د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.3 k

عبثية أحكام الإعدام في قضايا السياسة

15/4/2019

يعرفُ القُراء أن الرئيس أنور السادات ومعه مجموعة من الشّباب الوطنيين المُتحمّسين قتلوا الوزير الوفدي أمين عثمان باشا ولم يُنكروا هذا القتل، بل اعترفوا به واعتبروه بمثابة فخر لهم، وكان الوفد ذا أغلبية كاسحة، كما كان ذا نفوذ واسع في السلطة وفي قلوب الجماهير على حد سواء، وكان إعلام الوفد قويا كما كانت عقيدة الشعب المصري تجاهه راسخة تُقر بسلامة مواقفه وصحّتها، ومع هذا النفوذ والقوّة والقُدرة والحق فإن عهد الوفد لم يُعدم أحدا من قاتلي أمين عثمان الذين قتَلوه بكل وضوح وكانوا مسئولين عن هذا القتل بلا أي شُبهة أو لُبس، وكان أمين عثمان باشا عزيزا على الوفد فقد كان من زعاماته الفنية المُتخصّصة، كما كان من عناصر نجاح سياسة الوفد الخارجية والتفاوضية، وكان وزيراً للمالية وهو منصب يُعادل منصب الرجل الثالث أو الرابع في هيكل الوفد، مع هذا كلّه فإن قَتلة أمين عثمان لم يتعرّضوا للإعدام بأي طريقة ولا في أي مرحلة ولم يكونوا مَحلّ انتقامِ الوفد ولا غدره ولا ثأره بل إن أحدهم أصبح في غُضون سنوات معدودات وزيراً ثم أصبح هو نفسه رئيس الجمهورية والبطل القومي لمصر، وهكذا أثبت الوفد من دون تخطيط ولا مَنٍّ أنه أكبر بكثير وأنه أكبر حتى من الأخطاء القاتلة من قبيل ذلك الخطأ في التقدير الذي أودى بحياة أمين عثمان باشا.

 

نَعود سنوات طويلة إلى الوراء لنُشاهد حادث الاعتداء على سعد زغلول باشا في محطة مصر وهو رئيس للوزراء ونجد القاتل وقد أُحيط به وقُبض عليه، واعترف بالحقيقة، وبمن دفعه، وبمن وعده ومع هذا كلّه فإن الوفد الذي هو وعاء الوطنية لم يجد أنّ من المُناسب أن يُعاقب هذا المُعتدي بمثل ما عوقب بِه من فكّروا في الاعتداء على رجال ثورة يوليو 1952 والذين وصل الحال بهم إلى حبل المشنقة لمُجرّد التفكير في أن يغتالوا هذا او ذاك من زُعماء ثورة 1952، وهكذا كانت ثورة 1952 تُعاقب حتى على النوايا بما يجعلها أقرب إلى محاكم التفتيش على حين كان الوفد قبل هذا لا يُعاقب حتى على التورّط الصريح الواضح.

 

من المُذهل أن الرئيس جمال عبد الناصر وأنور السادات شاركا في بعض مُحاولات هذا الاغتيال ووردت أسمائهم في القائمة التي خلص إليها المُحقّقون

بل إن رؤساء الوزارات الإدارية ووزراء الأقلية الذين كانوا من غير رجال الوفد تعرّضوا لمُحاولات اغتيال حقيقية لكن النظام القضائي والسياسي المصري لم يجد ما يدفعه إلى إعدام المُتورّطين في هذه المحاولات على الرغم من اعترافهم الذي وصل في بعض الأحيان إلى اعترافات تفصيلية، وهكذا كان يوسف وهبة باشا يلتقي في مجلس الشيوخ أو في مجلس النُواب بالرجل الفدائي العظيم عريان يوسف سعد الذي اقترح على زملائه الثوار أن يقوم هو وليس غيرُه بمُحاولة اغتيال يوسف وهبة باشا أو ترويعه لأنهما قبطيان، حتى إذا ما قتل رئيس الوزراء في هذه المحاولة فإن الغرب يجد نفسه أمام شاب قبطي قَتل رئيس وزراء قِبطيا فلا يُكرّر ما فعله في مقتل بطرس غالي حين صمم أصحاب النفوذ على إعدام الورداني في مقابل بطرس غالي على الرغم من أن الرصاص لم يقتل بطرس غالي وإنما قتلته العملية الجراحية.

 

ومع هذا فإن حادثة قَتل بطرس غالي اشتملت على موقف من أروع المواقف في تاريخ القضاء والحركة الوطنية على حد سواء ذلك أن مسار التحقيق كان يستدعي أن يكون حافظ عفيفي باشا (وزير الخارجية فيما بعد) مُتهما من المتهمين الأوائل في قتل بطرس غالي باشا و ذلك بسبب صداقته للدكتور الورداني ولقاءاته المُكثفة معه في الأيام القليلة التي سبقت إطلاق النار على بطرس غالي باشا ثم مصرعِه، ومع هذا فإن عبد الخالق ثروت باشا النائب العام تعمّد أن يُنجي حافظ عفيفي باشا والآخرين من أن يدخلوا في قائمة الاتهام مع الورداني، لكن أحد المواطنين ممن نُسمّيهم الآن من باب السخرية بالمواطنين الشرفاء صمّم على أن يضع النيابة أمام الامر الواقع، فأبلغ عن شكوكه في حافظ عفيفي وقدّم القرائن، وتقدّم بنفسه للتبليغ دون أن ينسب الأمر إلى أمور علِمها أو سمِعها، وصمّم على اتهامه بحيث لم يكُن أمام النائب العام عبد الخالق تروث باشا بُدّ من أن يفتح التحقيق حول حافظ عفيفي باشا وأن يستدعيه للسؤال والتحقيق، بل وأن يتولّى التحقيق بنفسه، وقد فعل عبد الخالق تروث كل هذا مع روح الإنصاف الحريصة على الحفاظ على حافظ عفيفي بعيدا عن الاتهام ونجح في هذا المسعى على نحو شهد بعدالته و وطنيته معاً، ولم يتسرّع في الإكثار من المُتهمين بلا داع ولا في ترويع الشباب الوطني بما لا ينبغي أن يُروّع به هذا الشباب الوطني وشاء القدر بعد هذا أن يكون حافظ عفيفي نفسه وزيرا للخارجية في وزارة عبد الخالق تروث باشا الثانية (1927 ـ 1928) ومن الطريف أن ثروت باشا كان أيضا وزيراً للخارجية وأن القتيل بطرس غالي كان أيضا وزيراً للخارجية هكذا فإننا أمام وزير خارجية يُنجّي وزير خارجية من الاتهام بقتل وزير خارجية.

 

كثيرة هي الأمثلة التي تُبيّنُ لنا أن الوفد بزعامة النحاس لم ينزلق في أيّة مرة من مرات الاغتيال التي استهدفت النحاس باشا إلى البحث عمّن يُعدمُه لتأديب الشباب الوطني، بل إن من المُذهل أن الرئيس جمال عبد الناصر وأنور السادات شاركا في بعض مُحاولات هذا الاغتيال ووردت أسمائهم في القائمة التي خلص إليها المُحقّقون. قارن هذه المواقف بمواقف العسكر في حالات إعدام لم تكن تستدعي أكثر من الإنذار أو التنبيه بدءا من حالة خميس والبقري اللذين تظاهرا فحسب.

 

أما قصة إبراهيم عبد الهادي باشا الذي حكمت عليه ثورة 1952 بالإعدام فتمثّل مأساة خُلقية يَنذر وجودها في التاريخ ، فقد كان السبب الحقيقي للتعسف مع هذا الرجل أنه وهو رئيس الوزراء ووزير للداخلية استدعى الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه والتقاه ليُنجّيه من ان يندرج اسمه في لوائح الاتهام التي كانت مُعدّة لاستئصال الاخوان المسلمين، وبالفعل نجا عبد الناصر بل ودخل إلى دورة المياه المُلحقة بمكتب رئيس الوزراء فتخلّص من الورق الدالّ على زملائه في الإخوان الذي كان بطبعه الذي عرف عنه بعد ذلك سيُبلّغ عنهم لينجو بنفسه كشاهد ملك، فإذا برئيس الوزراء الوطني يُنجّيه من دون أن يشبهه أو يلوّث ملفه، وينهي قضيته من دون أن يتهمه، وهو سلوك بلغ الغاية في النُبل لكنّه في لغة العسكريين سلوك يستحق الحكم بالإعدام وهو ما حدث بالفعل حين قرر المتهم الذي جُومِل أن يُعدم من جَاملُه لكيلا يكون هناك وجود لصاحب فضل عليه، وهو خُلق عَسكري معروف. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة