حسام شاكر
حسام شاكر
1.1 k

كيف تتشكل الرمزيات البصرية في الثقافة الجماهيرية؟

16/5/2019

تتزاحم الرّمزيّات بتأثيراتها المتعدِّدة في الثقافة الجماهيرية، فيصير معها اللون رمزاً واليد شعاراً والكائن الحيّ راية. ومن الرمزيّات ما تتشكّل، أو تُفتعَل، عبر المجال البصريِّ، كما يتجلّى بوضوح في الهيئات والأشكال والألوان، وفي إدراك السِّمات والملامح والحركات والإيماءات والسّكنات، وفي مناحي الاتِّساق والتّبايُن في ما يُرَى، وهو ما يمثِّل مساحة اشتغالِ فنون التّصميم في المجالات جميعاً؛ من قبيل الشِّعارات والرّموز والأزياء والتّأثيثات والعمارة والمرافق والمُنتَجات ووسائل النّقل وغيرها. وإن تشكّلت التّأثيراتُ الرّمزيّة بصفة تركيبيّة لا تخلو من تعقيد، كما يتجلّى في المجال البصريِّ أيضاً؛ فإنّ الرّمزيّات البصرية لا تتنازل عن خيارات تواصلية بسيطة مثل اللون واليَد والمادة الأولية ونحوها.

 

الرمزيات اللونية وتحولاتها

تفيض الألوان بإيحاءاتٍ شتى من رصيد الخبرة البشرية معها، فيُعين اللّونُ الأخضر على منح رمزيّة النُّمُوّ والتجدّد والحيويّة والانسجام، بينما يجري عبر اللّون الأزرق الباهت التعبيرُ عن رمزيّاتٍ منها السُّمُوّ والطُّموح اللامتناهي والصفاء والانسجام والرّاحة. ومن درجات الأزرق ما يمنح انطباعاتٍ بالطُّهْر والتّعقيم، وتستخدمه بعضُ قطاعات الأعمال متوسِّطاً أو داكناً في إشاراتٍ إلى الطُّموح والنّجاح والجدِّيّة. والحال أنّ التّأثيرات الرّمزيّة اللّونيّة ليست إيجابيّة دوماً، بل يتحدّد مفعولُها حسب السِّياق، فالأزرق، مثلاً، قد يمنح في بعض درجاته انطباعاتٍ بالتِّيه والتلاشي والانفصال عن الواقع أو بالطّموحات بعيدة المنال، علاوة على أنّ ارتباطه بالتّطهير يُلجِم الشّهيّة. وإن برز الأصفرُ لوْناً برمزيّة بيئيّة تُشير إلى انبثاق الحياة والنّماء والتجدّد مثلاً؛ فإنّ حضورَه المُثير للملاحظة والانتباه يُستَعمَل في الوَصم والتمييز والعَزل والحَجْر والتّحذير والتّنبيه. واللّونُ البُنيّ إذ يشير إلى الرُّسوخ والعراقة والوَقار والتقاليد والثِّقة والاستقرار والدِّفء والأُلفة؛ فإنه مَوْصومٌ في بعض البيئات بالكناية عن الفقر والفاقة والشّيخوخة والتّقادُم.

 

يتّضح الطّابع التّركيبيّ الذي تتّشكّل منه التّأثيرات الرّمزيّة، في مستويات بسيطة ابتداءً؛ مثل الاستعمالات اللّونيّة المتعدِّدة وفق قواعد التركيب اللونيِّ المُتعارف عليها في التصميم

اختزنت الألوانُ هذه التأثيرات وسواها من خلال اتجاهاتِ تموضُعِها في البيئة والمحيط وعبر خبرات البشر معها طوال تاريخهم الإنسانيِّ المديد. وتتمايز البيئاتُ بخصوصيّاتٍ في بعض مناحي الإدراك اللونيّ تبعاً لسماتها وطبيعتها وثقافاتها وتجاربها. ليس الوعيَ الإنسانيَّ بالألوان ثابتاً رغم استقرار بعض سِماتِه العامّة، إذ يجري تكييف نسبيِّ لإدراك بعض الألوان عبر المراحل، وقد يُعاد تعريف ألوان معيّنة في الوَعي الجمعيِّ ضمن سياقات مخصوصة. من التحويرات الثقافية ما جرى مع اللونين الأزرق والوردي، بأن تطوّر الوعي بهما في القرن العشرين على أساس تصنيفي يجعل الأزرق للأولاد ويخصِّص الوردي للبنات، فتكيّفت الأجيال على أساس هذا الفرز المُكتَسَب في أصله، ورضخ الأطفال لهذا التصنيف كأمر محسوم. لكنّ الوردي لم يكن في مساره التاريخي أنثوياً حصراً، حتى أنه ارتبط بالكهنوت الكنسي الذكوري مثلاً ولا زال معتمداً عند الكرادلة والأساقفة. أمّا الأزرق فارتبط بالنساء والفتيات عبر عهود طويلة، كما يُعَبِّر عن ذلك التجسيد البصري للسيدة مريم - عليها السلام - في الخطاب البصري الكنسي الذي تُصوَّر فيه برداء أزرق طهور، وفي هذا اللون إشارة عفّة ونقاء. وتشهد أعمال الرسّام الهولندي يوهانس فيرمير في القرن السابع عشر على الحضور القوي للأزرق في عالم النساء والفتيات، مثل لوحاته الشهيرة "فتاة مع حلق لؤلؤي" و"عاملة اللبَن" و"موقف الرّسم" وغيرها، ولا عجب أن يأتي هذا من بلد تميّزت فيه ملابس النساء التراثية عبر مراحل عدّة باللون الأزرق، ومثل هذا حاضر في بيئات أخرى منها أفغانستان التي اشتهرت برداء البرقع التقليدي الأزرق. ثمّ كرّست الثقافة الجماهيرية المُعولَمة في القرن العشرين اتجاهات محدّدة في التنميط اللوْني؛ فحسمت الوردي للفتيات والأزرق للفتيان، وعبّرت دمية "باربي" عن هذا التصنيف بقوّة ومعها ثقافة السوق والترويج، وإن طرأت استعارات لونيّة بموجب نزعة طمس الفوارق بين "النوعيْن" حسب الأيديولوجيا الجندرية ونزعات ما بعد الحداثة واستشراء السيولة المفاهيمية.

 

جرى قدر من التحوير الانطباعي النسبي مع اللون البرتقالي أيضاً؛ بدءاً من عام 2004 عندما اتّخذته الهبّة الجماهيريّة في أوكرانيا، المسمّاة "الثّورة البرتقاليّة"، شعاراً لها. انتعش البرتقالي بعد "الثورة الملوّنة" من فوْره في حقولٍ شتى، فاتّخذته حركة مستوطني الاحتلال في سنة 2005 صبغةً لحملتها الرّافضة لتفكيك مستوطنات قطاع غزة، وصعد البرتقالي في الحياة السِّياسيّة حول العالم على نحو غير مسبوق، وكذلك في المجتمع المدنيِّ والمنظّمات الخيريّة وقطاعات الأعمال، واتّخذت مؤسّساتٌ وشركات منه مُكوِّناً ملحوظاً في هويّتها التصميميّة؛ وهو اتجاهٌ تعزّز عبر الأعوام اللاحقة وصولاً إلى الشِّعار الجديد لشركة "أورانج" الفرنسيّة للاتِّصالات (2013) مثلاً.

 

ويتّضح الطّابع التّركيبيّ الذي تتّشكّل منه التّأثيرات الرّمزيّة، في مستويات بسيطة ابتداءً؛ مثل الاستعمالات اللّونيّة المتعدِّدة وفق قواعد التركيب اللونيِّ المُتعارف عليها في التصميم. فتأثير اللّوْن بصفة مستقلّة لا يتطابق مع تأثيره إن جاء مع لَوْنٍ آخر أو أكثر، وقد يصير التركيب رمزاً جماهيرياً في الرايات أو سمة ثقافية بصرية كما في الثنائي الأزرق والأبيض في الجزر اليونانية وفي سواحل الديار التونسية. وستُضفي الأشكال والهيئات والسِّمات التي يتّخذها هذا الحضور اللوْنيّ تأثيراتها على المشهد أيضاً، علاوة على مفعول السِّياق العامّ والوسط المحيط من الناحية البصريّة.

 

بالتالي؛ إن أرادت مؤسّسة مصرفيّة أو شركة تأمينات، أن تحوز رمزيّةً تتمحوَر حول الموثوقيّة والعراقة؛ فقد تعمد في تشكيل هويّتها التصميمية إلى توظيف رمزيّة اللّون البُنيّ مثلاً بخلاف ما ستختاره، على الأرجح، مؤسّسة تتوجّه ببرامجها ونشاطاتها إلى الشباب مثلاً. وعندما تسعى مؤسّسة ما أو حركة، إلى تعظيم القيمة الرّمزيّة لحضورها؛ فإنها ستعمل جاهدة على زيادة القيمة المعنويّة لاسمها وشعارها، الذي استحضَرت في تصميمه رمزيّات بصريّة أساساً، وقد تتكلّل مساعيها بأن تغدو المؤسّسة، باسمها وشعارها، مانحةً للرّمزيّة لمن يعمل معها أو يرتبط بها، وستكون رمزيّتُها مُلهمة كي تحاكيها مؤسّسات أخرى. وما إن بزغ شعار شبكة "الجزيرة" الإعلاميّة التي تأسّست في الدّوحة عام 1996 وبرز عربياً وعالمياً، حتى ألهَم تصميمه المتمثِّل في كتابة زخرفيّة عربيّة على هيئة قطرة؛ وفرة من الشِّعارات اللاحقة، وهذا في الأساس بتأثير نجاح المؤسسة وبزوغ تجربتها وذيوع اسمها. هكذا يُعين النّجاح الرّمزي الأوّل على نسج رمزيّات بصرية متعدِّدة تأسيساً عليه، وهو نمط مألوف في قطاعات شتى.

 

عندما تصير اليد شعارا

ليست الشّاراتُ اليدويّة الجماهيريّة وليدةَ الحاضر، فقد سبقت زمنَ الصورةِ الفوتوغرافيّة والمشهدِ التلفزيونيّ والإعلام الشبكي. فلليَدِ وظيفةٌ تواصليّة فعّالة، بصفة مستقلّة عن التّواصل اللفظيِّ أو مصاحبة له، وهي تبعث برسائلها وإيحاءاتها على نحو إراديّ أو لا إراديّ، بدءاً من رفع اليَد بغرض التّحية والسّلام، أو وضعها على الصدر كنايةً عن الإخلاص في المودّة والاحترام القلبيّ، وحتى عبر وضعيّات التصرّف المتعدِّدة بها خلال المُخاطَبة والتّواصل اليوميِّ. يتطوّر الأمر في حالات المواجهة ومواقف التحدِّي باستعمال اليَد والذراع تعبيراً عن الاستعداد والتأهّب أو تلويحاً بالوعيد والتّهديد، أو إيحاءً بالظّفر والتمكّن. ونحَت التقاليد القتاليّة والعسكريّة والشرطيّة إلى ضبط معانٍ وطقوس لحركات الأيدي والأذرع، وفق تراتبيّات القيادة ومقتضيات التّواصل، فكما أنّ لكلّ رُتبة شارتها أو رمزها؛ فإنّ لها حركاتٍ محدّدة في الأيدي والأذرع والأبدان عموماً حسب مقتضيات المراسم. وتكتسب هذه الرّموز اليدويّة أهمِّيّةً خاصّة في تنظيم المرور والتّواصل مع سائقي الطّائرات على المدارج مثلاً لامتياز الحاسّة البصرية في الفضاءات المفتوحة.

 


وتوسّعت الشّاراتُ اليدويّة في الحقل الدِّينيّ تعبيراً عن الاعتقاد أو استعمالاً في الشّعائر والطُّقوس والآداب العامّة، من ذلك في السِّياق الإسلاميِّ رفعُ إصبع السبّابة تعبيراً عن التّوحيد أو التّشهّد ورفع الأكفّ بالدُّعاء والتّضرّع إلى الله تعالى أو رشم الصليب على أعضاء البدن. كما برزت في التّقاليد الكنَسيّة، مثلاً، شاراتٌ عدّة، تقوم على استعمال اليد والتّلويح بإصابع محدّدة في وضعيّات متعدِّدة، كنايةً عن معانٍ ورسائل شتى، مع ملاحظة طغيان الرمزي على الوظيفي في التقاليد الكنسية التي تتشبّع -في الكاثوليكية بصفة خاصّة- برموز معقّدة تستدعي حاجة الجمهور إلى وسيط تأويلي "يعرف أكثر"؛ هو الكنيسة وكهنوتها، بما يشير إلى بُعد وظيفي مُفتعَل في الرمزية والترميز في خدمة تمايزات وطبقيات؛ له شواهده المتعدِّدة في الماضي والحاضر. وتمضي الحالة إلى رموز باطنية في ثقافة بعض الجماعات السرِّيّة، التي تعتمد إشارات وعلامات وحركات مخصوصة لا يفقهها إلاّ منتسبوها أو لا يُدرك تأويلها إلاّ أربابها؛ وتكون بالتالي من سمات الانتماء وقد تدور من حولها ممارسات طقوسية.

 

أمّا في التّواصُل الجماهيريِّ الحديث فاشتُهِرت شاراتٌ يدويّةٌ جديدة، منها التّلويح بإلإصبعيْن السّبّابة والوسطى والتفريج بينهما مع طيِّ الإبهام فوق الخنصر والبنصر، وهي حركة تستوحي حرفَ V الذي يشير إلى كلمة Victory أي "نصر" بالإنجليزية. لهذه الحركة معانٍ ودلالات متعدِّدة حسب اتجاه اليد وطبقاً للبيئة التي تُستعمَل فيها والسياق الذي تتخلّله والأسلوب الذي تتموضع به اليد بالنسبة إلى الرّأس أو البدن، ومن استعمالاتها التّحقير والإهانة والاستخفاف والدُّعابة لدى وضعها خلف رأس أحدهم مثلاً، والرّفض والامتناع أو إظهار البهجة أحياناً. وتعزّزت هذه الحركة بمعنى شارة النّصر منذ أربعينيّات القرن العشرين، خلال الحرب العالميّة الثانيّة، فغَدَت شعاراً عابراً عبر الأمم، ساهم في إبرازها ونستون تشرتشل وهيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي"، واستلهمها من بعدُ زعماءُ كُثُر حول العالم، بما في ذلك قادة حركات تحرّر، كان منهم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. استعمل عرفات رمزاً يدويّاً آخر، هو تكاتف قبضتيْ اليَديْن مع ذراعيْن مرفوعتيْن عالياً، بما يُوحي بالتضامن الأمميِّ مع قضايا التحرّر وتقرير المصير، وترافق ذلك الشعار مع المرحلة اليساريّة وحركات التحرّر من الاستعمار وخطاب عدم الانحياز، ثمّ أقلع "أبو عمار" عن التلويح به مع انكفاء مقولات "التضامن الأممي" وشعاراتها التي ارتبطت بتلك الحقبة. واستمرّ في السِّياق الفلسطينيِّ الاحتفاظُ بشارة النّصر اليدويّة طويلاً، ثمّ برزت بحلول تسعينيّات القرن العشرين شارةٌ رديفة هي إصبع السّبّابة المرفوع عالياً، وهذا الأخير تعبير وثيقُ الصِّلَة بالخصوصيّة الحضاريّة الإسلاميّة، فهو مُستوحى من "التشهّد"، كما يشير إلى قيمة عُلويّة تَهون التضحيات في سبيلها.

 

وطوّرت أممٌ ومجتمعات وأوساط شتى في عصر الصّورة والإعلام الحديث والزمن الشبكي شاراتٍ يدويّة للتعبير عن النّشاطات والحركات السياسيّة والتحرّكات والفعاليّات الجماهيريّة، كما في الانتفاضة الفلبينيّة التي أطاحت بالرئيس فرديناند ماركوس سنة 1986، التي رفعت شارة الإبهام والسبابة الممدويْن بشكل مُتعامد مع انقباضٍ في راحة اليَد، والتي اشتُهرت بها زعيمة الانتفاضة كورازون أكينو، التي تقلّدت الرِّئاسة لاحقاً. وفي السِّياق الإيرانيِّ برزت مع ثورة 1979 حركة التّلويح بقبضة اليَد مع ذراع ممدودة، تعبيراً عن التَصميم والعَزم وعن التحدِّي الجماهيريِّ الغاضب. ثمّ وقع استلهامُ هذه الحركة بصفة نمطيّة لاحقاً لتغدو رمزاً للتفاعل الجماهيريِّ الإيرانيّ سواء في المظاهرات أو في خطبة جمعة طهران التي يلقيها "مرشد الثّورة". وتمدّدت الحركة اليدويّة هذه إلى أوساط التجمّعات الشِّيعيّة المرتبطة بإيران على نحو مُطابق للأصل تقريباً.

 

وتطوّرت في السِّياق التّركي شاراتٌ يدويّة، جاء أبرزها عام 2013 ببزوغ شارة "رابعة"، التي تتشكّل من كَفّ مُنبسطة باتجاه علويِّ مع طيِّ إصبع الإبهام. تمّ توطين هذه الشّارة في تركيا تفاعلاً مع مذابح رهيبة شهدها ميدان رابعة العدوية في القاهرة في صيف تلك السّنة، وهي تعبير بصريّ بأربعة أصابع عن اسم الميدان. مع مُضيّ الوقت؛ توسّع مفهوم الشّارة في السِّياق التّركيِّ من رفض الانقلاب العسكريِّ في مصر والتضامن مع مظلوميّة رابعة؛ إلى التعبير عن التزام القيادة التركيّة بنُصرة القضايا العادلة ووقوفها إلى جانب العدالة والمظلومين. صارت الشّارة لازمةً لحضور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في المنصّات الجماهيرية، ولقيت اهتماماً واسعاً، بينما واصلت تمدّدها في التّحركات الجماهيريّة والإعلامية المصريّة الرّافضة للانقلاب العسكريِّ. وبعد إخفاق انقلاب 15 تموز/ يوليو 2016 العسكريِّ في تركيا واصَل إردوغان إبراز شارة "رابعة" مع تقديم مفهوم تفصيليّ رباعيّ لها هو: "علم واحد، أمّة واحدة، بلد واحد، حكومة واحدة". إنها بمثابة إعادة إنتاج لمفهوم الشّارة، بما يُراعي مستجدّات الدّاخل التركي بعد أن انصبّ معناها ومغزاها على الالتزام المبدئيِّ نحو الخارج. ولا يَقضي تطويرُ مفهوم جديد لشارة ما بأنّها تخلّت عن إيحاءاتها الرّمزيّة السّابقة بالكامل؛ بل يشي على الأقلّ بإعادة توزيع أولويّات المفهوم أو بتوطينها في بيئات جديدة. والمغزى من هذا التّحوير المفهوميُّ هو أنّ رفع الشّارة في وجه انقلاب عسكريٍّ في بلد آخر اقتضى لاحقاً توظيفَها ضدّ مساعي الانقلابات والتّهديدات الداخليّة التي تُحيق بالبلد.

 


وإن ارتبطت شارةُ رابعة في السياق التركيِّ بزعامة إردوغان؛ فإنّ لذلك صلةً ما يمكنُ افتراضُها بأستاذه سابقاً، الزّعيم التُّركيّ الرّاحل نجم الدين إربكان، عبر مراحل صعوده السِّياسيِّ ممثِّلاً لتيّار سياسيّ من المشرب الإسلامي بدا واعداً حتى لحظة الانقلاب النّاعم عليه سنة 1996. دأب إربكان في حضوره الجماهيريِّ على التلويح بإصبع الإبهام مرفوعاً مع طيّ قبضة اليَد، وهي شارةٌ توحي بالإنجاز والاقتدار والتمكّن. إنها النّسخة التّركيّة من حركة يدويّة ارتبطت في الواقع ولعهد طويل بالبيئة الأمريكيّة وإن عرفتها بيئات عدّة بمقاصد متعدِّدة، واستعملتها وجوه الحياة العامّة الأمريكيّة، وكان منهم الرئيس بيل كلينتون في تسعينيّات القرن العشرين. ثم قُيِّض لهذه الشّارة أن تتّخذ منحى جماهيرياً من نمط جديد، عندما جعلت منها شبكة التواصل الاجتماعي أمريكيّة المنشأ "فيسبوك" شعاراً لها، وهي التي تشير في الأساس إلى علامة التفضيل like التي يعمد إليها مستخدمو الشّبكة تعبيراً عن إعجابهم بموادّ مبثوثة فيها. يشير هذا المنحى إلى أنّ الرّمزَ الجماهيريّ اليدويّ لا يَستتبعه تأويلٌ أحاديّ غالباً؛ بل هو مؤهّل لاحتمال تأويلاتٍ متعدِّدة وأن يقع توظيفُه في اتجاهاتٍ شتى، علاوة على أنه قابل لأن يُكيَّف مع البيئات والمراحل والأوساط والشرائح بطرق متنوِّعة، ويبقى مؤهّلاً لأن يفيض بمخزوناتٍ إيحائيّة متفرِّقة ومُتضافرة ومتعارضة أحياناً.

 

من وجوه الامتياز الذي تحوزُه الشّارةُ اليدويّة في حركاتٍ كهذه ومثيلاتها؛ أنها لا تتطلّب استعمالَ أيِّ أداة أو مادّة غير اليَد ذاتها، فهي تلجأ إلى أيسر سبُل التّعبير المتاحة للإنسان وأوضحها. وإن كان الوجهُ مساحة التّعبير التّفاعلية الأهمّ لدى الإنسان؛ فإنّ من امتيازها في هذا الصّدد على الوجه أنّ تعبيراتها تقوم في هذا المستوى على التّبسيط والتّنميط والتّعبير المباشر والتّحكّم الشّامل وقابلية الإبراز بالتّلويح بها. وتكتسب اليَدُ قيمةً جماهيريّة لا تتأتّى للوجه، فمواصفات الأيدي في البيئة الواحدة متماثلة تقريباً بالمقارنة مع الوجوه، وهي أقدر بالتالي على التّعبير عن الكمّ الجماهيريّ. تقتدر الجماهير على التعبير السّريع والفوريِّ عن رسالة محدّدة وواضحة باستعمال الأيدي فقط؛ حتى دون اللجوء إلى لافتاتٍ وأبواقٍ وأدوات تكميليّة. وهي فوق ذلك رسالةٌ رمزيّة عابرة للّغات والثقافات؛ وإن اقتضت، أحياناً، تأويلاً للمتابعين في بيئات أخرى يوضِّح لهم مغزاها ويشرح سياقها وخلفيّتها ويدرأ سوء التأويل المحتمل عنها.

 

غنيّ عن القوْل أنّ هذه الشّارات اليدويّة هي رموزٌ بحيالها، وهي وسائطُ رمزيّة لغيرها من الشّخصيّات والمؤسّسات والقضايا والحالات والظواهر، لكنّ خيارات التّجديد والتّطوير فيها تبقى محدودةً مقارنة مع الشّارات التي تلجأ إلى استعمال موادّ وأدوات، فهي تبقى، ببساطة، مقيٍّدة باليَد وسبُل التصرّف مع حركاتها المعدودة انبساطاً وانقباضاً وتحريكاً وتلويحاً.

 

شارات قماشية للتضامن والعزل

تأتي الشّارة القُماشية النمطيّة تعبيراً عن منحى تقليديّ متجدِّد في التّعبيرات الرّمزيّة، ومن أشهر نماذجها اليوم شارةُ الشريط المُنثني التي تُستَعمل للتعبير عن التّضامن والتعاطف مع فئة بعيْنها أو شريحة مخصوصة والالتزام المبدئيّ بقضيّة ما أو موقف محدّد، وهي تفترق حسب لَوْنها. يُستحضَر الشريط الأحمرُ المنثني في بعض البيئات للتضامن مع المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسبة/مرضى الإيدز، ويُؤتَى بشارة مماثلة بإحدى درجات اللّون الوردي للتعاطف مع المُصابات بسرطان الثدي مثلاً، ويُتّخذ اللون الأبيض لمناهضة أشكال من العنف في المجتمع مثلاً، أما اللّون الأسوَد فللحِداد الجماهيريِّ كما يجري بعد كوارث واعتداءات دامية، وغير ذلك من الخيارات التي تتغيّر عبر البيئات والمراحل. ومن خصائص هذه الشّارة وغيرها من الشّارات القُماشية المُبسّطة أنها لا تتطلّب سوى تثبيت قطعة قماش بلوْن محدّد على الملابس من جانب الصّدر مع قابلية الاستعمال على الشاشات وفي مواقع التواصل أيضاً. وهي في حالتها المرئيّة تُشِعّ بتعبير ضمني عن مَوْقف أو التزام، وتنطوي على قدرةٍ إيحائيّة واسعة نسبيّاً وتعبيرات إجماليّة متعدِّدة؛ وإن بدت مُختَزلة الحجم من الناحية البصريّة.

 


وللشّارة القُماشيّة امتيازٌ على الشّارة اليدويّة المجرّدة، في أنها تقوم على بذل الجهد مرّة واحدة في تجهيزها وتثبيتها أو تصميمها، وتظلّ مُوْحية طالما بقيت مثبّتة ومتحرِّكة ومُستنسَخة في المجتمع. إنها مُؤهّلة أيضاً لمخالجة المجتمع في حياته اليوميّة وثناياه وشاشاته وشبكاته؛ بخلاف الشّارة اليدويّة المُخصّصة للفعاليّات الجماهيريّة عادة وإن صُوِّرت وصُمِّمت. كما أنها مُلائمة لفئاتٍ وشرائح متعدِّدة، وكثيراً ما تَلقى ترحيباً في أوساط النُّخب المجتمعيّة والقيادات والشّخصيّات العامّة، ويجري استصحاب هذه الشّارات في الحضور الإعلاميِّ أيضاً.

 

من أشهر الشّارات القماشيّة وأوسعها انتشاراً وردة الخشخاش الحمراء الاستذكارية Remembrance poppy المخصّصة في بريطانيا وكندا ونيوزيلانده وأستراليا بصفة خاصّة، لاستذكار ضحايا الحربيْن العالميّتين الأولى والثانية، ومنها نماذج بألوان أخرى. نشأت هذه الشّارة سنة 1921 في مسعى لتوظيف القدرة الإيحائيّة لهذه الوردة الرقيقة التي ما إن تتفتّح حتى تَذبُل وتهوي، وهو ما يحاكي تساقط الشُّبّان المقاتلين في الميدان. ومما ساعد على انتشار الشّارة وديمومتها أنّ جمعيّات قدامى المُحاربين تبنّتها وهي تقوم ببيعها على نطاقات واسعة جداً بما يعود بمداخيل سخيّة لصالح هذه الفئة. وطوال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام لا يتخلّف مقدِّمو البرامج في الشّاشات البريطانيّة عن الظُّهور بهذا الرّمز الملحوظ مُثبّتاً على صدورهم، ويحرص عليها السِّياسيّون ووجوه المجتمع والرياضيّون وعموم الرِّجال والنِّساء التزاماً بعُرفها الجماهيري الراسخ. وعلى شاكلتها تقريباً ابتُكِرت في البوسنة والهرسك شارة استذكار سربرينيتسا، وهي نسج قماشي يُحاكي وردةً بيضاء من إحدى عشرة بتلة، كنايةً عن ذكرى المجزرة الذي يصادف يوم 11 تموز/ يوليو، ويتوسّطها لَوْنٌ أخضر تعبيراً عن نعوش الضّحايا التي تتميّز في التّقليد البوسنيّ بهذا اللوْن وفيه إشارة إلى الجنّة.

 

ومن أيسر أصناف الشّارات القُماشيّة المُستعمَلة في الحملات الجماهيرية أن يجري عَقدُ شريط قماشيٍّ في مكان مرئيِّ، على الأعمدة والأسوار والأسيجة والسّيارات والنّوافذ والشُّرفات مثلاً، وهي تأتي غالباً ضمن التّفاعل مع حملات تُراهن على إظهار التحلّق الجماهيريِّ حول فكرةٍ ما أو موقف محدّد. وتُستخدم الشّارةُ القُماشيّة في اتجاهاتٍ متعدِّدة؛ بما فيها مساعي التّصنيف السلبيِّ والعزل المجتمعيّ والنّبذ والإقصاء المنهجيّ. من شواهد القرن العشرين مثلاً أنّ النِّظامُ النازيّ ألزَم اليهودَ بتمييز أنفسهم بنجمة سُّداسيّة صفراء تتوسّطها كلمة يهودي Jude في تعبير صارخ عن شارة الوَصم. وكثيراً ما استَعمَلت الحملاتُ الجماهيريّة أسلوب الوَصم بالشِّعارات والمُلصقات بحقِّ جهاتٍ ومصالح مُستهدفة، ومن ذلك ما تلجأ إليه الكتابات الجداريّة المُناوئة مثلاً.

 

ملصقات وأوسمة ورايات وطواطم
من المألوف أن تنصرف جهود التّرميز إلى إعادة تعريف سلوك اعتياديٍّ أو ممارسة مخصوصة أو رداء بعيْنه لمنحه قيمة رمزيّة فائقة؛ ربّما لم يَحصُل الاكتراثُ بها من قبل أو لم يقع توظيفُها في السياق المعنيّ

كما تُحقِّق الشّارات القماشيّة تمدّداً؛ فإنّ هذا يسري على الملصقات بأنواعها وقياساتها واستعمالاتها المتعدِّدة، والتي تشمل مجالات الحياة جميعاً؛ من الملصقات السِّياسيّة والمدنيّة، والملصقات الدِّينيّة والإرشاديّة والاجتماعيّة وغيرها، وصولاً إلى مثيلاتها في مجالات الترويج الاستهلاكيِّ المتعدِّدة، حتى أنّ منها ما تتخيّر أصنافاً من الفاكهة لمنحها قيمة رمزيّة. شكّلت موزة "تشيكيتا" الشّهيرة مثالاً لاتِّساع مفعول الملصّقات الصغيرة لتمنح صنفاً محدّداً من الفاكهة تمايُزاتٍ رمزيّة تمّ تعظيم قيمتها عبر حملات الترويج والإعلان الدؤوبة جيلاً بعد جيل، والمغزى من حملات زيادة القيمة المعنوية تلك أنّ: "تشيكيتا" إن كانت موزة بحقّ؛ فليست كلّ موزة ترقى لأن تكون "تشيكيتا"!، وهذا هو المنطق الذي تشتغل عليه الجهود الرّامية إلى زيادة القيمة المعنويّة للسِّلَع والخدمات إجمالاً.

 

وعلاوة على الشّارات القّماشيّة والورقيّة والمُلصقات، وكذلك الشّارات التي تأخذ شكل السِّوار حول المِعصَم والتي تُصنَع من موادّ متعدِّدة؛ فإنّ الشّارات المعدنيّة والبلاستيكيّة تقوم بوظائف مُماثِلة تقريباً، مع التوسّع في استعمالاتها في الأوسمة الرسميّة. إنّ الوسام الرسميَّ الذي تمنحه الدّولة أو الجيش أو الشُّرطة أو مؤسسة رسميّة أو خاصّة أو أهليّة؛ إنمّا هو تعبير رمزيّ عن التّقدير والتّكريم، وهو يَستجمع في ذاته ثناء الدولة والأجهزة والمؤسّسات على سلوك تعتبره نموذجيّاً، فيكون لمثل هذا تأثيره التوجيهيُّ على نطاقاتٍ من الأفراد أو عموم المجتمع ككلّ. وقد يأتي هذا المسلكُ ضمن أساليب الاحتواء وضمان الولاء للدّولة والجهاز والمؤسّسة والنِّطاق المجتمعيِّ المَعنيّ، أمّا حَجبُه عن غير المشمولين بامتيازاته فقد يكون في بعض الحالات من تجليّات العنف الرّمزي - عطفاً على أطروحات بيير بورديو -؛ بما يعبِّر عن سُلطة التّحذير والإقصاء والنّهي والزّجر والعقاب المعنويّ. وكم يبدو مثيراً للتأمّل أن تستدرّ الدُّوَل والأنظمة والأجهزة والمؤسّسات ولاء أفراد المجتمع بأن تمنحهم ألقاباً وأوسمة ذات قيمة معنويّة مُكثّفة تَشرئبّ إليها الأعناق؛ حتى دون أن تُكلِّف الجهاتِ التي تمنحها أثماناً تُذكَر.

 

وظلّت الرّايات والأعلام عبر التّاريخ من أكثر التّعبيرات البصريّة الرّمزيّة رفعةً وحضوراً، فتمايزت بها دول وممالك وإمارات وقبائل وأقاليم وتقسيمات إداريّة وقوّات وجيوش، ولاحقاً تّشكيلاتُ سِّياسيّة وحزبيّة وفصائل وقوى ثّوريّة وبعض الجماعات المدنيّة، علاوة على النّوادي الرِّياضيّة والمجموعات الشّبابيّة والفِرَق الكشفيّة وغير ذلك. كما اتخذت مذاهبُ وتيّارات وفِرَق واتِّجاهات دينيّة ومجتمعيّة راياتٍ لها وأعلاماً تُعرِّف عبرها بذاتها وتستعملها في فعاليّاتها الجماهيريّة المتعدِّدة.

 

إنّ التزام أمَم ومجتمعات وأوساط محسوبة على "الحداثة" و"ما بعدها" طقوسية الشعارات الطوطمية هذه؛ يرسم هالة شكّ حول صدقية فكاكها من الماضوية أو قدرتها على الانفصام عن التراث الأسطوري الذي تتباهى بالانعتاق منه؛ وقد تكون بهذه الحيلة أعادت إنتاجه بخيارات تحنيطية لا تنبتّ عن نزعة سلفية. والطوطم هو كيان أو مجسّم يحمل قيمة رمزية مرجعية لجماعة بشرية وقد يُعَدّ لديها مقدّساً، فصنم القبيلة هو من التعبيرات الطوطمية أيضاً. حُمِلت مفردة "طوطم" إلى لغات العالم من أمريكا الشمالية، تبعاً لثقافة قبيلة الأوجيبوا وهي من الشعوب الأصلية المسماة في خطاب المستوطنين الأوروبيين "هندية"، ثمّ اتّخذت الكلمة سبيلها في العلوم الاجتماعية والدراسات الإثتية سرَباً، ومعها الطوطمية Totemism كنزعة متجلِّية في الواقع، ومن يشأ ملاحظة المشهد العربي وسواه سيعثر على وفرة من وجوه ورموز وأعلام تمّت طوْطمتها إلى درجة البلوغ بها مراتب القداسة في الوعي الجمعي.

 

إعادة التعريف الرمزي للرداء

من المألوف أن تنصرف جهود التّرميز إلى إعادة تعريف سلوك اعتياديٍّ أو ممارسة مخصوصة أو رداء بعيْنه لمنحه قيمة رمزيّة فائقة؛ ربّما لم يَحصُل الاكتراثُ بها من قبل أو لم يقع توظيفُها في السياق المعنيّ. ففي أوّل انتخابات أجريت في العراق بعد الاحتلال الأمريكي سنة 2003 تمّ ترميز إصبع السبّابة المغموس في حبر الاقتراع (المخصّص لتمييز من أدلوا بأصواتهم منعاً للتّلاعب بالأصوات والتّصويت المتكرِّر) للتّعبير عن "مشاركة شعبيّة حرّة في حياة ديمقراطيّة واعدة" كما قيل وقتها.

 

وقد يقع التّرميز من خلال إعادة تقديم الملابس الشّائعة وإسقاط معانٍ إيجابيّة أو سلبيّة عليها. وكانت الكوفيّة المرقّطة تعبيراً عن النِّضال الفلسطينيِّ ضدّ الاحتلال، وتمّ تقديم هذا الرّمز عالميّاً، وارتبط مدّة من الزّمن برمزيّة ياسر عرفات ومن خلاله برمزيّة الكفاح الفلسطينيِّ. أمّا الأثواب الفلسطينية المطرّزة على تنوّعها فبرزت تعبيراً مرئياً عن شعبها في مواجهة السردية الصهيونية التي أمعنت في مصادرة تاريخه وإنكار وجوده.

 

وكان لأغطية الرؤوس حظوتها من الدلالات الرمزية، مثل قبّعة الثائر اللاتيني تشي غيفارا، وفي عراق القرن العشرين حظيت قبعة الملك فيصل بانتشار في أوساط بعض النخب وسُميت "فيصلية". ولا يحصُل استدعاء الرمزية بأن يعتمر أحدهم قبّعة من صنف مخصوص وحسب؛ إذ عليه محاكاة كيفية تموضعها أيضاً، كما حصل في ثمانينيات القرن العشرين في بيئات أوروبية مع رواج القبعة الأفغانية وارتدائها مائلةً وفق الطريقة التي اشتهر بها القيادي أحمد شاه مسعود. وفي السياق العربي والمسلم صارت القبعة الأفغانية من بعدُ من رمزيات الجماعات التي تصنِّف ذاتها "سلفية جهادية" استلهاماً من مشاهد الميدان الأفغاني وخبراته القتالية، مع تحاشي إمالتها في هذه الحالة كي لا تخدش هيبة مُعتمِرها.

 


وفي الانتفاضة السودانية (2019) برزت رمزية الكنداكة، بالحداء الثوري الذي تتفاعل الجماهير المنتفضة مع كلماته القوية. في مشهد الكنداكة هذا؛ تُلقي فتاة أو امرأة أبياتاً من الهتاف الثوري وهي ترتدي زيّاً سودانياً تقليدياً وسط جمهرة تردِّد من ورائها وتنهمك في تصوير المشهد بالهواتف الذكية وتتناقله عبر الشبكات الاجتماعية وتطبيقات التواصل. حظيت إحداهنّ بذيوع فائق في نيسان/ إبريل 2019، وصارت وقفتها المعبِّرة عن الثقة بالذات والتحدِّي من رمزيات هذه الانتفاضة، واستحالت التفاصيل المشهدية الدقيقة، ومنها إصبع السبابة المُشهَر والحلق الذهبي الدائري المتدلِّي، رمزاَ مصوّراً استهلمه التفاعل الإعلامي والشبكي مع جماهير الميدان. تشي حالة الكنداكة بمناحي استعمال الرمزيات في اتجاهات تاريخانية أو أيديولوجية؛ عبر اتِّخاذها تعبيراً بصرياً عن توجّهات سابقة عليها أو بإسباغ تأويلات محدّدة عليها، مع ملاحظة أنّ "الكنداكة" أو "القنداقة" هي الملكة الحاكمة أو المرأة الأولى في الحضارة الكوشية القديمة في بلاد النوبة أو السودان بالأحرى.

 

على الجبهة الأخرى؛ جرى ترميزُ ملابس أخرى مألوفة باعتبارها وصمة كريهة، كما وقع مع البُرقع الأفغانيِّ في ظلال حرب 2001 التي قادتها الولايات المتّحدة هناك. تحرّكت بالتزامن مع تلك الحرب حملاتٌ حول العالم اتّخذت لها من البُرقع الأفغانيِّ، وهو لباس سابغ على المرأة بالكامل ويتميّز عادةً بلَوْن أزرق باهت؛ تعبيراً رمزيّاً عن واقع حقوق النساء والمواطنين الأفغان في بلادهم تحت سلطة حركة طالبان. وتمدّدت رمزيّة البرقع الأفغانيِّ لتشمل منحى تشويهياً شاملاً للنِّساء المسلمات، فاستغلّته دعاية الإسلاموفوبيا وكراهية المسلمين. اختمرت رمزية البُرقع الأفغانيّ السلبيّة بمفعول تراكمات وبتأثير عملية ترميز دؤوبة نشطت فيها منظّمات وتشكيلات متعدِّدة وتلقّفت موادّها ومضامينها تغطياتٌ إعلاميّة حول العالم منحت البُرقع حيِّزاً سخيّاً من اهتماماتها. ولا يغيب عن الأذهان ما كان لهذه الدعاية من مفعول في محاولة التبرير الأخلاقيِّ الضمنيِّ للحرب الجديدة في أفغانستان واحتلال البلاد (2001)، ومن المرجّح أنها حيّدت بعضاً من فُرَص النِّقاش المشروع عن جدوى تلك الحرب ومقاصدها الفعليّة وما انطوت عليه من انتهاكات ثبت لاحقاً وقوعُها بأقدارٍ جسيمة في الميدان.

 

لم ينهض التّرميز السّلبيّ الذي لحق بالبُرقع الأفغانيِّ من فراغ، فهو حالة تطوّرية عن الموقف السلبيِّ الشائع في بيئات غربية من أغطية رؤوس النِّساء والفتيات المسلمات، كما جرى سابقاً تقديم "التّشادور" الإيراني (عباءة نسائيّة سوداء) بصفة مُتزامِنة مع الأزمة الحادّة والقطيعة بين طهران والغرب. تشير هذه الحالات، ضمناً، إلى أنّ جهود التّرميز السلبيِّ تغترف من القوالب النّمطيّة والأحكام المُسبقة المُستقرّة في الوعي الجمعيِّ للمجتمعات التي تُخاطبها، فهي تُفهَم ضمن النِّظام الرّمزيّ لهذه المجتمعات أساساً وقد لا تكون مفهومه بالمنحى ذاته خارجها.

 

الترميز بالكائنات الحية

من تقاليد التّرميز البصريِّ أن يقع توسيم Branding الأوطان والثّقافات والبيئات بثمار ومحاصيل ونباتات وأشجار وطيور وجوارح وكائنات حيّة وحيوانات أليفة أو مُفترسة. تمّ اتخاذ شجرة النّخيل، مثلاً، تعبيراً رمزيّاً عن العراق بحياله، فبلاد الرّافديْن اشتُهرت أساساً بهذه الشجرة الباسقة التي طبعت هويّتها البصريّة. وإن اختصّ المغرب الأقصى برمزية شجرة الأرغانة؛ فإنّ كندا اتّخذت من ورقة شجرة الإسفندان أو القبقب رمزاً لها وجعلتها في عَلَمها الوطنيِّ، أمّا نبات النّفل Shamrock ثلاثيّ الأوراق فبرز من الرّموز الوطنيّة لإيرلندا علاوة على رمز القيثارة الذي اتّخذته الدولة شعاراً لها. يشير هذا النّبات إلى رمزيّات متعدِّدة وثيقة الصِّلة بالهّويّة الإيرلنديّة، منها تعبيره عن "القدِّيس باتريك" الذي يُعدّ شخصيّة مركزيّة في الوعي التّاريخيّ الإيرلنديِّ، علاوة على تعبير الأوراق الثلاثة عن عقيدة التّثليث.

 

وفي تركيا توطّدت مكانة زهرة الخزامى Tulip لتغدو من الرُّموز الثقافيّة والوطنيّة للبلاد؛ تماشياً مع التّقدير الواسع الذي حظيت به هذه الزّهرة في العهد العثمانيِّ وتمدّدها إلى أوروبا بطريق العثمانيِّين، فهي عنصر أساسيّ واسع الحضور في الزّخارف التّركيّة، واتُّخِذت رمزاً ثقافياً للبلاد كما يتجلّى في تزيين طائرات الخطوط الجويّة التّركيّة بها. لا شكّ أنّ الانطباع الإيجابيَّ عن الزّهور عموماً يعود بمكاسب انطباعية ومعنوية عن ما ترمز إليه، وهذا ما سعت إليه هولندا أيضاً بطريق مغايرة؛ عبر رمزيّة الزّهرة ذاتِها.

 

وليس أدلّ على تحوير مغزى الرّمز من فكرة "شجرة عيد الميلاد"، التي تكون عادة من أشجار التنّوب أو السّرو وغيرها من الأشجار مخروطيّة الشّكل التي لا تتساقط أوراقها الإبرية في الشتاء. فأصل توظيفها يعود إلى ألمانيا، في عهود سابقة على اعتناق النّصرانيّة، إذ تعود تّقاليد تزيينها إلى طقوس وثنيّة قوامها تقدير الشّجرة وعبادتها، ثم وقع استيعاب هذا التقليد بمواصلة تزيينها في "عيد الميلاد"، ثمّ توسّعت من ألمانيا إلى أوروبا بدءاً من القرن الخامس عشر الميلاديّ، وغدت عبر القرون رمزاً مُعَوْلماً لاحتفالات هذا الموسم بما يتجاوز نطاق الطّوائف النّصرانية ذاتها.  

 

وفي فلسطين اتُّخِذت شجرة الزّيتون رمزاً من رموز الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة المتجذِّرة في التّاريخ، فكان من المنطقيّ أن تستلهمها مؤسّسات عدّة في شعاراتها البصرية، من قبيل جامعة بيرزيت ومركز الزّيتونة للأبحاث والاستشارات على سبيل المثال، فهذه الشجرة المباركة هي مدار تعبيرات شعبيّة وأدبيّة وفنِّيّة متعدِّدة. كما اكتسبت ثمرةُ البرتقال خصوصيّة التّعبير عن النّكبة الفلسطينيّة، لارتباط البرتقال عالميّاً بيافا المحتلّة سنة 1948، لكنّ دعاية الاحتلال بادرت إلى توظيفٍ عكسيّ لبرتقالة يافا، عبر انتحال اسم المدينة في العلامة الترويجيّة الشهيرة للثمرة في السوق العالمية والتعبير من خلال برتقالة يافا عن كيان الاحتلال ضمناً، وهي رسالة إلى العالم عموماً وإلى أوروبا و"الغرب" خصوصاً بتوظيف جاذبيّة الشّمس السّاحرة في المخيّلة الأوروبيّة والغربيّة التي تُعبِّر عنها برتقالة يافا وإعلانات التّرويج المُخصّصة لها.

 


إنّه نموذج لحالة توسيم كيان الاحتلال من خلال مُنتَج محدّد وعلامة تجاريّة شهيرة يتمّ اتخاذها مطيّة دعائيّة أو كناية عن بيئتها وبلد المنشأ أو الدّولة التي تنتجها، وأُريد للبرتقالة اليانعة أن تشير في هذا المقام إلى "أمّة مزدهرة ومتجددة" هي مجتمع المستوطنين المحتلين. وكما كانت برتقالة يافا مادة تجاذُب في صراع الرّمزيّة والترميز بين روايتيْن: رواية أصيلة ورواية إحلالية؛ فإنّ أسماء المُدن والمعالم في فلسطين ظلّت مساحة اشتباك أيضاً في الاتِّجاه ذاته، ومثلها بعض رموز الثقافة والفنون الشعبيّة الفلسطينيّة، علاوة على أطباق شامية وعربيّة ومتوسطيّة شهيرة. عمدت دعاية الاحتلال مع طبق الحُمُّص مثلاً إلى إعادة إنتاج خبراتها مع برتقالة يافا، مستفيدة في هذا من توظيف المَذاق المرغوب في تقريب الاحتلال ونظامه وجدانياً إلى الجمهور في بيئات متعدِّدة حول العالم. تشير هذه الحالة إلى تَفاعُل الرّمزيّة والتّرميز مع الحواسّ جميعاً؛ بما لا يقتصر على المجال البصري وحده. 

 

وفي أستراليا يكاد الكنغر والكوالا يُناظِران في رمزيتهما مركزية الحصان والجمَل والمَها عند العرب أو وَعل الرنّة في الشمال الاسكندنافيِّ والمجتمعات القطبيّة، ومثلها النمور في آسيا والفِيَلة في الهند وأفريقيا، والبَقر في الغرب الأمريكي، والجاموس في أقاليم آسيويّة وإفريقيّة ولاتينيّة، والدببة في روسيا. ومع كثير من هذه الكائنات وسواها بدأت حكاية الرمزية والترميز في الاجتماع البشري أساساً، دون أن تنفكّ عنها عبر آلاف السنين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة