طه سليمان عامر
طه سليمان عامر
338

مع القدوة الكاملة

15/5/2019

مما تفرد به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين سائر الرسل عليهم السلام أن جعله الله قدوة شاملة كاملة في شيء، فكل من رَامَ التأسي به في كل حال ومجال فقد أصاب غايته، ووصل لمبتغاه في أرقى مثال وأعظم صورة، فهو قدوة الشاكرين والصابرين، قدوة الأقوياء والضعفاء، قدوة الحاكمين والمحكومين، قدوة الأغنياء والفقراء، قدوة الشباب والشيوخ، قدوة الأصحاء والمرضي، قدوة الأزواج والآباء، قدوة الدعاة والمصلحين والمربيين، قدوة العابدين والسالكين إلى الله، قدوة القانعين من الحياة، والمُقبلين عليها، وقد كان كل هذا وأكثر صلى الله عليه وسلم .

  

كلما وجدت نفسك في ضيق أو هم أو غم فإن تذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لقيه من شدائد هانت عليك الأمور، إنه دليلنا في الحياة كيف نواجه مصاعبها، ونتجاوز عقباتها، ونتعامل مع الكون من حولنا.

  

لا يحجب عن أحد بِشره ومودته، لم يكن ينزع يده من يد من يصافحه حتى ينزع الآخر، وكان يُقبل على مُحدثه بوجهه كله، يُعظم الكبير ويرحم الصغير

يقول الإمام ابن القيم في كتابه عُدة الصابرين عندما وقع النزاع في أفضيلة الغني الشاكر عن الفقير الصابر فقال: {احتج بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحدة من الطائفتين، والتحقيق أن الله سبحانه وتعالى جمع له بين كليهما على كل الوجوه، وكان سيد الأغنياء الشاكرين، وسيد الفقراء الصابرين، فحصل له الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه، فمن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك، فكان صلى الله عليه وسلم أصبر الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه تعالى كمل له مراتب الكمال فجعله في أعلى رتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء ".

 

أسوة الشاكرين الذاكرين

كان إذا شرب ماءً يرى فيه وافر النعم الوافدة من ربه إليه، فليهج لسانه بالشكر لمن أطعم وسقى وأروى من ظمأ، فيقول: الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا) وأبان لنا أن شكر النعمة لا يتطلب من العبد كثير عمل، بل يكفي أن يعترف المرء بقلبه بمصدر مُوجدها وواهبها ثم ينطق بلسانه ما وقر في قلبه، وليستمتع بها على النحو الذي يرضى الرحمن جل في علاه.

 

هذا مقام شكره في القليل، فما بالنا فيما هو أعظم، لقد رأيناه يُفني جسده في محراب العبادة حتى تورمت قدماه وقد استغرق في لذة وصاله مع ذي الجلال والإكرام، وعندما تقول له أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: لم تصنع هذا وقد غفر الله لك؟ فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا؟، ومن أرد أن يعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكره وشكره وعبادته لله رب العالمين فليقرأ كتاب " فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء لشيخنا الإمام محمد الغزالي - رحمه الله تعالى.

 

أسوة المحزونين وأهل البلاء

وأمَّا ما أصابه صلى الله عليه وسلم من هم وكرب وتعب وإيذاء فكان فيه القدوة لكل مهموم وحزين ومبتلى. ذكرتُ يوما سيدنا يعقوب عليه السلام حينما فقد ولده يوسف عليه السلام وبلغ به الحزن المدى، وتمكن منه الكرب حتى ابيضت عيناه، واستقبل قدر الله قائلا: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ"، وطال البعاد وتمكَّن الحزن من قلبه على حبيبه، ثم ابتلاه الله تعالى بفقد ولده الآخر فما زاده الابتلاء إلا صبرا فقال مرددا "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"

 

عرفتُ امرأة في مصر فقدت ولدها شابا صغيرا، فمكثت حزينة عليه حتى توفاها الله، -رحمهما الله- ثم ذكرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: إن فقد الولد أفجع ما يصيب الإنسان في الحياة، فما بالنا أن رسول الله عليه وسلم فقد ستة من أبنائه في حياته، لكنه طوى حزنه بين جنبيه ولم يشغل الناس بهمومه، لقد بكى وحزن، ولما رأه بعض الصحابة وقطرات طاهرة من عينيه الشريفتين تنزل حزنا على فراق ولده، تعجب فقال صلى الله عليه وسلم : إنها رحمة، ثم قال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

إن أردنا أن نحافظ على هوية الأجيال المسلمة الجديدة في عالمنا المفتوح وخاصة في الغرب، فلنعمل على وصل قلوبهم وعقولهم بأعظم مثال في الكون
أسوة القادة والحكام

لو شاء أن يكون ملِكا في الدنيا لكان له ما يريد، لكنه آثر الآخرة ومشاركة أصحابه حياتهم، ومقاسمتهم المعاناة كواحد منهم، لم يكن أحد يعرفه من جلسائه، وإن كانت الأَمَةُ لتأخذ بيده حيث شاءت، لا يحجب عن أحد بِشره ومودته، لم يكن ينزع يده من يد من يصافحه حتى ينزع الآخر، وكان يُقبل على مُحدثه بوجهه كله، يُعظم الكبير ويرحم الصغير، ومن رقة مشاعره وكمال أدبه صلى الله عليه وسلم أنه وجد يوما أم سعد ابن معاذ قادمةً من بعيدٍ فوقف لها تقديرا واحتراما، فانظر لرقة الشعور وكسب القلوب.

 

وهذا رجل يدخل عليه وقد تملَّكه الخوف مرتجفا ظنا أنه سيَلْقى ملِكا من ملوك الدنيا، فقال له هَون عليك، فإنما انا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة. إنه نبي يريد أن يَردَّ للإنسان كرامته المهدورة، وحقوقه المغدورة، كان ينهى أصحابه أن يبالغوا في مدحه وكان يقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، يبدأ جليسه بالكلام ليأنسه، يواسي طفلا صغيرا مات عصفوره قائلا: يا أبا عمير ما فعل النُغير؟ لم يعرف التاريخ أنبل منه خُلقا، ولا أرَق منه شعورا، ولا أرقى منه عاطفة، ولا أزكى منه نفسا.

 

الأسوة والمحافظة على هوية أولادنا

من المُسلَّم به أن المرء يتمثل في تصرفاته وسلوكه من يتعلق به قلبه، وتأسره أخلاقه، وتبهره مظاهر عظمته، ويحاول أن يحاكيه ما استطاع، وتأثير نجوم الفن والرياضة على شخصية أولادنا ظاهر لا يحتاج لبيان. فإن أردنا أن نحافظ على هوية الأجيال المسلمة الجديدة في عالمنا المفتوح وخاصة في الغرب، فلنعمل على وصل قلوبهم وعقولهم بأعظم مثال في الكون. إننا بحاجة إلى جهود كبيرة لتقديم سيرته الشريفة لأجيالنا باللغة التي يفهمونها وبتوظيف كل وسائل العصر، ولا ريب أن هناك فراغا كبيرا في المضمون المرئي باللغة الألمانية في التعريف بالرسول صلي الله عليه وسلم.

 

إن الله تعالى لا يحاسبنا على القدرة إنما على العجز يؤاخذنا، ولا زال في الوقت متسع، والفرص مازالت أمامنا فلنعمل قبل أن تمنعنا الأعذار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضى الله عنه "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا, أَوْ غِنًى مُطْغِيًا, أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا, أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا, أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا, أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ, أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ؟ " هذه بعض جوانب القدوة الكاملة شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كلمات مفتاحية: قدوة، أخلاق، هوية، سلوك، آداب، تربية

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة