سفيان الغانمي
سفيان الغانمي
716

أشرف مروان.. ملاك أم شيطان؟

11/4/2019

في كتابه "دولة الإرهاب كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب" الصادر بترجمته العربية عن سلسلة عالم المعرفة، حاول الباحث البريطاني تسليط الضوء على ثلاث منظمات كان لها الفضل في ميلاد دولة إسرائيل من خلال أعمالها الإجرامية التي كانت تقوم بها ضد الفلسطينيين، كانت تلك المنظمات الشهيرة الممثلة في" لهي، الاركون، البالماخ،" يكمن هدفها الأساس في المحاولة الدائمة لزرع الرعب بين جميع الفلسطينيين، حتى لا يفكروا في مقاومة الكيان المغتصب لبلادهم.

 

في كتابه ذاك وثق العديد من الجرائم التي قامت بها هذه العصابات، وحاول من خلال ذاك الدفاع على أطورحة أن دولة إسرائيل قائمة على أهداف سياسية اقتصادية، وليست دولة ذات نزعات أيديولوجية، لكن المهم في هذا الكتاب هو توثيقه للكثير من الجرائم التي ارتكبت بحق الفلسطينيين كما سبق، والتي كانت بمثابة الأساس الذي قامت عليه دولة اسرائيل، حيث أنها كانت تتعمد فعل ذلك حتى تبث الرعب في قلوب الناس، وبالتالي تثبت وجودها الغير مرغوب فيه.

 

في العام الماضي أخرج المخرج الإسرائيلي دوكي درور فيلما وثائقيا يعرض فيه تاريخ الموساد، عبر استضافة عدة عملاء في هذا الجهاز، الفيلم يكشف عدة أسرار والتي يرويها هؤلاء العملاء المتقاعدون، خاصة وأن جلهم اشتغلوا في الفترات الحساسة من تاريخ إسرائيل، أي في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، لا داعي لأن نعرض لما ورد في الفيلم من أسرار من مثل علاقاتهم ببعض الزعماء العرب وتقربهم منهم، أو استنجاد بعض الأقليات في إفريقيا والشرق الأوسط، لعناصر من الموساد لحمايتهم، أو لتدريب عناصرهم الاستخباراتية، من مثل الأكراد.. الخ كل ذلك جاء نتاجا للصيت الذي كان لهذا الجهاز الخطير الذي يبدوا أنه لم يكن يستعص عليه شيء، كما كانت حاولت إسرائيل أن تصوره دائما.

 

ما يلفت الانتباه حقيقة في الفيلم هو تصوير للرجل العربي على أنه مجرد رجل جشع يتهافت على المال، حتى أنه باع وطنه بالمال

الموساد في الحقيقة هو تطور لتلك العصابات التي سعت في البداية لتوطين الأرض لهذا الكيان الدخيل، وبعدما تم التمكين له تحول أفراد تلك العصابات الي مسؤولين بارزين في الوزارات وبعض المناصب الأخرى، كما أن بعضهم طبعا التحق بهذا الجهاز، لكن هل فعلا هذا الجهاز كان بهذه القوة التي كانت دوما تروج لها اسرائيل، أم تر أن ذلك لا يعدوا أن يكون مجرد دعاية إعلامية لا أكثر، في الحقيقية يصعب البث في ذلك، لكن من خلال تتبع الأحداث التي تتسلسل يوما بعد يوم، يبدوا أن لذلك شيء من الصحة، حيث بات من المقرر أن إسرائيل فعلا استطاعت أن تمكن لنفسها بالرعب، وتستمر كذلك بالرعب بحيث لم يكن أحد يستطيع أن يعاديها، فمهما كان مكانه فإنه لا محالة ملاق جزاءه ولا شك.

 

بعد معرفة هذا لا يبقى شك أو مراء ربما في تجنيد جاسوس من قبل أشرف مروان، والذي أنتج عنه فيلم مؤخرا وأثار ضجة كبيرة، لكن بدون شك أن إنتاج فيلم يتناول قصة مجند سابق للموساد لا يخفى على القارئ ربما دلالته في هذا التوقيت، كما أنه يأتي كتأكيد أيضا على الدعاية لقوة إسرائيل الاستخبارتية، وأنها قادرة على التسلل لحاشية أي نظام عربي والتأثير عليه.

 

بعيدا عن مضمون الفيلم فهو من الناحية الفنية فيلم في المستوى طبعا، كما أنه يتناول قصة محبكة، حيث لا شك أنه سيستطيع الإيقاع بالكثيرين في حباله وإقناعهم بوجهة نظر المخرج، والتي تتولى إيصال وجهة نظر إسرائيل حول هذا الجاسوس، لكن ما يلفت الانتباه حقيقة في الفيلم هو تصوير للرجل العربي على أنه مجرد رجل جشع يتهافت على المال، حتى أنه باع وطنه بالمال، وهذا طبعا يلمح للكثير إذا علمنا أن مخرج الفيلم يهوديا.

 

أشرف مروان هو صهر عبد الناصر، كما هو معلوم، كما أنه كان مقربا من الدوائر الحاكمة حتى بعد وفاة عبد الناصر، يبدأ الفيلم برصد قصته عندما كان بلندن، مع زوجته منى ابنة عبد الناصر، لكنه ربما بسبب عدم تقديره واعطائه الاهتمام اللازم بل والاستخفاف برأيه في بعض الأحيان، يضيق به الحال، ليقرر الاتصال بالسفارة الإسرائيلية، ومن ثم ستبدأ رحلة تجسسه، عن طريق بعض العملاء هناك، وتزويدهم ببعض المعلومات، مقابل مبالغ كبيرة من المال، وطبعا أهم تلك المعلومات هو إخبارهم بساعة الصفر لآخر حرب جرت بين مصر وإسرائيل، لكن مع ذلك كان المخرج يحاول أن يبرر أفعاله تلك بكونه رجلا يسعى للسلام، لأنه لم يكن يقم بذلك إلا لكونه لم يكن يرغب في مزيد من الحروب، لكن هل فعلا كان أشرف ملاكا؟

  

لكن الجانب المصري لا زال مصرا على أن أشرف مروان كان عميلا مزدوجا، حيث أنه تم تكريمه عقب وفاته بشقته في لندن في ظروف غامضة، لكن بعض التحقيقات أشارت إلى أنه توفي إثر اغتيال وليس عن طريق الانتحار كما شاع حين وفاته، كما أنه تم تكريمه من قبل السادات عقب انتهاء الحرب أيضا، لكونه بطلا قوميا.

 

الفيلم أخذ عن كتاب صدر عام 2010 بالعبرية لمؤلفه يوري بار جوزيف الباحث السياسي في جامعة حيفا، لكن الأهم من ذلك هو أنه اشتغل قرابة خمسة عشر عاما في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، حيث اشتغل كمحلل استخبارات بوحدة الجهاز، في التسعينات كلف بار بإنجاز دراسة حول أسباب الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي في التنبأ بموعد اندلاع حرب أكتوبر، وحينها ولا شك اطلع على عدة تقارير من بينها تقارير ربما تهم المدعو أشرف مروان، ومن دون شك وجد في ذلك الكثير قد يكون ما كشفه كتابه الملاك ما هو إلا غيض من فيض.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

704
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة