حرزالله محمد لخضر
حرزالله محمد لخضر
1.6 k

"القابلية للاستعمار ".. عبودية القرن الواحد والعشرين

13/5/2019

لقد شكلت مشكلة الاستعمار الذي اجتاح البلدان الإسلامية في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين أرقا فكريا للمفكر مالك بن نبي، جعله لا يقنع بالمبررات الظاهرية التي قدمت لتفسير هذه المعضلة، فراح يوغل في غياهبها ويحلل علاقاتها السببية للوصول إلى مكمن الداء الحقيقي، مستقرئا حال الأمة عبر مراحلها التاريخية، ليصل في نهاية المطاف إلى استكشاف داء "القابلية للإستعمار" (La colonisabilite) الذي ينطبع في المخيال الجمعي للشعوب المستعمرَة ويؤدي بها إلى الخنوع والقبوع والوقوع فريسة سهلة المنال في يد جلادها، ففي كتابه "شروط النهضة" ذكر مالك بن نبي تأصيلا بديعا ينم عن دقة نظر وعمق في الفكر، إذ أبرز الدور الخفي للمستعمِر في إعادة التهيئة النفسية للشعوب المستعمَرة، تهيئةٌ تولد في نفوس أفرادها روحا جديدة تطبعها سمة الرضوخ والإتكالية والجبن وتكلس العقل والإرادة، حيث تحدث بن نبي عما يسميه "مُعَامِلَيْنِ Coefficients" فعلا فعلهما في الإنسان المستعمَر هما: (المعامل الاستعماري) و(معامل القابلية للاستعمار).

"المعامل الاستعماري" هو عامل خارجي يفرض على الكائن المغلوب على أمره الذي يسميه المستعمِر "الأهلي" نموذجا محددا من الحياة والفكر والحركة، وحين يكتمل خلق هذا النموذج يظهر من باطن الفرد "معامل القابلية للاستعمار" وهو معامل يجعل الفرد يستبطن مفاهيم المستعمِر عنه ويقبل بالحدود التي رسمها لشخصيته هذا المستعمِر، وليس هذا فحسب بل يصبح يدافع عنها ويكافح ضد إزالتها.. فعامل القابلية للاستعمار كما يشرحه مالك بن نبي هنا هو العامل الداخلي المستجيب للعامل الخارجي، إنه رضوخ داخلي عميق لعامل الاستعمار يُرَسِّخُ الاستعمار ويجعل التخلص منه مستحيلا.(1). ولهذا فهو يقول في سياق ذي صلة: "هذه الملاحظة الإجتماعية تدعونا لأن نقرر أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها التي تقبل ذل الاستعمار والتي تمكّن له في أرضها، وليس ينجو شعب من الاستعمار وأجناده إلا إذا نجت نفسه من أن تتسع لذُل مستعمِر، وتخلصت من تلك الروح التي تؤهلها للاستعمار.(2). ربما يكون تركيز مالك على هذا المصطلح، لأن كثيرا من المسلمين يحاولون تعليق تخلفهم وضعفهم وقلة حيلتهم على الإستعمار، فأراد أن يرجع المشكلة إلى أصولها المغيّبة عن الذهن، ويردها إلى سببها الأول وهو القابلية للاستعمار، أي إلى الخسائر التي ألحقناها بأنفسنا قبل أن نتحدث عن الخسائر التي ألحقها بنا الآخرون، مطابقة لقوله تعالى: "قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ" (آل عمران: 165)(3).

القضاء على داء القابلية للاستعمار يتطلب تغييرا في الذات وإصلاحها والثورة على القوالب الموروثة التي تبعث على الركود لا التجديد والنظر للحال دون المآل، وهذا كله يتطلب نمطا فكريا وسلوكيا حديثا

إن فكرة القابلية للاستعمار تشبه إلى حد بعيد في فحواها ما ذكره ابن خلدون رحمه الله من أن المغلوب مولع باتباع الغالب، وهي تقدم لنا معطى جديدا لاستكناه البعد النفسي والخلفية الاجتماعية التي تمهد لقبول المحتل في تعامل المجتمعات الإسلامية مع قوى الاستبداد والاستكبار. وفي سياق متصل يقول مالك بن نبي: "فالاستعمار لن تكون له القدرة على التصرف في طاقاتنا الاجتماعية والاقتصادية.. لو أننا تحررنا نفسيا من عُقَدِنا التي تجذبنا نحوه فيسخرنا لمصالحه، فالقضية على هذا الأساس هي أنه كي نتحرر من أثر هذا الاستعمار ينبغي أن نتحرر من سببه وهو القابلية للاستعمار ولكي ننزعه من الأرض يجب أن ننزعه عن الأذهان أو على الأقل أن ننزعه عن الأذهان بعد نزعه من الأرض.(4).

إن القضاء على داء القابلية للاستعمار يتطلب تغييرا في الذات وإصلاحها والثورة على القوالب الموروثة التي تبعث على الركود لا التجديد والنظر للحال دون المآل، وهذا كله يتطلب نمطا فكريا وسلوكيا حديثا وجيلا جديدا مغايرا في تفكيره لسابقه، ولهذا يقول الأستاذ عمر مسقاوي رفيق درب مالك بن نبي: "فالخروج من القابلية للإستعمار ومن عصر ما بعد الموحدين يتطلب جيلا جديدا ومعايير جديدة، ويبدو لنا كما هو ظاهر في مقدمة كتابه (وجهة العالم الإسلامي) أن ابن نبي آثر وضع الجزء الثاني من كتابه تحت أبصار جيل جديد في تكوينه الفكري والتربوي.. فالشفاء من مرض القابلية للاستعمار كما رأى في تجربته في القاهرة ثم في الجزائر فيما بعد، يتطلب وعيا أكبر في الحياة الداخلية للفكر الإسلامي في العصر الحديث، خصوصا في الجانب التربوي الذي اهتم به في كتابه (شروط النهضة) ليسلك الفكر الإسلامي مداه العالمي، وأول طريقه هو تصفية الفكر الإسلامي من القابلية للاستعمار نفسيا، ثم من تبعية محور واشنطن-موسكو كما شرحه في كتابه (الفكرة الإفريقية الآسيوية).(5).

إن هذا الطرح يعتبر وجيها ويجسد حقيقة مدركة في واقع الأمة العربية والإسلامية، ولأجل التحرر من عقدة القابلية للاستعمار وجناياتها على النفس والمجتمع العربي، نطرح الحلول التالية:
1- ضرورة مراجعة الأدبيات التاريخية والتراثية لموروثاتنا وتنقيحها من شوائب الأساطير والتفريق بين المقدس والبشري الذي يعتريه الخطأ.
2- إعادة الاعتبار لدور العقل في المجتمع العربي والإسلامي باعتباره آلة التحرر من الجهالة والعبودية والظلم وتخليصه من التأويلات المزيفة التي تجعل منه عدوا للشريعة وخطرا على العقيدة، وكلها تفسيرات تناقض روح التشريع وتحد من مدركات العقل وفعاليته الفكرية.
3- تأصيل الوعي الفردي والمجتمعي وإعادة الاعتبار لأهمية القراءة والبحث العلمي كمحور رئيس لعملية عتق الأنفس وتمحيصها من رواسب الجهل والتكلس الفكري.
4- إعادة النظر في منظومة التعليم بالوطن العربي ووضع مناهج دراسية محفزة للعمليات الفكرية كالاستنباط والتحليل والتركيب والاستنتاج والاستقراء، وخلق الدافعية للإبداع والتجديد في نفس المتعلم.
5- تطهير المجتمعات العربية من رواسب وتبعات الأفكار الميتة والقاتلة للإرادة والمرسخة لشعور الاتكالية والقدرية الموروثة من أزمنة الانحطاط الحضاري، وذلك من خلال القيام بثورة فكرية جذرية على مختلف أنظمة التفكير الرديء المستشري في المجتمعات العربية ونمطياته الجامدة التي أفرزت الجدالات العقيمة والانتقادات الهادمة والتطاحنات الوهمية.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
مراجع:
1 محمد شاويش، مالك بن نبي والوضع الراهن. (دمشق: دار الفكر، ط 1، 2008)، ص 12 -15.
2 مالك بن نبي، شروط النهضة. (دمشق: دار الفكر)، ص 33.
3 محمد العبدة، مالك بن نبي مفكر إجتماعي ورائد إصلاحي. (دمشق: دار القلم، ط1، 2006)، ص 81.
4 الطاهر سعود، التخلف والتنمية في فكر مالك بن نبي. (بيروت: دار الهادي للطباعة والنشر، ط1، 2006)، ص 152.
5 عمر كامل مسقاوي، في صحبة مالك بن نبي مسار نحو البناء الجديد. (دمشق: دار الفكر، ط1، 2013)، ص 1269.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة