محمد الخشاب
محمد الخشاب
287

شهر رمضان.. في عيون القرية والمدينة!

12/5/2019

ومِن أسفٍ، أنَّنا أمةٌ مُتفرِقةٌ، ما يكاد بعضها يُقاربُ بعضًا حتى يدبَ الخِلافُ، وتشيع في الناس القطيعة، وتكون الفُرقةُ، وكأنَّ الله ما كتب علينا أن نكون أمةً واحدةً إلا بالاسم وحده، غير أنَّ المقادير السماوية متى قضت أمرًا، كانت الحياة طوعًا له؛ إذ يُخرِج الله منها ما هو تثبيتًا لهذا المقدار أبدًا ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وَأَنا رَبُّكُم فَاعبُدونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢) والمعنى مثبوتٌ بمراده، ونازعته، فبعد أحد عشر شهرًا تستنفزها الأمةُ، متناصية الأضداد، متخالفة النوازع، منثورة الوَحدة، مسلوبة الهدف، غارقة في ثنايا الاقتتال، والتشيع، كان لا بد من رمضانٍ، تعود فيه هذه الأمة إلى أصلها الأزلي، الأقدس، نافضة غبار السياسة، والتشرذُم، ساعيةً كل السعي لاستلحاق ما لم يكن بدٌّ من التفريط فيه، ومن هنا تتجلى عظمة أخرى للشهر الكريم، الذي يستظهر حِكمًا وأنوار جديدة في كل عصر؛ إذ يطوف الأرض -مشرقًا ومغربًا- ليصنع وحدة شعورية فريدة، يتآلف عليها أبناء هذه الأمة، وكأنَّه جامعُ الناس يوم الوغى.
 
وحقيقة هذه الوَحدة الشعورية التي يضع فيها رمضان الأمة على اختلاف أفرادها، ومستعمديها، موضع فردٍ ذي قلبٍ واحدٍ، وشاغل أوحد، معلومة بالضرورة؛ يستقبلها كل حيٍ، عاش رمضان بقلبه، مستجهد السير إلى الله، ولا يُستغلق طريق إدراكها إلا على مَن غُيِّب فؤاده في محافل الانشغال، والعبث، بيد أنَّ التعبير عن هذه الوحدة الرمضانية، الذي أسس لها القرآن الكريم النفوس طوعًا، مختلفٌ، متغايرٌ، لا يحده حد، ولا يُلم به إطار؛ إذ هي رهن ثقافة عاملة في الأرواح، ومكان تتحيز فيه الأجساد؛ فرمضان العربي في بلاد المآذن والمساجد، ليس كرمضان غيره في بلاد الإفرنج، في تجسيد هذه الوحدة الشعورية، والحق أنَّ ذلك سعة في الإسلام، لا ضيق، ومتسع للنفس لا حَيرة؛ إذ الجوهر واحدٌ، لكن ظهوره غير واحد، يُعزى شكله إلى نمط بيئته، ومجتمعه، وفي ذلك تأكيدٌ على عظمة هذا الدين، الذي لا يهدم مصطلحه، مصطلح المجتمع، بل يستكنفه، تحت رايته الكبرى.

مذ استقرت تلك الأبنية الخرسانية، المعمودة التي تشبه الزنازين، في ضيقها، وعلوها في القرية، قد غاب معها كل جميلٍ، بعدما ابتلع التلفاز والهاتف عاداتنا، وقطع رأس ثقافتنا

 
من هُنا كان رمضان القرية، ورمضان المدينة، وكان الاختلاف، والتنوع، ومن ثمَّ الموازنة، والتفاضل، لا إلى جودة الجوهر، ومقدار إخلاصه؛ فذلك أمر بيد الله، وإنما إلى تصاريف التعبير عن الوحدة الرمضانية التي يقوم به الناس من مكان لآخر، وفي القرية عيدان، لا عيد واحد؛ فالمُتمم لشهر شعبان، عيد وصول رمضان؛ إذ تتحضر شوارع القرية لرمضان، مُتزينةً بالمصابيح، مكسوةً بالجمال الريفي المستنبَت إلهيًا في نفوس الناس؛ إذ تتصافى القلوب، وتتآلف الأرواح، ويركن كل حيٍ، إلى الإحسان، والمعروف، ويلهو الأطفال في مغرب ذلك اليوم، موقدين أسلاك الألومنيوم الرقيق، الذي يقهر بفرحتهم ظلام الليل، ويُغيِّب باتفاقهم سطوته التي طالما فروا خوفًا منها إلى بيوتهم، لتعلن أصوات المفرقعات، عن رحيل الأشباح البشرية وغيرها، التي كثيرًا ما خالها الواحد منهم مُتكهنةً في الظلام، جاثية على ركبتيها، متربصة بأي طفلٍ يقع فريسة لها.

وحتى صلاة الفجر، يقضى الأطفال مساء هذا اليوم في الشارع؛ إذ يتقاسموا المهام، هذا يُحضر الدقيق، وذلك الماء، ونصف الباقين يعمل على جمع الورق القديم، والبقية تهندس هذا الورق، وتغمسه في الدقيق المغمور في الماء، حتى تصيره فوانيس عظيمة، دون أن يدفعوا مليمًا واحدًا، خلافًا لأبناء المدينة الذين يسهل عليهم جمع المال وشراء الزينة جاهزة، فنحن -الريفيين- كآبائنا وأمهاتنا، نعرف كيف نصنع من التراب ذهبًا؛ فبأيدينا تصبح الأرض البور جنة الله في أرضه، وفي مساء الأول من رمضان، تبدأ رحلة الأطباق، المُحملة بالود، والتراحم، وحسن الجوار، من بيت إلى بيت تقطع سبيلها، وهي رسولة الطعام الأطيب، والشراب الألذ؛ ليُغدق الميسور على المعسور، ويصبح طعام البيت الواحد، طعام الشارع كله؛ ليثبت الإسلام ويقر لا صورة في الأذهان وحدها، وإنما حقيقة في النفوس وأعمالًا حية، تبض بوحدة هذه الأمة التي جنى الخلاف عليها.

على ذلك تفاضلت القرية على المدينة في رمضان، وزادها فضلًا حلقات الذكر الآسرة، وأمسيات الأهل المُبهجة، والأصوات الريفية الرخيمة، الشادية بتراث لا أول له ولا نهاية؛ إذ يبض بالروح الريفية الخضراء، الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، والزيارات الجماعية لمفترشي الأسِرة مرضًا، بعد الصلاة يسير فيها الناس زمرة، وإذا كان الحصاد، نُقلت النباتات من بيتٍ إلى آخر؛ فزارع البصل يُطعم زارع الثوم، حتى يفيض الخير، ويستسكن منازل القرية جميعًا.

لكن مذ استقرت تلك الأبنية الخرسانية، المعمودة التي تشبه الزنازين، في ضيقها، وعلوها في القرية، قد غاب معها كل جميلٍ، بعدما ابتلع التلفاز والهاتف عاداتنا، وقطع رأس ثقافتنا؛ إذ انكفأ كل منزل على ذاته، وانعزل بمن فيه، حتى زينة رمضان ابتاعها الناس من المدينة خصيصًا، حتى غلبت خاصتنا، واحتلت شوارعنا، وملكت بيدها ناصية كل شيء، فباتت القرية مسخًا مشوهًا، يتحدث فيه الناس بلهجة ريفية رصينة، ويعيشون حياة لا هي ريفية ولا هي مدنية، إنما هي الوسط، الذي يبدد كل حضارة، ويجني على كل ذي أصل ريفي عظيم، كأن الناس في غربة عن ذواتهم، وفي الحقيقة أنهم اشتروا وجوهًا غير وجوهيهم، وملابس غير ملابسهم، لكن ما دام اللسان ريفيًا، فالإنسان كذلك، وإن حاول الظهور في غيره.

بيد أن هذا الفارق الكبير، بين رمضان القرية والمدينة، في حقيقته، إثراءٌ للتعبير عن الوحدة الشعورية الرمضانية، التي يضعفها، أن يسير الريف إلى التمدن، منسلخًا من جلده، متنكرًا من أصله؛ فقوة جوهر رمضان ووحدته، من قوة استقلال كل مجتمع بثقافته، وذاته، وإذ ذاك فقط، يظهر معدن هذه الوحدة، وسلطتها، في جمع الناس على عيش طقس واحد، في صورة جامعة، تجزم قطعًا، بحقيقة كون هذه الأمة واحدة، مهما بزغ الخلاف فيها؛ وعند هذه النقطة، تستكين الحياة للمقادير السماوية، استكانة نفعٍ، ونمو، ولا غرو في أن المجتمعات التي تهدم ثقافتها، وتمحو ذاتها، وتقطع جذورها، سائرة نحو الهلاك، لا محالة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة