الدينوفوبيا.. حرب الأيدولوجيات

2/4/2019

لا يمكن أن يكون الدين بتعاليمه وغايته إرهابياً، كما من غير المعقول أن ينشأ الدين على حب السلطة وتقديم المصلحة الفردية ونشر القتل لاغتيال كل المعيقات أمام السلطة، وإلا لما لامست الأديان قلوب وعقول من آمن بها، وذلك بالطبع مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجة الفطرية لدى الإنسان إلى إله يعبده وذلك ما جعل المجتمعات الأولى تعبد الحجارة والقمر والشمس بحسب ما تجمع عليه العلوم الإنسانية إلى أن نزلت الأديان السماوية. يبدو ذلك للوهلة الأولى أمراً بديهياً جداً وعلى الأغلب هذا ما يتفق عليه نظرياً على أقل تقدير معظم الأشخاص ومن مختلف الأديان والمعتقدات. ورغم هذه البديهية، تُسمى اليوم بعض الجماعات السياسية بالإرهابية لانتسابها إلى دين معين، ويقتل ويُختطف باسم الدين المئات، وفي المقابل يُباد الآلاف لانتمائهم لأديانهم، كل ذلك الموت أصبح الوجه العام الظاهر للدين عند عدد كبير من الناس لا يمكن الاستهانة به أو تجاهله.

 

إن تلك النظرة العنصرية والمتطرفة مرتبطة بعلاقتها مع الآخر وهي ليست وليدة الحاضر وتحمل في داخلها ما يجعلها صالحة للولادة من جديد في أي زمن قادم، لأنها تستند إلى جذور تاريخية ممزوجة بالدين والسلطة والسياسة وحرب الأيدولوجيات، حرب متجددة الأطراف والمسميات ولكنها ليست إلا امتدادا زمانياً وثقافياً وفكرياً للماضي، وهي أيضاً حرب تقاذف مسؤولية الموت والإجرام، فكل طرف يرى الطرف الآخر المسبب للموت والعداء بينما يرى نفسه المدافع والحامي للمصلحة العامة والأرض، والثروات والدين واللغة. فأضحى الدين سلطة وليست إيماناً روحانياً، وأصبح الآخر الذي يؤمن بعقيدة مختلفة إنسان مختلف متناسين تشارك الإنسان من أي دين ولون وجغرافيا؛ بالهواء والمشاعر والاحتياجات وبالإنسانية حين نرتقي لنمارسها.

 

لا شك بأن الدين المسيَّس أصبح أداة لخدمة الدولة ولعله يتعدى ذلك ليصبح تجارة، كيف لا ونحن نقرأ تصريحاً لوزير الخارجية الأمريكي إن "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يكون هدية من الرب لإنقاذ اليهود"

كثيراً ما تم تناول الإسلام عبر كتب المستشرقين وحتى بعض الباحثين العرب على أنه دين نُشر بالقوة وامتد من خلال الغزوات الإسلامية، وتستند الكثير من رسائل الكراهية والعدوانية اليوم على تلك النظريات، ولا نجد من يبث الكراهية للغرب بسبب حروب الاسترداد في إسبانيا التي انتهت بسقوط غرناطة وإجبار اليهود والمسلمين على اعتناق المسيحية أو القتل، وطمس اللغة العربية بإصرار عجيب حتى أن عقوبة من كان يحتفظ بالقرآن الكريم أو بأي كتاب باللغة العربية، الموت حرقاً في الساحات العامة. وكذلك الأمر بالنسبة للحروب الصليبية التي اتخذت شكلاً ورمزاً ومبرراً دينياً لحروبها، رغم أن الدراسات تتناول الأسباب الحقيقية وراء الحملات الصليبية على أنها اقتصادية بالدرجة الأولى، ولا يمكن أن يكون الدين بجوهره دافعاً للحرب.

 

يبدو العداء للغير حالة نحملها في داخلنا وتظهر حين تجد بيئة تناسبها، فتقبُّل الغير فن لا يمكن أن يتقنه الجميع ولا يؤمن به إلا قلة، الإسلاموفوبيا على سبيل المثال ظاهرة خلقها الإعلام بكل سهولة وصدقها الملايين، واعتمد الإعلام على بعض المهاجرين المسلمين نحو الغرب لنشر الكراهية اتجاه المسلمين وعلى صور غير دقيقة ومشوهة عن المرأة المسلمة وكذلك الرجل المسلم وعلى أسباب  سياسية أخرى لا تحصى، واتخذوا صورة نمطية غير عادلة أصبحت عامة حتى في البلاد الإسلامية ذاتها، ومن المفارقات أنه بحسب الإسلاموفوبيا يُنظر للإسلام باعتباره دين متحجِّر وثابت ولا يتجاوب مع التغيُّرات مع أن المسلمين يؤمنون بكون الإسلام دين مرن ويصلح لكن زمان ومكان. وكأن الأمر لا يتعدى كونه إلى ماذا تنتمي ومن هو الآخر بالنسبة إليك.

 

مفهوم واحد لو بإمكانه أن يأخذ مكانته التي يستحقها لكان العالم بألف خير "الإنسانية"، لكن الإنسانية لم تستطع يوماً أن تسيِّر الإنسان وتتملكه، ذلك ما سلّط أضواء الإعلام على موقف  رئيسة وزراء نيوزيلندا الإنساني من الهجوم الذي أودى بأرواح مسلمين أثناء صلاتهم الذي كان نادراً وغير مألوف، وتناوله الإعلام العربي والمسلم قبل الغربي بتقدير كبير لندرته حتى وصل الأمر للمطالبة بمنحها جائزة نوبل للسلام، ورغم كل فضائلها الإنسانية لم يتناول إعلام دولتها فعل القاتل على أنه عمل إرهابي لأن الإرهاب وسم مرتبط بالإسلام، ونُشرت مبررات المجرم كما أعلنها هو بنفسه.

 

لا شك بأن الدين المسيَّس أصبح أداة لخدمة الدولة ولعله يتعدى ذلك ليصبح تجارة، كيف لا ونحن نقرأ تصريحاً لوزير الخارجية الأمريكي إن "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يكون هدية من الرب لإنقاذ اليهود" ويضيف بأن "إيمانه يجعله يصدق ذلك". لعلّ ذلك ما دفع ميكافيللي لأن يكتب "انتصر جميع الأنبياء غير العزل بينما هلك الأنبياء العزل".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة