ياسر فتحي
ياسر فتحي
530

التعديلات الدستورية في مصر وماذا بعد "باطل"؟

27/4/2019

يمكن اختصار عملية تمرير التعديلات الدستورية التي تكرس لبقاء السيسي في الحكم -رغم تناقضها الواضح مع مع نص المادة ٢٢٦ "في جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية ما لم يكن التعديل متعلقًا بمزيد من الضمانات"-، وتكرس لهيمنة أكبر من السيسي على القضاء وتضعف دور مجلس الدولة، وتُشرّع دستوريا لتدخل الجيش في الحياة السياسية، أنها عملية استكمال لمسار بدأه السيسي من لحظة تدخله في الحياة السياسية.

"خلطة" حكم السيسي

بدأت عملية هندسة الحكم الجديد منذ عام ٢٠١٣ من خلال إطلاق حملات التشويه والترهيب والتخويف والشيطنة والاعتقال لأي معارض لتدخل السيسي في العملية السياسية تحت غطاء تدخل المؤسسة العسكرية، وبدأت حملات الترهيب والتشويه بأنصار الرئيس مرسي حتى من غير الإخوان المسلمين الرافضين لأي تدخل عسكري في إرادة الشعب وحقه في الاختيار والانتخاب وإعادة الانتخاب -كما حدث مع حزب الوسط مثلا المعروف بخلافاته الجوهرية والتاريخية مع جماعة الإخوان، وكذلك مع القاضي المستشار محمود الخضيري الذي ليس له أي انتماء حزبي وآخرون غيرهم-، فالآلية الانتخابية الوليدة التي تم اكتسابها بعد ثورة يناير هي وحدها التي كانت ستمنح الثقة وتحجبها.

من الأمور اللافتة أن العمل على إطالة مدة السيسي في الحكم تم بوضع مادة انتقالية خصيصا له لا علاقة لها بنسق الدستور، وتم اختيار كلمات دقيقة يسهل التلاعب بها لاحقا

خلال عملية الشيطنة والتخويف ووضع الناس والرأي العام في حالة خوف وتوتر وقلق واستقطاب حاد تم التكريس لسيطرة وهيمنة فرد واحد على السلطة، فكل من يعمل في الدولة هو معرض للتغير إلا السيسي، بدءا من تغيير تدريجي لكل قادة المجلس العسكري، وكذلك غالب قيادات وزارة الداخلية، إضافة إلى كثير من أعضاء وكوادر جهاز المخابرات العامة، مع السعي لتكريس الهيمنة الشخصية عن طريق وضع مقربين من السيسي على رأس هذه الأجهزة، والسعي أيضا إلى إحكام السيطرة الأمنية على شركات الإنتاج وصناعة السنيما والقنوات الفضائية، كل ذلك في إطار ما صرح السيسي به "ما تسمعوش كلام حد غيري"، صاحب ذلك تقنين هذه الخلطة القمعية بتعديل القانون الذي يسمح بعدم التقييد في مدة الحبس الاحتياطي لبعض القضايا حتى تتم إجراءات القمع والاعتقال بحرية وبدون أي احتجاج قانوني، كما تم تشريع قانون يسمح بإنشاء محاكم ودوائر خاصة تحال لها بعض القضايا (وهو أمر مخالف لأساسيات العدالة) يمكنها أن تصل بالعقوبة إلى الإعدام حتى وإن خالفت معايير العدالة والتقاضي، مع إطلاق وتقنين السماح بمراقبة أي شخص وأي جهة وكذلك المواقع الالكترونية وحتى الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

خلطة الحكم إذن هي التخويف المستمر ورفع معدل التوتر والقلق الاجتماعي، وكل فرد في الدولة معرض للتغيير والاستبدال، وإطلاق يد أجهزة القمع والتعذيب والتنكيل، ونقل مركز السلطة لشخص واحد فقط، والعمل على تقنين هذا الوضع وصولا إلى أن يكون هذا الوضع هو الدستور نفسه. من الأمور اللافتة أن العمل على إطالة مدة السيسي في الحكم تم بوضع مادة انتقالية خصيصا له لا علاقة لها بنسق الدستور، وتم اختيار كلمات دقيقة يسهل التلاعب بها لاحقا فبحسب التعديل الجديد "تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيساً للجمهورية في 2018، ويجوز إعادة انتخابه لمرة تالية"، فإضافة إلى أن يُعدى السيسي هدية مجانية بمد فترة حكمة الآن سنتين بدون أي سبب أو شرعية أو انتخاب، فإن المشرعين والمهتمين بالصياغات القانونية والدستورية يفهمون الفرق بين استخدام كلمات مغلقة وكلمات مفتوحة، فقد كان من الممكن صياغة لمدة واحدة أو واحدة فقط أو مدة ثانية، ولكن تم العدول إلى لفظة أكثر مرونة "تالية".

عودة الروح وصوت "باطل"

لكن في هذه الأجواء المصاحبة لعودة صوت الشعوب والحرية مرة أخرى إلى الواجهة في الجزائر والسودان تبدأ الأصوات المصرية الآن في الحديث عن الرفض وكيفية التعبير عنه، وهذه المرة عبر نخب شابة أرادت لأنفسها أن تكون مجهولة -وليست من خلال التنظيمات والكيانات التقليدية- مثل من حملة رفض التعديلات الدستورية التي قامت بها صفحة "الموقف المصري" على الفيس بوك وحملة من نشطاء مصريين للدعوة للتصويت بلا، كذلك حملات أخرى دعت للمقاطعة.

وسط كل ذلك كانت هناك حملة "باطل" التي جمعت كل الرافضين سواء من المصوتين بلا أو المقاطعين للتعبير عن رفضهم في صوت واحد فشلت السلطات القمعية في مصر في اختراقه وإفشاله، لكنها حجبت الموقع المعبر عنه والمواقع البديلة والتي بلغ عددها أكثر من ١٠ مواقع تحجبهم السلطات المصرية الواحد تلو الآخر، وصلت الحملة بجهود بسيطة وفي الفضاء الالكتروني إلى أكثر من ٧٠٠ ألف صوت، وهذا يعني أن بجهود أكثر تنظيما مع توفير بدائل أكبر وأكثر رواجا لتعبير الرافضين عن رأيهم فإن الواقع يشير أن الرقم الحقيقي على أقل تقدير يُقدر بالملايين الذين لم ينكسروا حتى الآن ولديهم الغربة أن يروا من يعبر عنهم تعبيرا صحيحا.



السؤال المطروح الآن بعد وضوح بطلان الحكم الحالي الذي لا يستند على أي أساس وشرعية مقبولة، فلا توجد تنمية أو انفراجة اقتصادية بل يوجد استمرار تدهور قيمة الجنيه المصري واستمرار تدهور الخدمات الأساسية مع اقتراب موعد رفع الدعم عن كثير من المحروقات والسلع الأساسية تلبية لشروط صندوق النقد دون وجود أي خطة حقيقية جادة لإحداث تنمية حقيقية مستدامة، لا يبقى الآن إلا الاستقواء بالجيش وأجهزة القمع، حيث يقبع في السجون سامي عنان رئيس الأركان السابق بجوار عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية بجواز عصام سلطان القيادي بحزب الوسط مع محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان مع القيادي البارز محمد البلتاجي مع الدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب الأٍبق بجوار معصوم مرزوق الدبلوماسي السابق إلخ.

ماذا بعد؟

على قدر الضغوط والتضحيات التي قدمها جيل يناير ٢٠١١، على قدر ما اكتسب من خبرات ومهارات، وتمتلك مصر نخبة وكوادر حقيقية في مختلف المجالات، تحتاج من يجمع هذه النخبة وينفض الغبار عنها ويبني أساسا جديدا لتيار يمثل طموحات المنكسرين والمستضعفين والمطحونين في مصر الذين لا يرغبون إلا في حياة كريمة تحت إدارة وقيادة مخلصة ونقية. يحتاج العمل السياسي إلى نخبة جديدة أكثر حيوية وشبابا ووعيا تلتقي على:

١- الإيمان الواضح بالحرية والعدالة وكرامة الناس والرفض الواضح والتام للاستبداد بكل صوره وأشكاله، وإجراء أي مراجعة وتصحيح لأي موقف سابق مس هذا المبدأ.
٢- الابتعاد عن الصراعات والسجالات الإعلامية وحرب التصريحات و"التويتات"، فحوارات الإعلام تساعد على بث السجال والاستقطاب وتسطيح القضايا وتكرار المكرر، وإحياء خلافات لا علاقة لها بحياة الناس وتضحياتهم، فليس هذا مجال التسابق على التموضع خلف هياكل وتحالفات وجبهات وهمية أو شكلية، بل هذا موعد الإعداد والبناء.
٣- التحضير المتدرج لعمل وجهد طويل وشاق، جهد يتعلق بفهم أزمة الأمن القومي المصري وعلاقة المؤسسة العسكرية به وطبيعة أزمة العقلية الأمنية وكذلك الأزمة الاقتصادية وما ترتب على ضعف الإدارة المحلية وإضعاف الدولة داخليا وإضعاف دورها خارجيا.
٤- الممارسة العملية الجزئية لحملات مستمرة تضعف صورة دعم الدول الخارجية التي تقدم دعمها المطلقة للنظام الاستبدادي في مصر، وكذلك حملات لمواجهة التدهور الاقتصادي، وحملات لوقف تنفيذ أحكام الإعدام وإلغاء عقوبة الإعدام من الأساس التي تستخدم للترهيب السياسي، وكذلك مواجهة العمليات الممنهجة للإخفاء القسري، هذه الحملات تمثل عودة الحياة للنخبة الواعية التي تريد أن تفعل شيئا، وهي اختبار لإعادة بناء شبكات علاقتها وتأثيرها، وإعادة بناء قنوات اتصالها وتأثيرها بين الناس، مع الحرص على امتلاك منظومة مالية داعمة فالحر هو من لا يخضع لأجندات وأموال الآخرين.

النظام مقبل على رهانات اقليمية كبرى تهدد الأمن القومي المصري بل تهدد الأمة العربية كلها في فلسطين وسيناء والأردن وليبيا والسودان والجزائر وباقي الدول العربية، رهانات تمكن أكثر للكيان الصهيوني وتزيد من إضعاف الشعوب وإفقارها، وبدون التكاتف والتوحد وبناء تكتلات قوية وقدرات ضغط حقيقية وفق نخبة جديدة تحظى بالثقة والقدرة على التأثير لن يتغير شيئا إلا زيادة الضغوط والأزمات، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة