لماذا يُمنع الإفطار العلني في رمضان؟

15/5/2019

من الحكمة أن نؤمن بالحريات الفردية، مسايرة للتقدم الحضاري، ومن أجل أن يتحَمّل الأفراد مسؤولية أفعالهم، وفي نفس الوقت وضعهم في إطار استقلاليتهم التامة في كل ما يخص حياتهم، لأنه هكذا فقط يمكن أن يستشعر المرء وجوده، لكن إذا ظل الحديث حول الحريات الفردية شفويا فقط، دون أن نلمس الأمر بشكل فعلي في الواقع، فإننا لن نحقق ما يمكن درجه أساسا في إطار حقوق الانسان، وهو الأمر الذي يجعل الإنسان كائنا حرا يدرك مسؤولية أفعاله، ويقتنع بقراراته تماما.

 

وانطلاقا من ذلك، يبدو واضحا أن الواقع المغربي لم يؤمن بعد بشكل فعلي بالحريات الفردية، والتي تشكل خطوة هامة نحو الإيمان بالإنسان عموما، والتعامل معه كغاية وليس كوسيلة كما يحدث إلى حدود اللحظة. من هذا المنطلق تتجلى الإشكاليات التي ترتبط بمسألة الحريات الفردية في رمضان، والتي تجعل حريات الأفراد الذين قرروا بإرادتهم ممارسة حريتهم في الاعتقاد، تجعلها مهددة في جميع الأحوال، وهي كذلك، بناء على العقليات المجتمعية التي تدّعي الانفتاح، بينما الحقيقة أنه لا وجود لما يمكن تسميته بالإيمان بالاختلاف، فانتماءك للمجتمع المغربي والإسلامي، يجعلك مجبرا على ممارسة الطقوس الاجتماعية، ولو كنت غير مقتنع بها، وهذه الممارسة يمكن اعتبارها بمثابة الحل الذي سيجنب صاحبها الوقوع في المشاكل الناجمة عن العيش وسط مجتمع ينبذ الاختلاف.

 

يبدو أن الأفراد الذين قرروا بإرادتهم الخروج عن الطقوس التي يمارسها المجتمع يجدون صعوبة في ممارسة حرياتهم الفردية، إذ أنهم يضطرون إلى التخفي للإفطار مثلا، وليس بوسعهم ممارسة الإفطار العلني في رمضان، ليس فقط لأن القانون يمنعهم من ذلك، بل لأن المجتمع الذي ينتمون إليه، لا يعترف لهم بهذه الحريات بشكل واقعي، إذ يُظهر العديد من الناس إيمانهم بهذه الحريات، ويعترفون بأنه يحق لكل شخص ممارسة حياته كيفما يريد، لكن المسألة تظل نظرية حتى يتم دحضها من خلال المواقف، والتي من شأنها أن تبرز مدى رفض هؤلاء الناس للاختلاف، وهكذا يَنبذون الآخرين المختلفين من خلال هذه المواقف، هذه الأخيرة كفيلة بإبراز طبيعة العقليات التي تُشكل هذا المجتمع، ويعتبرون الأمر من وجهة نظرهم بمثابة استفزاز للصائمين.

 

قد لا يمارس أحدهم طقس الصلاة، وإذا استفسرته عن الأمر، يعتبر بأن الأمر يخص علاقته بربه، وليس من شأن أحد التدخل في الأمر، لكن حين يتعلق الأمر بالصيام، فالمسائل لا تأخذ هذا المنحى

هذا الاستفزاز هو نتيجة ممارسة المرء لحريته، فالمفطرون يمارسون حريتهم بشكل طبيعي، لكن الصائمون يستغربون من رؤية شخص يبدو على أنه مسلم يفعل أمر مختلفا في رمضان، هذا الشخص يصبح مدانا بالاستفزاز إذا قرر الإفطار العلني في رمضان، ويبدو من خلال ذلك أن معنى الحرية يأخذ معاني أخرى وسط هذا المجتمع، حيث لم تعد حرية المرء تنتهي عند بداية حرية الآخر، ذلك أن الصائمين يَحدّون من حرية المفطرين، لا لشيء إلا لعدم تقبلهم لفكرة وجود من يفطر في نهار رمضان، وبالتالي فالحرية ليست متاحة لمن قرر الاختلاف، فالمختلف يضطر إلى التستر على حريته، رغم أن ممارسته لحريته لن يؤذي بها أيا كان، وهنا تطرح إشكالية الحرية، فمنع المختلفين من ممارسة حرياتهم على أساس أنها يمكن أن تستفز الآخرين، فهذا ليس له أي معنى، لأن الأساس الممكن للحرية هو عدم إيذاء الآخرين، والمفطرون لا يؤذون أحدا بإفطارهم العلني، وقد يكون الأمر بمثابة حق أُريدَ به باطل، فحق المفطرين في الإفطار يتم تفسيره وتأويله على أنه استفزاز لمشاعر الصائمين، وهذا المنع هو الذي يؤكد على أننا مجتمع لا يؤمن بالاختلاف، ولعل تجرؤ البعض على ممارسة اختلافاتهم يمكن أن يجر عليهم وابلا من التعنيف، إذ يتدخل الآخرين في حرياتهم، على أساس أن المختلفين تدخلوا في حرية الصائمين، عن طريق ممارسة أمر مرفوض في شهر الصيام، وبالتالي يختلف معنى الحرية من وجهة نظر الصائمين، ويأخذ معنى يُمنع فيه على المختلفين الخروج عن الجماعة، والاضطرار إلى ممارسة نوع من النفاق تجنبا للمشاكل التي سيجنيها نتيجة اختلافه.

 

في رمضان تتغير المفاهيم الدينية، وتأخذ الشكل الذي يؤطرها داخل الجماعة، ويُستبعد فيه ما يخص الأفراد كذوات مستقلة، حيث يأخذ الصيام مكانة أكبر مما يستحق، فهو أضحى عادة، ينبغي أن تخضع لها الجماعة، ولا يجب الخروج عنها، فمثلا قد لا يمارس أحدهم طقس الصلاة، وإذا استفسرته عن الأمر، يعتبر بأن الأمر يخص علاقته بربه، وليس من شأن أحد التدخل في الأمر، لكن حين يتعلق الأمر بالصيام، فالمسائل لا تأخذ هذا المنحى، ولا يكون الصيام علاقة بين الإنسان وربه، بل هو شأن اجتماعي، يتدخل فيه المجتمع، ونفس الشخص الذي قد يعتبر الصلاة أمرا شخصيا، قد لا يعتبر الصيام كذلك، وإذا تناولت وجبة أمامه في نهار رمضان، من الممكن أن يرتكب فيك أمرا، وإذا أخبرته بأن الصيام مسألة وقناعة شخصية، يجيبك بأنك وسط مجتمع إسلامي، وينبغي الخضوع لهذا الأمر، وليس من المقبول أن تمارس حريتك في الصيام في الفضاء العام، لأن المسلمين يعتبرون الأمر استفزازا لمشاعرهم، وهنا يتضح أن نظرتهم إلى الأمور الدينية تختلف، فليست نظرتهم إلى الصلاة هي نفس نظرتهم إلى الصيام، ولعل هذا الأخير أضحى مسألة جماعية.

 

إذا كان الهدف من الفصل 222 من القانون المغربي والذي ينص على "كل من عُرف باعتناقه الدين الإسلامي وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان في مكان عمومي دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة مالية" إذا كان الهدف منه هو حفض المجال العام، فإن الأمر فيه نوع من انتهاك حرية الأقليات، والتي يدفعها هذا القانون إلى ممارسة حرياتها بعيدا عن الفضاء العام، وإذا كانت الأغلبية هي التي تشكل هذا الأخير، فإن وضع الأقليات لم يؤخذ بعين الاعتبار، باعتبارها لا تمارس حرياتها كما يحلو لها، هذه الأقليات لا تستطيع ممارسة الإفطار العلني في رمضان في الفضاء العام، لأن الأمر يعتبر بمثابة نوع من الاستفزاز للأغلبية، وهذا الأمر يمكن أن ينتج عنه فوضى، في الحالة التي سيصير فيه المسلمون خلفاء الله في الأرض، بمجرد رؤيتهم لشخص يخرج عن طقوس الجماعة في هذا الشهر، وهي نفس الجماعة التي لا تحاسب الأفراد على طقس الصلاة، ولكن تحاسبهم على الصيام، على أساس أن الصيام يصير شأنا جمعيا، وليس من حق الأفراد الإفطار أمام الصائمين.

 

يبدو أن المفطرين في رمضان لا يمارسون حرياتهم كما يحلو لهم، وإذا كانوا انطلاقا من ذلك يحترمون مشاعر الصائمين من جهة، ومن جهة أخرى يتجنبون الوقوع فيما لا يحمد عقباه مع المجتمع، فإنهم يضطرون مجبرين للخضوع لهذه القاعدة، ذلك أنه ليس لديهم أي حل آخر لهذا الإشكال، وليس لهم كامل الحرية فيما يفعلون، ويضطرون إلى ممارسة حياتهم بعيدا عن المجتمع، ولعل هذا الإشكال يحد من حريتهم، وهذا الحد هو الذي يُعقد من المشكلة، فهم يعتبرون أن هناك انتهاك واضح لحريتهم في ممارسة قناعاتهم، وذلك نظرا لعدم قدرتهم على الإفطار العلني في رمضان، وإذ يتعاملون مع هذا الموقف بنوع من العقلانية تجنبا لأي صدام مع الآخرين، فإن الواقع يفرض عليهم هذا الأمر، وهم بذلك مجبرون على مسايرة المجتمع الذي يتأسس على نظرة الأغلبية.

 

يطرح إشكال الإفطار العلني في رمضان تساؤلات معقدة ومتشابكة، فالمفطرون يريدون ممارسة حرياتهم بشكل طبيعي، دون الاضطرار إلى التستر حفاظا على سلامتهم، بينما الصائمون يرفضون أن يمارس المفطرون حرياتهم رغم وجود من يدّعي تقبل هذه الفكرة، وذلك لأن الأمر يشكل من وجهة نظرهم بمثابة استفزاز لمشاعرهم، ويعتبرون بأنه ليس من الحكمة أن تعيش وسط جماعة تحتوي على أغلبية مسلمة، وتمارس طقوسا تتنافى مع طقوس المتعارف عليها، ويتعقد هذا الأمر إذا تعلق الأمر بالأفراد الذين كانوا ينتمون إلى هذه الجماعة، وقرروا الخروج عنها، وهو الأمر الذي يعتبرونه تمردا عليهم، ولعلهم يرفضون هذا التمرد، ومنطلقهم في ذلك أنه لا ينبغي الخروج عن الجماعة، لأنه يمكن أن ينجم عنه ما يسمى بالتحريض ضدها، كما يعتقدون أنه من الضروري الالتزام بطقوسها، والخروج عنها جريمة ينبغي المعاقبة عليها، على أساس أنها الجماعة الوحيدة التي تمتلك الصواب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة