محمد قسايمه
محمد قسايمه
712

العيش مع مرض مزمن.. عندما تخوننا أجسادنا!

15/4/2019

كنت في العقد الأول من عمري عندما أصابتني ذات مرة وعكة صحية كالتي تصيب الأطفال وتسبب لهم القيء بشكل متكرر، عندها سألت والدي لماذا أتقيأ؟ فأجابني بما يتناسب مع طفل في عمري أن ميكروبات تدخل إلى المعدة فيقوم العقل بإرسال أوامر إليها كي تخرج ما بداخلها، عندها فكرت بكل طفولة أنني لو أمرت عقلي الآن أن يرسل إلى المعدة أن تتوقف عن ذلك سينتهي كل شيء وسأضع حداً لهذا القيء المزعج.

فعلت ولكن شيئاً لم يحدث، أمرت عقلي مراراً وتكراراً وحاولت جاهداً كي أحثه على ممارسة سلطته على جسدي، لكن كان من الواضح أن لا سلطة لي أنا على عقلي، شعرت وقتها بالدهشة والاستغراب ولم أفهم الأمر، فكيف لا أكون قادراً على التحكم بجسدي وهو لي، ظننت أنني عندما أكبر سأفهم ذلك، أمّا وقد كبرت وشاءت الأقدار أن أصبح طبيباً فإذ بالدهشة قد كبرت هي أيضا واتسع السؤال وتعمّقت الحيرة وأصبحت ذات ملامح وتضمينات وآفاق أوسع، فأراني اليوم أقف أمام هذه المفارقة مشدوها عاجزاً عن التفسير أكثر من أي وقت مضى.

إنك رسولٌ بشكل ما بُعث مبشراً للإنسانية وأن ليست هذه الأجساد التي نلبسها سوى خِرقاً بالية لا تلبث أن تمرض وتتداعى وتتهالك ومن ثم تموت وأن الأمر كل الأمر للروح

ولا أقول كيف يمكن أن نتقبل الأمراض التي تصيبنا بل كيف يمكن أن نفهم الأمراض التي تصيبنا؟كيف يمكن أن نستوعب أن يحدث ذلك؟ أما كفانا كل هذا الخذلان والانهزام والسحق الذي يأتينا من الخارج؟ أما كفانا كل هذه المصائب والأحزان والآلام التي يلحقها بنا كل شيء، أن تشعر بالغيرية والانفصال عن العالم وبالتالي الوقوف محارباً له أمر مفهوم، أن تصحو كل يوم كي تبدأ السجالات والحروب والكر والفر مع العالم أمر مفهوم، أمّا أن تكون حربك منك وفيك، أن تكون أنت بكيانك الضئيل طرفيّ نزاع لحرب يومية تثور فيك، أن تصحو على جسد متمرد ضرب بعرض الحائط كل آمالك وطموحاتك وأحلامك وأمسك بروحك بينما كانت تحاول أن تحلّق في الملكوت فباغتها وأقعدها وكبّل يديها وعصب عينيها وألجم فمها فتركها تتلوّى وتتأوه وتئن وتحمل وزر جسد عاق، أن تأتيك الخيانة منك فهذا أمر غير مفهوم.

ليس في ذلك إلا دعوة للتوقف والتأمل في حقيقة الثنائية القائمة بيننا وبين أجسادنا، فيبدو أن الإنسان منفصل إلى حد كبير عن جسده، فكم من أولئك الذين كانت الحياة تتلاطم في داخلهم لشدة قوتها وصخبها ماتوا فجأة لعارض صحّي أصاب أجسادهم، كم من قوي العزيمة عالي الهمة كان يمتكلك جسداً ضعيفاً متهالك، ليس ذلك إلا دعوة أن لا نعوّل على أجسادنا بجدية، فهي ليست الصورة الكاملة أو الحقيقية عنا ولا هي حتى انعكاس أو امتداد لنا، إنها صورة مفارقة مركبة بطريقة مجهولة ندعي باطلاً أننا نفهمها، يبدو أننا في وقوفنا أمام المرآة نرى شيئاً آخر سوانا، فأجسادنا هذه لا تشبهنا.

إن الخطوة الأولى في تقبل فكرة أن يكون لديك مرض مزمن هي الرفض، فليس أنت المريض بل جسدك وليس أنت الضعيف بل جسدك وليس أنت المهزوم بل جسدك وفي ذلك فرق، وقد لا يكون ذلك إلا فرصة سانحة وهبك إياها القدر فحيثما وضِع الجسد ارتفعت الروح، إنك رسولٌ بشكل ما بُعث مبشراً للإنسانية وأن ليست هذه الأجساد التي نلبسها سوى خِرقاً بالية لا تلبث أن تمرض وتتداعى وتتهالك ومن ثم تموت وأن الأمر كل الأمر للروح.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة