معتز علي
معتز علي
4.9 k

الغاز كلمة السر.. القصة الحقيقية وراء الصراع بين أميركا وإيران

15/5/2019

تحاول الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب فرض حصار اقتصادي شامل على الحكومة الإسلامية في إيران عبر فرض عقوبات اقتصادية على كل من يشتري النفط الإيراني، ضمن محاولات متكررة لإخضاعها بالقوة للرضوخ للهيمنة الغربية.

 

تأتي تلك العقوبات بعد إلغاء ترامب للاتفاق النووي مع إيران عقب وصوله للسلطة عام 2017، بالرغم من الاحتجاج الأوروبي على إلغاء الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الحكومة الإيرانية إبان وجود أوباما في الحكم، والذي سمح للشركات الغربية للاستثمار في صناعة النفط والغاز الإيرانيين، حيث أتاح الاتفاق لشركة توتال الفرنسية توقيع عقد قيمته 5 مليار يورو لتطوير حقل الغاز الجنوبي (قبل أن تتخارج من إيران بسبب العقوبات الأمريكية).

 

بداية القصة

تعود القصة لبداية التسعينات بعد مؤتمر ريو للمناخ في البرازيل عام 1992، والذي ألزم معظم الدول الصناعية الكبري بالتحول لاستخدام وقود أقل تلويثا للبيئة في محاولة لتخفيف ظاهرة الاحتباس الحراري، واتجهت الأنظار صوب الغاز، والذي كان لايزال غير مستغل على نطاق واسع حتى الأن.

 

اتجهت أنظار العالم حيث مكامن الغاز الطبيعي، والتي تقع معظمها في أسيا، خصوصا في روسيا والخليج العربي وبحر قزوين، وبدأت الشركات الأمريكية بالتجهيز لاتفاق على مد خط غاز من تركمنستان في وسط أسيا يمر عبر أفغانستان إلى باكستان والهند حيث أضخم كتلة سكانية موالية لأمريكا في أسيا، ولقطع الطريق أمام الصين ومنعها من استغلال ثروات أسيا.

   

  

إيران تعلن عن رغبتها في دخول سوق الغاز

على الجانب الأخر عرضت إيران على باكستان عام 1994 مقترح لمد خط غاز يزود باكستان باحتياجاتها من الطاقة ويعبر للهند لاحقا (حيث تمتلك إيران ثاني أعلى احتياطي عالمي من الغاز بعد روسيا)، وكانت إيران ترغب في توصيل ذلك الخط طمعا في مليارات الدولارات من الأرباح، فضلا عن تصاعد قوتها الناعمة في وسط أسيا، حيث يمهد مرور خط الأنابيب لدخول إيران كطرف وسيط بين باكستان والهند لحل المشاكل السياسية والحدودية بينهما، إلا أن الضغوط الأمريكية على الحكومة الباكستانية، دفعت رئيسة الوزراء الباكستانية بنظير بوتو للتوقع مع الحكومة التركمانية على عقد لتمرير أنبوب غاز يمر بأفغانستان في مارس 1995.

 

بالمقابل غضت أمريكا الطرف عن تحركات طالبان تجاه العاصمة كابول، التي انطلقت من قرب الحدود الباكستانية ودخلت كابل في سبتمبر 1996 واستولت على الحكم، ثم أرسلت طالبان وفد إلى هيوستن عام 1997 للتفاوض على تمديد خط الغاز من تركمنستان إلى باكستان عبر الأراضي الأفغانية، واتفقت طالبان في يناير 1998 مع شركة يونيكال الأمريكية لتنفيذ الجزء الأفغاني لذلك الخط.

 

الإصرار الإيراني

بالمقابل فشلت كل محاولات إيران لتمديد خط غاز لباكستان بعد أن تم الاتفاق على نقل غاز تركمانستان لباكستان، إلا أن طهران لم تيأس من محاولة تمديد خط غاز لباكستان برغم العقوبات الأمريكية على قطاع النفط الإيراني منذ عام 1995، وفي سنة 2009 اضطرت باكستان لتوقيع عقد مع إيران لتمديد خط غاز لها، بعد تضاؤل فرصة وصول الغاز التركماني لها بسبب انهيار الوضع الأمني في أفغانستان، وبالفعل أنهت إيران الجزء الخاص بها من الخط عام 2013، ولكن باكستان فشلت في تنفيذ الجزء الخاص بها بسبب الضغوط الأمريكية المتزايدة.

  

أمريكا تستبدل الغاز الروسي بالغاز الإيراني

بعد الثورة الأوكرانية في 2004 التي أطاحت بالحكومة الموالية لروسيا، وجاءت بحكومة موالية للغرب، حدث خلاف كبير بين روسيا وأوكرانيا بسبب أسعار الغاز، تسبب في قطع روسيا الغاز عن أوكرانيا مرتين في عامي 2006 و2009 التي يمر منها ثمانين في المائة من الغاز الروسي المار لأوروبا، وأثر ذلك الانقطاع على كميات الغاز المارة لأكثر من 12 دولة أوروبية، وحينها شعرت أوروبا أن أمن الطاقة الأوروبي قد أصبح رهينة لأي خلاف روسي أوكراني، وفكرت في بديل مناسب، وكان الحل هو مد خط غاز من الخليج العربي عبر سوريا وتركيا، إلا أن الضغوط الروسية على سوريا أفشلت المشروع، وكان البديل الأخر هو الغاز الإيراني، حيث تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم بعد روسيا.

   

  

فبعد فشل مشروع نقل غاز وسط أسيا لأوروبا (مشروع نابوكو) الذي تم الإعلان عنه عام 2009، بسبب الضغوط الروسية على دول أسيا الوسطي، وبعد فشل مشروع الخط العربي لإمداد أوروبا بالغاز، حاولت دول أوروبا التوصل لتسوية مع إيران لإمدادها بكميات من الغاز عبر خط أنابيب يمر عبر تركيا، وتمكنت أمريكا وأوروبا في 2014 من التوصل لاتفاق مع إيران ينص على تجميد المشروع النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات على إيران في مجال النفط والغاز، وبالفعل كانت المفاوضات عن مسار الخط المقترح عبر تركيا، أو عبر دول البحر الأسود حتى يصل لرومانيا.

 

وتزامن ذلك الاتفاق في 2014 مع غض أمريكا الطرف عن تحالف الحوثيين مع الرئيس اليمني السابق من أجل الإطاحة بحكم حزب الإصلاح الإسلامي في اليمن، حيث احتل الحوثيين صنعاء وشمال اليمن، وسط صمت أمريكي مريب.

 

إستراتيجية أوباما في حصار روسيا

الإدارة الأمريكية في فترة الرئيس أوباما كانت تعتمد على إيجاد بديل للغاز الروسي المار بأوكرانيا، ثم تقوم أوكرانيا بمنع الغاز الروسي من المرور بأراضيها لحصار النفوذ الروسي في أوروبا، وهو ما دفع أمريكا لدعم المظاهرات المطالبة بالإطاحة بالحكومة الأوكرانية الموالية لموسكو ودعم وصول أحزاب مؤيدة للإنظام للاتحاد الأوروبي عام 2014، فبعد تجميد الرئيس الأوكراني يانكوفيتش الموالي لموسكو لمقترح الانضمام للاتحاد الأوروبي نهاية 2013، خرجت مظاهرات ضخمة ضده، انتهت بإجراء انتخابات مبكرة وصعود الأحزاب الموالية للغرب لسدة الحكم.

 

بوتين يهزم أوباما

تكمن خطورة انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي في وقوعها على بعد 500 كم من العاصمة موسكو، لذلك تخشي روسيا من انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي ومن ثم لحلف الناتو، الأمر الذي يشكل تهديد للأمن القومي الروسي، كما أن الأسطول الروسي في البحر الأسود يرسو في ميناء سباستيول الأوكراني العميق بالقرم، بعد أن مددت موسكو عقد إيجاره لينتهي في 2042، لكن وجود حكومة موالية لأمريكا يهدد بفسخ العقد وطرد الأسطول الروسي، لذلك لجأ بوتين لضم القرم بعد نجاح الاحتجاجات في أوكرانيا في الإطاحة بالحكومة الموالية لموسكو.

 

الغاز الإيراني لأوروبا

وصلت مفاوضات أوروبا مع إيران لنقل الغاز إليها عبر تركيا لمراحل متقدمة، إلا أن الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016، قد أوقف المباحثات، ولم تفلح محاولات أوروبا بتحويل خط الغاز الإيراني للبحر الأسود ومن ثم لرومانيا وأوروبا، بعد أن تم التقارب الروسي الإيراني التركي حول الوضع في سوريا، كما اتفقت روسيا على الاستثمار في حقول الغاز الإيرانية وتمديد خط بحري لنقل الغاز الإيراني لباكستان والهند، في مقابل اتفاق ضمني ينص على أن تنفرد روسيا بالسوق الأوروبي ولا تدخل إيران في منافسة مع روسيا على تصدير الغاز لأوروبا.

   

   

لماذا انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران؟

كانت الإستراتيجية الأمريكية في فترة حكم أوباما تعتمد على احتواء إيران والاستثمار في حقول الغاز الإيرانية لاستبدال الغاز الروسي المار لأوروبا عبر أوكرانيا بالغاز الإيراني، وبذلك تستطيع أمريكا تقليص النفوذ الروسي ومنعه من التأثير على القرار السياسي الأوروبي.

 

لكن سياسة ترامب لا تكترث بضمان أمن الطاقة في أوروبا وصناعة بديل للغاز الروسي الذي يهدد أمن الطاقة في الإتحاد الأوروبي، هو ينظر فقط في مصالح أمريكا الهادفة لحصار الصين اقتصاديا عبر إجبارها على شراء الغاز الأمريكي بكميات كبيرة بديلا عن شراء الغاز من روسيا والنفط من إيران.

 

كما يرغب ترامب في منع إيران من تصدير الغاز لباكستان، وفي ذلك الإطار تحاول أمريكا عقد اتفاق مع حركة طالبان في أفغانستان لسحب أمريكا لقواتها من أفغانستان، مقابل سماحهم للشركات الأمريكية بتمديد خط الغاز التركماني عبر أفغانستان ليصل لباكستان، لمنع الغاز الإيراني من الوصول لباكستان.

 

متي تبدأ الحرب؟

مع تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات، تهدد إيران بمنع سفن النفط من المرور من مضيق هرمز وهو ما ردت عليه أمريكا بنقل عدة حاملات طائرات وقوة من القاذفات إلى منطقة الشرق الأوسط، تحسبا لأي رد فعل عدائي من إيران تجاه مصالح أمريكا في المنطقة.

  

يبدو التصعيد مختلفا هذه المرة مع محاولة ترامب الرامية لتصفير صادرات النفط الإيرانية، بالتوازي مع محاولة إفشال مد إيران أي خطوط غاز نحو باكستان والهند، كما هددت إيران بضرب الأهداف السعودية والإماراتية في حالة محاولتهما تعويض النقص المتوقع في الإمدادات النفطية العالمية بعد منع إيران من بيع نفطها، فهل ستبدأ أول حرب نفطية في مياه الخليج العربي؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة