المسيطرة، التي تضيع مخيلتها في عملية الاقتداء الأعمى بها.

  

  

لذلك، يُعد أبرز مظاهر تزييف المشروع الوطني هو تخريب الدولة ذاتها بوصفها تنظيماً للممارسة العامة، وتوجيهاً لها وتحديداً لأهدافها ووسائلها. ويكفي لإدراك ذلك معاينة ما طرأ على فكرة التنظيم الحديث للمجتمع من قبل الدولة، وما أدت له من انحطاط جعل مفهوم المراقبة الأمنية والاستخبارية والسيطرة العسكرية المباشرة على المدن واحتلال الفضاء بها، محا مفهوم تنظيم الإرادات الفردية المتعددة وتقديم الإطار الذي يسمح لها بتحقيق وحدتها والتنسيق بين نشاطها. لذا لابد من الاهتمام بمجموعة من الاستراتيجيات الاقتصادية الكبرى التي تساعدنا على الاحتفاظ بالسيطرة الشاملة على سياسات الإفساد المنظم والتي تمارسها الشركات العالمية والدول الصناعية.

 

ومما يستحق الإشارة إليه أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على الممارسات العامة للدولة، والتي منها إدراك مسؤولية العوامل الداخلية والذاتية، فما كان من الممكن لهذا العامل الخارجي أن يحدث آثاره السلبية لولا هشاشة النزعة والحركة الوطنية، وترتب على هذه الهشاشة نوع من ضعف السيطرة على التناقضات التي تتصل بالتشكلات الاجتماعية والعربية. بالإضافة إلى النقص في فهم سمات التكون التاريخي، السياسي والثقافي وركاكة العقائديات الاجتماعية التي عرفتها ووجّهت مسارها. فقد يوجد نوع من التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية وتحديد المسار العام، كما يتعلق العامل الأول بمسألة الأمن الخارجي ولكن في نفس الوقت وجدنا نوعا من التضخيم في المشكلات التي ترتبط بإخفاق السياسة القومية الخارجية والتي تضعف بصورة ملموسة من الوضع الاستراتيجي لكل قُطر من الأقطار العربية على حدة، وما نجم عنه من نمو خطر في النزاعات العربية والتنافس بين الدول. كما يتعلق العامل الثاني بالدور المتزايد لريع نفطي يمارس أكثر فأكثر مفعولاً سلبياً ومدمراً من الناحية الاقتصادية والأخلاقية السياسية. أما بالنسبة للعامل الثالث الذي يتعلق بما ينجم عن مفهوم التنمية الاقتصادي هذا، بقدر ما يعمل في اقتصادويته على طمس أهمية علاقات السلطة، من ميل إلى تكوين النخب الحاكمة والمسيطرة على شكل طوائف مغلقة على نفسها بدلاً من أن تكون جزءاً من طبقات مفتوحة حساسة للتغيرات الإيجابية وقابلة للتبدل مع تبدل علاقات القوة.

 

ومن هنا، نجد أن هذه الملاحظات كلها إلى أي حد لا يزال الوطن العربي انبعث من رماده بعد قرون عدة من الغياب والموت السياسي هشاً وضعيفاً. فهذه الهشاشة لم تنجم عن الضغط الدولي القوي الذي يشجع موقعه المركزي من على خريطة القوى العالمية، وإنما تعكس بُناه الذاتية مثله في ذلك مثل المجتمعات ما قبل الصناعية كلها. فقد أصبحت الدولة حقيقة مادية مطلقة، وأصبحت مشكلات الحدود هي الفرصة الوحيدة المتبقية لها كي تعلن عن نفسها وتؤكد وجودها واستقلالها تجاه الدول المجاورة.

 

سادسا: إلى أين يسير الوطن العربي؟

هناك العديد من المخرجات التي تكمن في الخروج من حالة التمزق والأزمة التي يعيش فيها الوطن العربي في حالة من الحيرة. لذلك، يكتشف الوطن العربي أهمية العودة إلى الإرث الثقافي والديني، ويأمل في أن يجد فيهما مرتكزاً أو مرساة أو عزاءً، في مواجهة الصدمات النفسية والمآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت غذاءه اليومي. ومن هنا وجدت العديد من حركات وردود الأفعال العربية على هذه الأزمة الراهنة، في حين وجدنا أنها تسير في خطين متنازعين لفترة طويلة من الوعي العربي السياسي. فقد رأى الكاتب أن أمام العالم خيارين، أما النزاع الأهلي، والصراع بين الإسلام والعلمانية أو بين النخب الممثلة للتيارين، شارحًا الأخطار الناجمة عن هذا الصراع، أما الخيار الثاني وهو خيار التغيير، طريق الديمقراطية والوحدة، وإن كان هذا الخيار يبدو أكثر إيجابية من الخيار الآخر إلا أن الكاتب يرى بأن هناك صعوبات تقف في وجه الوصول إلى هذا الخيار.

 

يعتبر الخط الأول الصادر عن النخب الاجتماعية التي كانت على صلة أكثر بالغرب من الناحية الثقافية والمادية والتي تحاول من خلال خطابها العقلانوي والكونوي أن تبرهن على أن الحل الوحيد هو النابع من التبني الأعمق لقيم الثقافة الغربية الموسومة بالعالمية. أما عن الخط الثاني هو الذي يتمثل في استجابة النخب الأكثر تحفظاً وارتباطاً بالثقافة المحلية والتي تجعل من تثمين الإرث القديم أو القومي وتجميل صفحته مرتكز خطاب دفاعي يهدف إلى مقاومة الشعور بالعجز والمهانة والانتقاص من الذات، بل من إنكار الذات، الناجم عن الإخفاق بقدر ما يتصدى للغزو المادي والمعنوي الخارجي.

   

ومما لا شك فيه، نرى أن الحركة الإسلامية الحديثة تجسد النموذج الأكثر تطوراً وهو الذي يقوم على الاعتقاد أن التغلب على الواقع الراهن المأزوم يمر بتجاوزه عقائدياً ونفسياً كشرط لتحويله عملياً. فقد جاء اهتمام المحللين ورجال السياسة وفضولهم بهذه الأزمة لتأكيد رفض التيار الإسلامي لنموذج مشروع الحداثة الفكري الذي ظل سائداً منذ نهاية القرن التاسع عشر، إذ يمثل التيار الإسلامي في أطروحاته ومنطقه، ردة الفعل الأكثر تعبيراً عن عمق الأزمة. وهذا ما يجعله محور استقطاب وجذب العديد من عناصر الاحتجاج والنقمة في المجتمعات العربية الراهنة.

   

    

ومن الأمور التي يجب النظر إليها، أن في الواقع كل الحركات القومية أو الوطنية العربية لم تكن حداثية أو تحديثية في أهدافها وبرامجها، إنما كانت في أشكالها التاريخية المختلفة: الإصلاحية الإسلامية والقومية والاشتراكية، حداثيةً عقيدةً وخطاباً. فقد تمثلت الفكرة الأساسية في الاندماج في النظام العالمي وفي الحضارة المعاصرة يمر حتماً بتحديث الفكر والواقع العربيين معاً، أي بتبني هذه المرجعية وتمثل قيمها. أن هذا الوضع النظري يمثل حال جديد من أحوال الوطن العربي، إذ على الرغم مما يسارع في الخارج عن سيطرة النزعة المحافظة عند العرب أو المسلمين. لم يسبق مثلاً أن أصبح تأكيد الهوية في أي حقبة من التاريخ العربي الحديث من أولويات الفكر السياسي والاجتماعي، أو أصبح مفهوماً متناقضاً لمفهوم الحداثة، بل حتى لمفهوم التغريب الصريح. حيث يعتبر تعلق موضوع المرجعية الثقافية العامة في الواقع مسألة خطرة تتمثل في تحديد القاعدة الرمزية التي تستند الأمة عليها في إضفاء الشرعية والمعاني الشعورية.

 

يبرز تطور الوطن العربي في الأعوام القليلة الماضية المكانة المتعاظمة التي تأخذها في مجتمعاته، وفي جميع الأوساط الطبقية، مطالب الديموقراطية وقضاياها. وكالعادة كانت مصر سبّاقة إلى فتح هذا الباب عندما اضطر النظام منذ عام 1970 إلى إطلاق سياسة الانفتاح في محاولة لتخفيف التوترات والتناقضات الاجتماعية الناجمة عن إخفاق مشروع البناء الوطني من جهة، والتعلق بعربة الاقتصاد العالمي، اقتصاد السوق، من جهة ثانية. فقد يتضح أنه وفي المشرق، يُعد هذا التحول من التحولات التي تعتبر الأكثر تعقيداً بسبب ارتباط الوضع الداخلي لكل قُطر بالوضع الجيوسياسي والاستراتيجي العام الذي يرتبط هو نفسه بموضوع الصراع العربي – الإسرائيلي. حيث ساهمت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في الأراضي المحتلة وما تبعها من إعلان الاستقلال الفلسطيني، وبقدر ما ساهمت في تحسين الموقع الاستراتيجي لشعب الداخل.

 

ولكن على الرغم من هذه المقدمات السابقة، إلا إن هناك العديد من المظاهر العامة التي تؤيد أنه لا يزال التوجه الديمقراطي في الوطن العربي هشاً جداً في كل مكان. ويرجع إلى سببين رئيسيين، السبب الأول أن الديمقراطية لا زالت شكلية جداً، ومطابقة لمفهوم الليبرالية الحديثة والاقتصادية المنفلتة[4]. أما بالنسبة للسبب الثاني الذي يرى أن الشروط الموضوعية، المادية، والتنظيمية والعقائدية تجعل هذا المسار الديموقراطي صعباً ومليئاً بالمخاطر. فمن هنا، هناك مهمات أساسية لا يزال من المطلوب إنجازها حتى تنجح الديموقراطية في الاستيطان داخل الوطن العربي. فعلى المستوى الثقافي والعقائدي، لا مهرب للأقطار العربية من خوض معركة تجديد العقلية السائدة وتجاوزها، وإعطاء دفعة قوية للروح الخلاّقة والإبداعية عند المفكرين والمثقفين والمسؤولين السياسيين. وعلى المستوى السياسي يستدعي نجاح الانتقال الديموقراطي العمل على إصلاح جذري في هياكل الدولة التي تمكنها من الاستقلال بنفسها عن مجموعة المصالح الخاصة ومراكز الضغط التي تسيطر عليها. كما تحتاج إلى تعديل علاقات السلطة بما يسمح بالخروج من هذه المواجهة المدمرة للسلطة والمجتمع. وعلى المستوى الاقتصادي، يجب العمل بأسرع مما هو متوقع لوقف التدهور الراهن في الأوضاع المعيشية، والوصول إلى حد أدنى من التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. كما يجب ألا ننسى أن الوطن العربي قد شهد مجموعة من الأحداث منذ بداية القرن العشرين والتي نتج عنها ولادة أنظمة نيابية متعددة. فلم يلبث هذا العجز حتى حوّل هذه الأنظمة في نظر القوى والأجيال الشابة الصاعدة إلى عقبة أمام تقدمها وعائق يحول بينها وبين الانعتاق والتعبير عن رأيها ومصالحها.

 

سابعا: النتائج

خصص الكاتب الفصل السابع والأخير ليقوم بعرض سلسلة من النتائج ليقدم زبدة الكتاب، منطلقاً من الدولة التحديثية، حتى وصل إلى الخاتمة التي عرض بها أوضاع بعض الدول العربية وصراعاتها متنقلًا بين مصر السادات ودول الخليج والجزائر والعراق. حيث جاء أبرز تلك النتائج التي تُظهر أسباب المحنة العربية فيما يلي:

  

1- ترى البيروقراطية التحديثية والنخب أن الدولة الممتدة في كل مكان، والمسيطرة على كل شيء، تتمتع بسلطة مطلقة، بمعنى أنها لا تقبل من أحد أن يملي عليها منطق سياستها وأولويتها، وهذا يُعد –بحسب تصور السلطة- ضرورة مطلقة لتحقيق التقدم التاريخي وتحييد عوامل العطالة وبناء هياكل التجديد المطلوبة لانتشال المجتمع من سقطته ووضعه المتأخر.

2- إن الدولة لا تظهر في الأمة الحديثة إلا باعتبارها مركز إنضاج القرارات والسياسات التي تخص جوانب الحياة الفردية والاجتماعية المختلفة.

3- ما زال استيعاب المجتمعات للدولة و -توطينها كفكرة ومفهوم للتنظيم الاجتماعي الجديد القائم على فاعلية السياسة والعمل السياسي والحرية التعددية والمسؤولية والأخلاقية المدنية الضرورية لوجودهما- مشكلة حقيقية في نماذج الدولة التحديثية في الغرب والشرق معاً.

4- كانت الساداتية قد سعت منذ السبعينيات إلى تنفيذ مشروع الدولة الحديثة، وذلك من خلال خفض مستوى طموحاتها الخارجية والداخلية، واستبدال السياسة الوطنية بالسياسة الانفتاحية، وبذلك فإن سياساتها أدت لتضييق دائرة الفئات الاجتماعية المعدة للمشاركة في هذه الحداثة، وإلغاء طموحات بناء اقتصاد مستقل.

5- وفي الجزائر، أدى الإخفاق إلى أزمة عميقة كادت تودي بالدولة نفسها وذلك في سبيل إعادة وضعها على رجليها بعد سقوطها في العديد من الحوادث. فقد وُلد النظام العسكري والاستثنائي الراهن من قلب بيروقراطية الدولة المتفككة، ولأن الأزمة لم تحسم بعد، فإن القوى المهيمنة لا تزال مترددة في القبول بالأنموذج الرث المعروض عليها.

 

الخاتمة

من خلال العرض السابق يتبين لنا أن غليون وضّح أن سبب المحنة العربية هي الدولة وليس المجتمع، على الرغم من العيوب الموجودة في مجتمعاتنا. فقد أصبحت الدولة دائماً مضادة للأمة، والسلطة مستمرة في تفكيك المجتمع وإخضاعه ونزع الوعي الوطني عنه، ومنعه من أي فرصة لأن يكون شعب متحدا في الوعي والإرادة. أخيراً وليس آخراً، يبقى سؤالاً عالقاً في أذهاننا، وهو كيف نجحت الدولة في اختطاف الدولة وتحويلها من أداة للحرية والمواطنة إلى دولة غول تسعى لابتلاع الشعب ومحوه من الوجود.

 

أما بالنسبة لوجهة نظري، أرى أن الكتاب يُعد من أهم الكتب التأسيسية التي تناولت المشكلات التي تتعرض لها الأمة العربية. كما اهتم بعرض الأسباب والعوامل التي أدت إلى انهيار الأمة العربية نحو تيارات حزبية فئويّة. فقد تميز أسلوب الكاتب بالتنظيم والتسلسل في عرض الأفكار وبالتالي الوضوح والدقة في استخدام اللغة والمصطلحات، وفي عرض الرؤية النقدية الخاصة بالمحاور التي تناولها. بالإضافة إلى التنوع في المراجع العربية والأجنبية مما يدل على حنكة الباحث في المنهجية العلمية لعرض هذه الإشكالية التي تتعلق بالدولة ومراحل تطورها.

 

لكن، وإن أمكن أن نُدلي بنقد في هذه المساحة، فإن ما يمكن أن يُعاب على الكاتب، استخدامه لأسلوب التعميم الذي بدا مُطلقا في كتابه، أي باعتباره أن "كل" الدول الحديثة هي "غول"، وأن الاستبداد في الدول الحديثة لا علاقة له بالاستبداد القديم، وأكد أن الاستبداد الحديث ولد من الدولة الحديثة، وهو ما أرى أنه ليس دقيق بالكُليَّة، فهناك الكثير من التباينات التي تفرزها كل حالة على حدة، تتجاوز، وتختلف عن المُطلقات التي أوردها غليون في كتابه.  وقد تجلت تلك التعميمات، في بعض المفاهيم التي استخدمها كـ "كل المجتمعات عايشة بتخبط" و "فشل وإحباط". وهنا، يبدو أن الكاتب غاب عنه وجود دول حديثة نجحت في مشروع التحديث.

 

[1] برهان غليون، المحنة العربية الدولة ضد الأمة، (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)

[2]  الدولة الإصلاحية: هي الدولة التي كانت تعتقد أن تحقيق التقدم أو وصول الدولة في نشاطها إلى الغاية المطلوبة، وبالتالي حيازتها الشرعية، يتوقف على قدرتها في إعادة تشغيل المنابع الدينية الصحيحة والاقتداء بها، سواء ما تعلق منها بالقيم الأخلاقية أم بالشرائع القانونية.

[3]  الدولة العربية التحديثية هو نمط الدولة الوطنية أو القومية: أي تلك التي تعتبر أن الوصول إلى التقدم الذي هو غاية الدولة يستدعي قبل أي شيء آخر بناء الأمة وبعث النزعة القومية التي تؤلف المحرك الرئيس الذي لا غنى عنه لتحقيق شروط التقدم وإنجاز مهامه، أي الاستقلال الذاتي وتعبئة الطاقة البشرية والمادية وتحديد الثقافات الوطنية ودعمها في مواجهة القيم التقليدية المحافظة وبناء القاعدة الاقتصادية والتقنية التي تشكل مصدر التراكم الضروري لكل تغير.

[4] الاقتصادية المنفلتة: وهي السياسة التي تستجيب لحاجات السوق الدولية أكثر ممّا ترد على الآمال والتطلعات السياسية والاقتصادية للشعوب التي أرهقها الفقر والتهميش.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة