أنور بلبهلول
أنور بلبهلول
1.2 k

العلوم الإنسانية.. السلاح الإستراتيجي المفقود عند العرب

14/4/2019

لا يخفى على كل مهتم بمباحث العلوم الإنسانية أهميتها البالغة في تفسير وفهم جل الموضوعات التي تهم الإنسان ككل بل تكفي تسميتها في إدراك أهميتها، حيث يعزى ما حققته أوروبا من تطور وتنظيم واستئصال لمظاهر التخلف لبزوغ أفكار تنويرية تنهل من العلوم الإنسانية بمختلف مشاربها (فلسفة، تاريخ، أنثروبولوجيا،..).

 

كما لا يمكن إنكار إسهامات كل من جون جاك روسو وكانط ومونتيسكيو وغيرهم في إرساء منظومة أفكار أعانت أوروبا حينها من الخروج من براثين التخلف والعبث التنظيمي التي كانت تعيشه، وإرساء منظومة تدبير سياسية عقلانية عادلة ومنظومة قيم رائعة، ولعل هذه القدرة التي تميز العلوم الإنسانية تكمن فيما تحويه من آليات عقلية بإمكانها صياغة حلول لكل ما يتعلق بحياة الإنسان وتنظمه خصوصاً في ظل سيرورة التطور التي تلازمه وتقتضي منه إستمرارية البحث والتفكر بغية مسايرة الحياة.

 

بعد إستقلال بلدان العالم العربي التي كانت مستعمرة بصيغة شكلية إلى حد ما ظلت الدراسات الاجتماعيه والسلوكية للفرد العربي إلى يومنا هذا مكرسة للتبعية وللإخضاع

أفضت الثورة الفكرية في أوروبا إلى نهضة على جميع الأصعدة (سياسيا، ثقافيا، اجتماعيا..) ساهمت في إرساء دولة المؤسسات والديموقراطية. لكن مع مطلع القرن الثامن عشر بدأ الحديث عن علوم قائمة بذاتها كانت متضمنة في الفلسفة كعلم الإجتماع وعلم النفس هذه العلوم التي إستقلت عن الفلسفة بعد صياغتها لمبادئها وأسسها الخاصة وكذا ظهور بعض المشكلات والظواهر التي تستدعي وجود علوم قائمة بذاتها لتفسيرها ومعالجتها في ظل سيرورة التطور السريعة التي عرفتها أوروبا ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر بفضل تطور العلوم الإنسانية والحقة ووثيرة التصنيع السريعة التي أفرزت ظواهر إجتماعية ونفسية كان لابد من إيجاد أجوبة وحلول شافية لها.

 

لكن سرعان ما سوف يتحول دور هذه العلوم إلى أغراض أخرى حيث سوف توظف في سياق آخر غير سياقها الحقيقي العلمي السامي، فأضحت تعمل على تسهيل عملية الإستعمار عبر دراسة المجتمعات المراد استعمارها ولعل هذا ما حدث مع العديد من البلدان العربية كالمغرب والجزائر بتوظيف علم الاجتماع والأنثروبولوجية كأليات إستعمارية عبر دراسة وتفسير نمط عيش البلدان ومن ثم سهولة العملية الإستعمارية لما تمتلكه تلك العلوم من أليات بحثية كالملاحظة والمعايشة وفق نمط تفسيري وتحليلي يكشف البنية الحياتية لأي مجتمع ولعل ماحدث مع مجتمعات المغرب العربي خير دليل حيث وظفت فرنسا الأليات السوسيولوجية والأنثروبولوجية في دراسة بنية هذه المجتمعات وبعد معرفة مكن الضعف تم إعتماد الإنقسامية كسياسة لتسهيل عملية الإستعمار وهذا ما تم تأكيده على لسان ضباط المخابرات الفرنسية كروبرط مونطاني وميشو بلير في كتب تؤرخ لمرحلة بحثهم وعملهم في المغرب والجزائر.

 

نفس الأمر الذي سوف يحدث في الشرق إبان الإطاحة بالإمبراطورية العثمانية من خلال ما تم إطلاق عليه تسمية الإستشراف دائماً الأمر لا يتعلق بتوظيف غزو عسكرية بل الإستعمار عبر قراءة البنية الحياتية للمجتمعات وتكريس الإنقسامية والتفرقة حيث كانت إتفاقية سايس بيكو هي المؤسس الحقيقي لما تقدمنا به كل هذا نتاج إعتماد دراسة الإنسان والمجتمع وفق أليات العلوم الإنسانية.

 

يبدو من ماسبق أهمية العلوم الإنسانية ومدى فعاليتها في تسهيل عملية الإخضاع وذلك عبر دراسة أنظمة عيش المجتمعات وينياتها الثقافية والسياسية وكيف يمكن إستغلالها في أغراض غير علمية وغير أخلاقية منافية لما توخاه فيخنر في علم النفس أو أوكست كونت أو دوركايم في علم الاجتماع أو ما تمناه جورج بالانديه في الأنثروبولوجية حيث تم الإنزياح بهذه العلوم إلى أغراض سياسية توسعية ولعل هذا الأمر مستمر إلى يومنا هذا فبعد إستقلال بلدان العالم العربي التي كانت مستعمرة بصيغة شكلية إلى حد ما ظلت الدراسات الاجتماعيه والسلوكية للفرد العربي إلى يومنا هذا مكرسة للتبعية وللإخضاع منقطع النظير لأقطاب الإستعمار الغربي دون أي حاجة لتدخل عسكري أو أي شيء مباشر بفضل الدراسات الإنسانية التي مكنتهم من معرفة جوانب الضعف والعجز.

 

حاجتنا اليوم الحقيقة للنهضة والخروج من براثين التخلف مرتبطة أشد الإرتباط بالعلوم الإنسانية لما تمتلكه من آليات تعين على فهم الواقع وتحديد المشكلات

ولعل الإنزياح الثقافي القيمي الذي نعيشه ويعمل على إخضاع البشرية جمعاء للتاريخية واحدة نتاج لوعي البلدان الغربية بأهمية الأبحاث المتعلقة بالعلوم الإنسانية. فأي أهمية معطاة للعلوم الإنسانية بمجتمعاتنا العربية؟ يتضح لكل ملم وباحث في العلوم الإنسانية بمجتمعاتنا العربية الواقع الذي يعيشه الفرد والوعي المتدني عند فئة عريضة بالمواضيع المقترنة بالعلوم الإنسانية كالفلسفة أو علم الاجتماع أو السياسية أو علم النفس والتاريخ وغيرها من المشارب العلمية الكفيلة بإنتاج أفراد ذوي معرفة رصينة تمكنهم من تدبير جل المشكلات والمستجدات المرتبطة بالتغير الإجتماعي بصفة عامة وبتحقيق الوعي السياسي والمشاركة السياسية الفعالة وكذا معرفة التاريخ العربي الإسلامي الذي من خلاله يمكن إستشراف المستقبل وتحديد الأعداء والوعي بحجم المعركة الأزلية التي يعيشها المسلمين تصديق لقوله تعالى "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن إتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من علم ما لك من الله من ولي أو نصير" سورة البقرة الأية 120 ولعل هذه الأية وحدها كافية لكي نعطي إهتمام كبير للعلوم الإنسانية التي تمكن من معرفة الأخر المختلف ودراسة بناه الثقافية والفكرية والسياسية من أجل القدرة على مجابهته ومحاربته.

 

كذالك هناك فكرة مستفحلة لدى العديد من العرب هي عبارة عن فوبيا الفلسفة بل هي فوبيا مرتبطة بكل العلوم الإنسية ولعل هذا الإشكال ليس وليد الراهن بل هو متجدر في التاريخ منذ قرون وما حدث مع بعض الفرق الكلامية شاهد على قولي هذا ذلك أن بنية العقل العربي لا تتقبل النقد الذاتي أو كل ما يرتبط بالجديد وهذا الأمر الذي يستوجب القطع معه لأننا إنتقلنا من المجتمع الألي إلى المجتمع العضوي هذا الإنتقال الذي يقتضي منا تكييف حياتنا بمجمل مرجعياتها مع ما نعيشه اليوم والوعي كذالك بالحرب الفتاكة التي تخاظ ضمنيا في وضع غير متزن تميل فيه الكفة للأخر الغربي، حرب الثقافة والفكر ذلك أن المعرفة هي السلاح الإستراتيجي الراهن ومن يمتلكها هو الذي يحكم.

 

تتابع لما سبق ذكره يكون على جل البلدان العربية الإهتمام كل الإهتمام بالعلوم الإنسانية من خلال إحداث تخصصات ومعاهد عليا تهتم بالأبحاث السوسيولوجية والتاريخية والسياسية والثقافية.. تشترط مؤهلات للولوج إليها وتشجيع البحث العلمي لهذه العلوم وإيلاء التقدير والاحترام الازمين للباحثين في هذه العلوم لا كما هو قائم حيث نجد تخصصات جامعية لهذه المشارب العلمية في مجتمعاتنا لكن دون فعالية أو إنتاج يعتمد في سن السياسات العامة للدول بل نجدها شعب مهمشة ولا يقتضي التسجيل بها معايير كما هو الحال لكليات الطب والإدارة والتسير وغيرها من العلوم النفعية ومن ثم حاجتنا اليوم الحقيقة للنهضة والخروج من براثين التخلف مرتبطة أشد الإرتباط بالعلوم الإنسانية لما تمتلكه من آليات تعين على فهم الواقع وتحديد المشكلات خصوصاً في ظل التغير الإجتماعي الذي أفرز ظواهر وأنماط حياتية لا تستطيع الفيزياء أو العلوم الطبيعية أو غيرها من العلوم النفعية إيجاد أجوبة شافية لها ولعل هذا الأمر ما تنبأ ودعى له العديد من المفكرين العرب كما قال المرحوم محمد عابد الجابري "الحاجة إلى الفلسفة في زمن الجهل الرسمي" والمهدي المنجرة رحمه الله في كتابه تنين العولمة الذي أوصى بضرورة الإنفتاح على العلوم الإنسانية لكي نعرف ونجابه مخططات التي تتوخى القضاء على النموذج التعددي الإنساني والنموذج العربي الإسلامي على وجه الدقة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة