مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
190

هكذا تصنعون طواغيتكم!

11/5/2019

تبدأ القصة بزعيم يحكم قطعة من الأرض، تسول له نفسه المريضة وحاشيته من الوزراء والمستشارين، يسوِّلون له الطغيان وإذلال الضعفاء من أبناء الشعب، شيئاً فشيئاً وعلى وقع التطبيل يدَّعي الفرعون أنه الإله المطلق والحاكم الأوحد لهذه الأرض (ما علمت لكم من إله غيري).

 

لعل قصة الفرعون هي الفانتازيا الأشهر في تاريخ البشرية، ذلك الرجل الذي طغى في الأرض وتجبر، أذل بني إسرائيل وأذاقهم الويلات، بالطبع لم يكن هو الطاغية الأول وبالتأكيد لم يكن الأخير في سلم الطغاة برغم النهاية المأساوية والمصير البشع الذي انتهى إليه، "ملوك كثيرون انتهوا مشنوقين، ولم يمنع هذا كثيرين من أن يحلموا بالملك"

 

لا أحد يتعظ من أحد عندما يتعلق الأمر بالسلطة، فهذه اللعينة تمتلك عصى سحرية تُعمي بها بصيرة كل من يسعى خلفها، كالخمر تماماً مع فرق بسيط هو أن سكرتها لا يُذهبها إلا الموت. أو الثورة، التاريخ البشري المكتوب يحكي لنا عن أن الطغاة والجبابرة كانوا هم القاعدة السائدة على هذه الأرض منذ أزمان بعيدة. بينما حُكم "الديموقراطيات" - وغيرها من طرق الحكم الأكثر حكمة وعدالة - كانت مجرد ومضات خافتة لم تدم طويلاً في نفق تاريخي مظلم تسيًّده الظلم والاستبداد، لكن لماذا تستهوي الكائن البشري أوهام العظمة والاستعلاء على الآخرين؟

 

الأيدولوجيات التي يتشدق بها الطغاة والجبابرة فهي في الغالب ليست لإقناع أتباعهم أو حتى أنفسهم، وإنما مجرد شكليات وبروباغاندا تساهم فقط في جعل مظهرهم يبدو لائقاً ومتحضراً أمام الآخر البعيد
من أين تأتي بذور الطغيان؟

حسناً، بلا شك لا يولد المرء طاغية، إنما يصعد سلالم الطغيان خطوة خطوة، وقبل كل هذا وذاك هو في حاجة إلى تربة خصبة تحتضن بذور الجبروت الخاصة به، ولعل هذا هو السبب في أن معظم الطغاة والجبابرة الذين أذلوا شعوبنا طيلة هذه الفترة هم قادة عسكريين، فالجيش هو تلك المؤسسة التي تغرس في نفوس منتسبيها أنهم أعلى درجة ممن سواهم من المدنيين، تدجن عقول مجنديها الأصغر رتبةً من ثم تلغيها تماماً، تفرض عليهم تقديس قادتهم، توجب لهم الطاعة المطلقة، وتحرم الخروج عليهم مهما كانت الأسباب والظروف الموضوعية الداعية لذلك.

 

هذا لا ينفي طبعاً أن المستبد قد يكون مدنياً صرفاً، لكن الثابت في الأمر – سواءً كان المستبد مدنياً أو عسكرياً – هو وجود حاضنة ملائمة من المطبلين تدور في فلكه وتتفاعل إيجاباً مع أهوائه السلطوية، ثم إن التربية الأسرية تلعب دوراً محورياً في صناعة الطاغية، الآباء في الغالب يساهمون مبكراً في غرس بذور الطغيان والاستعلاء لدى أطفالهم بدافع الحبو دون وعي منهم بما يصنعونه في داخل أبنائهم من تسلط وجبروت.

 

أما الأيدولوجيات التي يتشدق بها الطغاة والجبابرة فهي في الغالب ليست لإقناع أتباعهم أو حتى أنفسهم، وإنما مجرد شكليات وبروباغاندا تساهم فقط في جعل مظهرهم يبدو لائقاً ومتحضراً أمام الآخر البعيد.. هتلر مثلاً عندما استخدم الداروينية لتبرير أفعاله البربرية هو لم يكن مقتنعاً فعلياً بذلك الهراء الذي كان يقوله، دور الأيدولوجيا والأفكار في صناعة الطغاة مبالغ فيه إلى حد كبير، في رأيي أن الأيدولوجيات المنحرفة لا تصنع الطغاة بل الطغاة هم من يصنعونها ومن ثم يستخدمونها لأجل تبرير طغيانهم وتجبرهم. ثمة مقال سابق بعنوان تفاهة الشر أشرح فيه بالتفصيل هذه الفكرة.

   

لماذا نميل لدعم المستبدين والطغاة؟!

قبل أن أجيب سأطرح سؤالاً: هل كان مفاجئاً أن يشرع بني إسرائيل في عبادة العجل فور تخلصهم من الطاغية؟! يبدو الأمر مفاجئاً أن تتخلص من طاغية لتأتي بآخر طوعاً منك واختياراً، حسناً قد يبدو هذا غريباً بعض الشيء إلا أن البشر وبقدر ما يملكونه من توق للحرية منذ نعومة الأظافر إلا أنهم أيضاً يملكون ميلاً فطرياً للتقديس، شيء ما يدفعهم للإيمان بأحدهم. قد يكون هذا "الأحدهم" حاكماً، قد تكون عادات، تقاليد، أصنام ربما، المهم شيء يعفيهم من التفكير الواعي والمنطقي ويخلصهم من تبعات الحرية القاسية. سيوران كان حكيماً للغاية عندما صرّح "الإيمان بالله يعفيك من الإيمان بأي شيء آخر، وهي ميزة لا تقدر بثمن".

  

ميزة ألا تقدس أحداً غير الإله الذي تؤمن به، أما دون ذلك فلا أحد يستحق التقديس وما يتبعه من تبرير وتطبيل لحماقات السياسيين هو ما يصنع منهم في المحصلة طواغيت كاملي الدسم، وهذا كله نابع من تعاملنا العفوي وإقحامنا للعواطف في معترك السياسة، كل رجل هو مشروع دكتاتور إذا وجد البيئة الملائمة، السياسي الجنرال، وحتى رئيس البلاد يجب أن تتم معاملته كأي موظف آخر في دولاب العمل يتقاضي أجراً لقاء ما يقوم به من عمل، لا داعي لخلق أساطير من لا شيء، لا حاجة لصناعة أبطال من ورق. عزت بيغوفتش دخل إلى المسجد – وهو رئيس البلاد - فأفسحوا له المجال ليتقدم الصفوف، فالتفت إليهم وقال مقولته الشهيرة: هكذا تصنعون طواغيتكم!

------------------------------------------------------------------------

   

* (وصف قصة فرعون بالفانتازيا هو وصف مجازي لا أكثر وليس المقصود به أن القصة خيالية بأي حال)

كلمات مفتاحية: طاغية، حكم، ملك، استبداد، ظلم، ثورة

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة