سري سمور
سري سمور
1.3 k

عندما خرج الشيخ أحمد ياسين في الوقت المناسب

23/4/2019

حالة الهوس الأمني التي أصابت تنظيم حماس داخل السجون الإسرائيلية أواسط تسعينيات القرن الماضي، سببت لها مشكلة كبيرة؛ ففي وقت علاقتها بالسلطة في الخارج يشوبها التوتر، وفي وقت اشتدت ملاحقات الاحتلال للحركة بسبب نشاطها العسكري، لم يتصرف مسؤولو الأمن في السجون والمعتقلات بحكمة، وإذا كان كشف بعض العملاء والجواسيس هو إنجاز، فإن الخسائر التي لحقت بحماس وحاضنتها الشعبية أكبر بكثير من ذلك الإنجاز.

 

فعلى إثر كشف بعض الخلايا من قبل مخابرات الاحتلال تبين أن هناك عناصر أو حتى كوادر في الحركة تم تجنيدهم بطريقة أو بأخرى واخترقوا أجسام الحركة المختلفة بما فيها العسكرية منها، ولذا شرع عناصر الأمن في السجون ممن ليس لديهم خبرة سابقة في هذه الأمور بإجراء تحقيقات مع مشتبهين واستخدموا أساليب تعذيب شديدة؛ كإجبار المشتبه على الوقوف على علب معلبات معدنية فارغة، أو الكي بالسجائر، أو الوخز بالإبر تحت الأظافر، وهذا بالطبع كفيل بدفع أبرياء للاعتراف بأنهم جواسيس.

 

إجمالا أحدثت تلك الممارسات، وقد تبين أنه حتى من يعملون في أمن حماس في السجون ليسوا أنقياء من الاختراق أيضا، أحدثت حالة من النفور عند العديد من العناصر، وما زالت آثارها حتى الآن عند بعضهم، وتسببت بأزمات عائلية، واهتزت ثقة فئة لا يستهان بها من مناصري حماس بها، وهو ما دفع أحد قيادات حماس (أظنه د. محمود الزهار) إلى توجيه نداء بوقف هذه الممارسات والاستجوابات، ولكن الرد من المسئولين في السجون كان يعبر عن حالة تمرد مردها الهوس الأمني، وهو (أهل مكة أدرى بشعابها!)... كان الشيخ أحمد ياسين في السجن ولكنه في ظروف سجنه لم تكن له علاقة بهذه الممارسات، اللهم إلا استثناء مكان سجنه من الهوس الأمني!

 

العمليات الاستشهادية.. رعب إسرائيل
نفذت حماس عدة عمليات خطف جنود إسرائيليين بهدف مبادلتهم بأسرى على رأسهم الشيخ أحمد ياسين وقد ذكرت في مقال سابق إحدى تلك العمليات، ولكن لم يكتب النجاح لإجراء عمليات التبادل، وكان مصير الجنود المأسورين القتل

برأيي أن العمليات الاستشهادية التي شرعت حماس في تنفيذها وتبعها الجهاد الإسلامي كانت تشكل هوسا ورعبا لإسرائيل؛ فقد جندت أجهزة أمنها واستنفرتها، مع أجهزة إعلامها تسندها أخرى غربية، لبحث العوامل العقدية والنفسية والاجتماعية، التي تدفع فلسطينيين إلى تفجير أنفسهم لقتل أكبر عدد من الجنود والمستوطنين، وإضافة إلى الضغط الأمني والتشويه الإعلامي، تجندت جهات غربية عدة، لحوار حركة حماس وتقديم بعض الإغراءات لها، ولكن كان من صلب مطالب حماس الإفراج عن المعتقلين وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين، وهو أمر ترفضه إسرائيل التي تريد من حماس وقف هذه العمليات من (منطلق إنساني) دون تقديم أي بادرة كعادة الاحتلال.

 

شمعة يزور الشيخ في سجنه

ومع تراكم أزمات حماس الداخلية وتأزم وضعها على شتى الصعد، مع بقاء سلاح الاستشهاديين المرعب بيدها، تم ترتيب زيارة لأحد قادة الصف الأول المؤسس للحركة وهو (محمد حسن شمعة-أبو حسن) والذي سيتبين بعيد وفاته في 2011 أنه يرأس مجلس شورى الحركة، للشيخ أحمد ياسين في سجنه برفقة وزير الأسرى السابق في السلطة الفلسطينية، وقد تم بحث عدة أمور وفق شهادة أبو حسن منها المسألة الساخنة وهي ما يجري من عمليات تحقيق واستجواب عنيفة في السجون، وقد كان موقف الشيخ الحكيم -كعادته طيلة عمره- هي رفض واستنكار هذه الممارسات وبخصوص العمليات الاستشهادية جرى التأكيد على الموقف المعروف بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة بشتى الوسائل، ولكن التوقيت والأسلوب يخضع للظرف الموضوعي، أي فعليا ترك الشيخ قرار هذه المسألة للعاملين في الميدان بالتنسيق مع القادة السياسيين خارج السجون وخارج فلسطين بطبيعة الحال، وجرى التأكيد على ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية وعدم تصعيد أو توتير العلاقات مع السلطة.

 

هنا يبرز من جديد دور الشيخ وأهميته، فمع أنه منذ اعتقاله جرى ترتيب وضع التنظيم داخليا وخارجيا أكثر من مرة ولكن عند الأزمات كان الشيخ بمثابة الدينمو أو الوقود المسيّر لأي توليفة سياسية، وبرأيي أن وقف الممارسات في السجون في تلك الفترة منع انهيارا كاملا لحماس كانت الممارسات كفيلة به لو استمرت، والشيخ كانت له كلمة مسموعة أكثر من الآخرين الذين طالبوا بموقف الاستجوابات.

 

إفراج في ظرف دراماتيكي

نفذت حماس عدة عمليات خطف جنود إسرائيليين بهدف مبادلتهم بأسرى على رأسهم الشيخ أحمد ياسين وقد ذكرت في مقال سابق إحدى تلك العمليات، ولكن لم يكتب النجاح لإجراء عمليات التبادل، وكان مصير الجنود المأسورين القتل، ففي عرف العقل الأمني الإسرائيلي، لا يجوز المساومة على أسرى داخل نطاق سيطرتها الأمنية الكاملة.

 

وكان الأردن قد وقع اتفاق وادي عربة، وجرى تبادل سفراء، وظهر وكأن الصراع قد انتهى، ودخلت ما تعرف بثقافة السلام إلى الجو السياسي والإعلامي، على اعتبار أن الاتفاقيات كفيلة-من وجهة نظر بعض العرب- بتغيير العقلية الصهيونية التوسعية العدوانية.

 

وقد سمح للإسرائيليين بالتحرك بحرية داخل الأردن، ولكن كعادتهم، لم يحترموا ولم يقدروا الدولة التي وقعوا معها اتفاقا للسلام؛ فحاول عناصر من الموساد اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس المقيم في العاصمة الأردنية عمان (خالد مشعل) بحقنه بمادة سامة! هذه الجريمة غيرت الجو الذي ساد منذ وادي عربة تقريبا، فقد تدخل الملك حسين، وتم الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين ونقله فور خروجه من السجن إلى أحد مشافي الأردن، حيث كان في استقباله الملك حسين شخصيا، وتبعه الرئيس عرفات: -

 

 

ومن جديد، وكما في مرات سابقة، يكون الشيخ محورا مركزيا في صانعة الأحداث وكتابة تاريخ المنطقة الحديث؛ فخروجه جاء بعد فضيحة صهيونية؛ تمثلت بفشل وحدة مختارة من الموساد في تنفيذ مهمتها القذرة، واضطرار نتنياهو (كان رئيس وزراء منتخب مباشرة) للإفراج عن الشيخ أحمد ياسين لاسترداد العنصرين المتورطين من وحدة (كيدون) من الأردن، مع اعتذار وتعهد بعدم العمل فوق الأراضي الأردنية.

 

الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين (الأول من تشرين أول/أكتوبر 1997) جاء في وقت مناسب كي ترتب حركته أمورها وتلملم أوراقها وتتخلص من مظاهر التشتت والانقسامات والاختلافات الكبيرة، وكي يتعرف العالم عموما والعربي والإسلامي خصوصا من جديد على الحركة، ولكن هذه المرة من خلال شيخها ومؤسسها وما له من رمزية ومكانة خاصة واحترام نظرا لحالته.

 

ونلحظ أنه لو لم يفرج عن الشيخ في صفقة التبادل مع ج.ش.ق.ع في 1985 لكان موعد خروجه من حكم 13 عاما هو ذلك الموعد، أي 1997. وقد ظهر الشيخ بعيد إطلاق سراحه بأنه رجل يتمتع بثقافة سياسية ووعي وحكمة، حتى بعض المعلقين الإسرائيليين تنبهوا إلى ذلك. على كل سأتحدث أكثر عن مرحلة ما بعد الإفراج عن الشيخ وانعكاساتها على حركته وعلى القضية حتى استشهاده في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة