د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
3.4 k

الرئيس أحمد سيكوتوري أكثر الرؤساء الأفارقة التزاما

1/5/2019

من بين الرؤساء الأفارقة في القرن العشرين يأتي الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري ليُمثل نموذج رجل الدولة الحصيف، وأكثر الرؤساء اتزانا وتعقّلا وإنجازاً، وقد نجح في أن يخطو بقضية استقلال بلاده قبل الاستقلال وبعد الاستقلال إلى مسار آمن يضمن لها معنى الاستقلال الحقيقي بعيداً عن الانحيازات المظهرية إلى الفرنكوفونية أو المزاعم الشوفونية بالتأسيس على ماض أصيل موجود بالفعل لكنه ليس مُتصلا بالحاضر.

 

هكذا حافظ سيكوتوري على كل مكاسب الانتماء والولاء، كما حافظ أيضا على مكاسب "البراء" على نحو ما يوحي به الاستعمال السياسي للتعبير الفقهي المُتداول في غير موضعه، ويكفي على سبيل المثال أن نُشير إلى أنه ابتعد عن أن يكون جزءاً من مؤسّسات الجمهورية الفرنسية بعد الاستقلال على الرغم من أنه كان هو نفسه عضوا في الجمعية الوطنية الفرنسية عن غينيا ما بين يناير 1956 وديسمبر 1958،لكنه لم يُغازل المؤسسات الفرنسية على نحو ما فعل سنجور وغيره، ولم يربط اقتصاد بلاده ولا مواردها بفرنسا على نحو ما فعل عمر بونجو وغيره، وإنما كان من المُنتبهين منذ مرحلة مُبكرة إلى ضرورة التعبير الحر عن الاستقلال الحقيقي من دون أن يكلّف بلاده ومواطنيه ثمناً فادحاً لهذا التعبير.

 

بهذه الفلسفة المتعقلة فإنه استطاع المُضي في الصمود والتقدم على حين لم يستطع كثير من معاصريه الأفارقة المضي، ولا التقدم كما هو الحال مع الزعيم الكونغولي الشهير لومومبا، وعلى حين لم يستطع آخرون الصمود كما كان حال نكروما وعلى حين لم يستطع الآخرون التقدم مع التاريخ للإمام ومع كل هذا فإن الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري لم يستعد الفرنسيين على نحو ما كان الرئيس هواري بومدين حريصاً على الاستعداء، كما أنه لم يستسلم لهم تماماً على نحو ما كان الرئيس بورقيبة يفعل، وبالطبع فإنه لم يُناورهم بذكاء الملوك وخطواتهم متعدّدة الاتجاهات على نحو ما كان الملك الحسن الثاني يفعل.

 

يُذكر للرئيس أحمد سيكوتوري أيضا أنه على الرغم من العلاقات الجيدة التي ربطته بالاتحاد السوفييتي فإنه كان منتبهاً إلى أن يقف بهذه العلاقات عند حد معين، وقد وصل الأمر في هذا الصدد إلى أنه كان حريصاً على أن يُبعد السفير السوفييتي 1961 عن كوناكري في عهد غطرسة الزعيم السوفييتي خروتشوف ومع هذا فقد حاز سيكوتوري جائزة لينين للسلام وهي أعلى التقديرات السوفييتية.

  

  

ومع هذا الاتزان كله فقد كانت علاقات الرئيس سيكوتوري العربية والإسلامية أكثر من ممتازة، وكانت صداقته لمصر ورؤسائها الثلاثة الذين عاصرهم مضرب المثل في الإخلاص والتعقل، ويكفي أنه هو الوحيد من بين أقرانه الذي جعل اسم الجامعة الوطنية على اسم الرئيس عبد الناصر، كما يكفي أن نُشير إلى أن جامعة الأزهر في 1982 كرّمته بمنحه درجة الدكتوراه الفخرية في احتفال مهيب في عهد رئاسة الرئيس مبارك ومشيخة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق للأزهر ورئاسة الدكتور محمد الطيب النجار لجامعة الأزهر.

 

كذلك يكفي أن نشير إلى أن هذا الرئيس كان هو مَنْ وقع عليه اختيار الزعماء العرب والمسلمين ليتولى الوساطة بين العراق وإيران في حربهما (80 ـ 1988) ومع أن بعض الأطراف التي وسّطته لم تكن تريد لهذه الوساطة أن تنجح فقد أدى الرئيس سيكوتوري مهمته بإخلاص لم ينتبه معه إلى ما لم يكن العقل يتخيّلُه من الطبيعة المستترة لذلك النزاع والمستفيدين منه.

  

كان للرئيس أحمد سيكوتوري تراث ثري من الكتب والمحاضرات التي ألقاها وقد تُرجم بعض هذا التراث للغة العربية

في كل هذه التوجهات كان الرئيس أحمد سيكوتوري من الذين فهموا الأصالة على نحو ذكي وبفهم سيكولوجي واجتماعي مكتمل ساعده عليه ارتباطه بدينه العظيم، ولم يكن مثل مُعاصره الرئيس موبوتو الذي اكتفى من فهم الصياغة بالمفهوم اللغوي أو الفلسفي، وهكذا استطاع الرئيس أحمد سيكوتوري أن يمنح مواطنيه الأمل في مستقبل واعد بعيداً عن الاعتماد على الآخرين كما أنه نجح في إنهاء الانخداع بالانتماء الفرنسي على الرغم من أنه ظل يتحدث الفرنسية التي تعلمها في مرحلة مُبكرة بعد أن كان قد تلقى تعليمه الديني التقليدي فيما يُناظر الكتاتيب والخلوات التي تستعين على التعليم بالقرآن الكريم مؤصّلة لتجربة تعليمية ناجحة دامت لأكثر من 13 قرناً من الزمن، وأمّنت لفقراء المسلمين القدر الكافي من المعرفة الكفيلة بالولوج الناجح إلى النظم التعليمية الأخرى.

  

هكذا أثبت الرئيس أحمد سيكوتوري نجاحه في التعليم الفرنسي الذي التحق به في وطنه غينيا واستطاع ان يُبلور نجاحاً دراسياً ونجاحاً في تكوين الشخصية القادرة على الأداء وعلى الحكم معاً، وكان أبرز زعيم عمالي يصل إلى رئاسة الجمهورية في وطنه، وكان قد وصل إلى رئاسة العمل النقابي الغيني في 1945 وأصبح سكرتيراً عاما لاتحاد نقابات عمال غينيا، ثم انضم للمؤتمر التأسيسي لحزب التجمع الافريقي الديموقراطي وخطا خطوة مهمة في 1947 حين أسّس حزباً قوياً يستهدف تحقيق الاستقلال الوطني، وقد اختار لحزبه هذا اسم الحزب الوطني الديموقراطي، قبل أن تعرفمصر هذا الاسم الدال بأكثر من ثلاثين عاما، ونجح من خلال النضال السلمي الدءوب (بالإضراب 73 يوماً) في أن يُجبر الفرنسيين على تطبيق قانون العمل في غينيا.

 

وكان طبيعيا أن ينجح الرئيس أحمد سيكوتوري في تحقيق استقلال غينيا في الوقت الذي كانت الدول الاستعمارية قد بدأت تتخلى عن فكرة الاستعمار القديم لتدخل حقبة الاستعمار الجديد، وهكذا فإنه في بداية عام 1958 لم يستجب لدعوة الرئيس الفرنسي ديجول إلى الاندماج في فرنسا وفضّل أن يمضي إلى تحقيق الاستقلال الذي أُعلن في 2 أكتوبر 1958، وذلك على الرغم من احتفاظه بالجنسية الفرنسية وعلى الرغم من أنه كان عضواً في البرلمان الفرنسي كما أشرنا، ومن الجدير بالذكر أنه توفي في أثناء علاجه بالولايات المتحدة الأمريكية على غير ما هو معتاد من علاج أمثاله في فرنسا. وكان للرئيس أحمد سيكوتوري تراث ثري من الكتب والمحاضرات التي ألقاها وقد تُرجم بعض هذا التراث للغة العربية.

  

من الطريف أن غينيا كانت تُسمى بغينيا كوناكري أو الفرنسية تميّزاً لها عن غينيا بيساو التي كان البرتغاليون قد استعمروها ولا تزال اللغة البرتغالية سائدة فيها، وبينما يبلغ عدد سكان غينيا بيساو مليونا ونصف فإن سكان غينيا يبلغون ثمانية أضعافهم 13 مليون، وتبدو النسبة نفسها في المساحة (غينيا 245 ألف كلم مربع، وغينيا بيساو 39 ألف ملك مربع) لكن متوسط دخل الفرد حسب إحصاءات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية فيبلغ 450 دولار في غينيا بينما هو ثلاثة اضعاف هذا في غينيا بيساو 1350 دولاراً وبينما تحتفظ غينيا بالفرنك الغيني فإن غينيا بيساو تشارك في عملة الفرنك الخاص بغرب إفريقيا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة