منطق القوة.. بين نيتشه و"Game of Thrones"

23/4/2019

"إنهم جميعا يريدون الاقتراب من العرش: إنه جنونهم"
-نيتشه


لعبة العروش، المسلسل التلفزيوني الشهير الذي توج نفسه كظاهرة تلفزيونية، لم يعد بحاجة لأي تقديم بعد الأن فقد بدأ موسمه الثامن، هذا المسلسل وبالرغم من كون أحداثه تقع في عالم منافي للمنطق وتتشكل أحداثه في قالب الفانتازيا والخيال إلا أنه يشكل مدخلا مهما لفهم نظريات الفيلسوف الألماني نيتشه حول مفهوم إرادة القوة. في المسلسل، استطاع المؤلفون -وعلى رأسهم المؤسس الفعلي لظاهرة لعبة العروش الكاتب جورج. ر مارتن- خلق حياة خاصة لكل شخصية من شخصيات المسلسل تنفرد كل واحدة عن الأخرى وتجتمع في حب الوصول لهدفها والرغبة في الافلات من العقاب في عالم لا يمكن فيه العثور على الأمان إلا عبر القوة، وهكذا في جميع أنحاء قارات لعبة العروش، يحاول كل من ستارك ولانستر وبارثيون وتاغارين الوصول للعرش بهدف تأمين حياة عائلاتهم وممالكهم. وعلى الرغم من الدم والجثث الميتة والاغتصابات والدم مرة أخرى، يبقى صراع العروش وسيلة جيدة لفهم وإدراك آليات منطق القوة التي يصفها نيتشه في أعماله.

فلسفة القوة عند نيتشه

"أن أحيا كما أريد، أو لا أحيا مطلقا"
-نيتشه


ينبني فكر نيتشه على مفهوم القوة بمختلف تجلياتها، سواء كانت عسكرية أو جسدية أو سياسية، لكن القوة الأساسية لفكر نيتشه هي القوة التي يرتكز عليها الفرد ليؤسس القيم التي يتبعها في حياته، والتي يطلق عليها نيتشه اسم "إعادة تقييم القيم"، ليكون للإنسان قيم جديدة مغايرة للقيم التي تحكم محيطه العائلي أو التي تلقنها من النظام التعليمي والديني، وفي الطريق لكي يصبح الفرد "الرجل السوبيرمان" يجب عليه التعالي على القواعد الأخلاقية والقانونية التي تضبط سلوك الإنسان وتقيده. يقول نيتشه على لسان زرادشت في كتابه "هكذا تكلم زرادشت": "ويا أسفاه، فإن كل من يتكهن ما هي إرادتي، يجب أن يتكهن أيضا على أي طرق ملتوية، ينبغي أن تسير هذه الإرادة، وأيا كان الشيء الذي أخلقه، ومهما يكون حبي له كبيرا، فسرعان ما سأنقلب ضد حبي له، هكذا تبتغي إرادتي".

دهس الأخلاق لا يتوقف عند هذا الحد في عالم الممالك، فالتضحية بالآخرين من أجل تقوية النفود شيء مباح في لعبة العروش، لتفوز بمعركة يجب أن تضحي بأفراد من دمك الخاص

في القولة دلالة على اكتشاف نيتشه أن إرادة القوة ليست مجرد خاصية من خصائص الحياة فقط بل هي ماهية الحياة وجوهرها، فالحياة هي إرادة القوة التي تتفوق على نفسها باستمرار، وفي كتابه "جينالوجيا الأخلاق" يسترسل في الحديث عن إرادة القوة ويقدم فكره حول نقد النظام الأخلاقي الحديث على حساب القيم الأخلاقية الأوروبية التي سماها قيم العبيد والضعفاء. يرى نيتشه أن الغريزة مصدر قوة الإنسان التي تمنحه السرور والنشوة والقوة، وهي التي تحرك الإنسان سواء كان ذلك من خلال فعل الفرد القوي أو الفرد الضعيف، إن الغريزة هي العلة الأولى والأخيرة لأي حدث. وبالعودة لقاراتي ويستروس وإيسوس، ففي لعبة العروش، إما أن تفوز وإما أن تموت.

في لعبة العروش ..يكشر الخير عن أنيابه

"يوجد داخل كل رجل وحش، ويظهر هذا الوحش عندما يمتلك الرجل سيف"، جوراه مورمونت، الموسم الثالث الحلقة الثالثة. في لحظات الصراع المحتدم بين الممالك، يفشل الحق في حماية نفسه من الشر ولا تقوى مثاليته وأخلاقه على مقاومة الدم والمعارك، فيبقى الحل إذن التعالي عن منظومة الأخلاق ومجابهة الدم بالدم واتباع غريزة البقاء من أجل تلبية الحاجة المستمرة للقوة وذلك عبر اتباع استراتيجيات خبيثة وماكرة، هذا العطش للقوة والسلطة يتعاظم لدرجة جعل بعض الشخصيات تواجه قوة الدين.

دهس الأخلاق لا يتوقف عند هذا الحد في عالم الممالك، فالتضحية بالآخرين من أجل تقوية النفود شيء مباح في لعبة العروش، لتفوز بمعركة يجب أن تضحي بأفراد من دمك الخاص، لا يمكن للحياة أن تظهر في مكان دون أن تُسلب في مكان آخر، كأننا لا نستطيع خلق الحياة إنما يمكننا تمريرها من كائن لآخر، بهذه الطريقة أُعيد إحياء التناين الثلاثة واُنقدت اريا ستارك من تايون لانستر وقتل ستانيس ابنته حرقا كي يربح معركته في وينترفيل. 

فلنأخد مثلا شخصية "اريا ستارك" التي تجسد مثالا جيدا لإرادة القوة عند نيتشه، اريا أميرة الانتقام والتي تملك لائحة سوداء للموضوعين على طاولة انتقامها لأسرتها، تجاوزت أخلاق طفولتها وبراءتها وتقوت بإرادة الانتقام وهي تأكل لحم بعض قتلة أخيها، أما محبوب المتتبعين القزم "تيرون لانستر" فلم يتردد في قتل ابيه والفرار لمعسكر أعداء عائلته. قد يتساءل البعض عن الحلول التي يعطيها نيتشه كبديل للقيم الأخلاقية، لكن  نيتشه لا يقدم أي بديل واضح للقيم المعتادة بل يوصي بحب المرء لقدره ويسميه amor fati وهو ببساطة حب المرء الكامل للحياة والصراع من أجل البقاء، تماما كجيمي لانستر قاتل الملك.

نيتشه وجيمي لانستر.. هناك حاجة للأسد

"بأي حق يُحاكم الذئب الأسد"
-جيمي لانستر

"أذكر لكم ثلاث تحولات للعقل: كيف يتحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية"
-نيتشه


ينتمي جيمي لانستر لنوعية البشر القابعين في اللون الرمادي، فيصعب تصنيفه في خانة الشر أو الخير، ويبدو أن الكاتب جورج مارتن شخص لنا جيمي لانستر على ضوء فكرة الإنسان الأعلى لنيتشه في الطريق نحو "الإنسان السوبيرمان" عند نيتشه، يخضع العقل لثلاث مراحل، أولها مرحلة الجمل وفيها "يفتش العقل السليم عن أثقل الأحمال، فينيخ كالجمل ظهره متوقعا رفع خير حمل إليه". ويقول نيتشه: "إن العقل السليم ينادي الأبطال قائلا: أي حمل هو الأثقل لأرفعه فتغتبط به قوتي؟ أفليس أثقل الأحمال هو في الانصياع لإنزال العذاب بالغرور؟ أفليس أثقلها أن يبدي الإنسان اختلالا لتظهر حكمته جنونا؟".



ترتكز غالبية حياة جيمي لانستر حول القوة والواجب، والرغبة في السيطرة وعشق القوة والتحدي، 
وفي التحول الثاني عند نيتشه، لكي يصبح الجمل أسدا، عليه انتزاع الحرية في الصحراء "ومن أجل النصر، يريد الاشتباك مع أعظم تنين، ما هو هذا التنين الذي لم يعد يرغب فيه العقل سيدا وإلها؟.. يقول التنين الأكبر "ينبغي عليك".. لكن عقل الأسد يقول: "أريد". هنا نتوقف أمام أهم خطوات الارتقاء لسوبيرمان نيتشه، الخطوة نحو العدمية ودحض فكرة الدين، بالإسقاط على جيمي لانستر.. نجده رجلا لا يؤمن بشيء، مستعد لرمي طفل من نافذة لسلامة عائلته، يقتل أحد أفراد عائلته من أجل سلامته الشخصية، بالنسبة لنيتشه تعتبر العدمية خطوة مهمة في سلم الارتقاء للإنسان الأعلى، لكنها مجرد طريق لإيجاد قيم جديدة.

وينتقل نيتشه للتحول الأخير، أي من الأسد للطفل ويقول: "لِماذا ينبغي على الأسد أن يتحول لطفل؟الطفل براءة ونسيان.. دولاب يدفع نفسه، "نعم"مقدسة"، فالمرحلة الأخيرة للعقل هي العقل المريد الذي يزيح التنين والمقدسات الموروثة عن معادلته في سبيل أن يصنع طريقه الخاصة. مع توالي المواسم نجد أن جيمي تجرع الذل والعذاب والعناء على يد أعداءه، اعتقل واهين وقطعت يده، وتجلى نبله في اعترافه بما حدث مع الملك الذي قتله، حكى لنا جيمي في بركة الاستحمام وقائع الحادث وافصح عن كرهه للقب قاتل الملك قائلا "جيمي.. اسمي جيمي!". من هذه اللحظة يبدأ جيمي مهمة السيطرة عبر خلقه اخلاقا خاصة، سواء عبر انقاذ بريين أو تحرير تيرون أو التوصل لحل سلمي للنزاعات، فقد بدأ جيمي المنبوذ في خلق عالم جديد، ويبدو أن شخصية جيمي لانستر هي الأكثر حبكة وصياغة في عالم لعبة العروش.

الفلسفة النفعية في لعبة العروش

في حلقة "الزفاف الأحمر"، تمرد المؤلف جورج مارتن عن قالب التأليف القائم على أن الأبطال يصلون لنهاية القصة بسلام أو على الأقل يكمل عنهم شخص ما رحلة البطل، هذه الحلقة فرضت نفسها كواحدة من أبشع الحلقات في تاريخ التلفزيون، اللورد والدر في هذه الحلقة استقبل ال ستارك رغم الخلاف بينهما، لكن حصلت المأساة وانطلقت موسيقى الأزمات the rains of castamere التي تنذر بوقوع شيء بشع، فوقعت المذبحة..

لكن من نظرة مغايرة، هذه المجزرة تبرر فلسفيا وأخلاقيا حسب الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بينثام مؤسس الفلسفة النفعية، ويقصد بها أن المنفعة الكبرى لأكبر عدد من الناس أهم من تداعياتها، حيت يبرر تلطيخ اليد بالدماء إن كان للفعل نفع كبير. في الزفاف الأحمر، روب ستارك كان يريد الانتقام لأبيه نيد ستارك، فقال له تايون: "أيهما أفضل؟ أن أقتل مئات الآلاف في المعركة أم أقتل حفنة أناس في حفل زفاف وأتجنب مقتل مئات الآلاف". وهذه روح الفلسفة النفعية التي تقوم على أن الخير هو مايأتي بأكبر سعادة لأكبر عدد من الناس دون النظر لتداعياتها على الآخرين طالما كانوا قلة. في النهاية، "لا شيء يحرق أكثر من البرد" والشتاء قادم لا محالة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة