بشار طافش
بشار طافش
3.1 k

ما الخلل الذي كشفت عنه برامج التجسس في إسرائيل بأنظمتنا؟

16/5/2019

لقد ارتبطت العديد من الأنظمة في المنطقة بدولة الكيان اليهودي الصهيونية، إن لم يكن جميعها، هذا الإرتباط كان مسألة حياة أو موت منذ أن تم إنشاء هذا الكيان، وتم العمل بجهد كبير من أجل الحفاظ على استمرارية وتعميق هذه الأنظمة طالما دولة الكيان بمأمن من شعوبها.

الواقع أن هذا الأمر بات لا يخفى على أحد الآن، حين أوعزت دولة الكيان اليهودي إلى هذه الأنظمة منذ نحو خمس سنوات، حسب إعتقادي، بأن استمرارية هذه العلاقة باتت مشروطة بإعلانها والتجاهر بها، تلك العلنية التي تعتبرها دولة الكيان حجر أساس المرحلة التالية، وهذا ما شهدناه مؤخرا من تجاهر وتفاخر بالعلاقات الوطيدة والقديمة مع دولة الكيان، ليس من نظام واحد بل من كل تلك الأنظمة حتى تلك التي كانت تغط في سبات عميق لعشرات السنين وما إن استفاقت حتى ارتمت مباشرة بحضن الكيان، وهذا دليل واضح على أنه كان هناك إيعاز، لا بل إنه ومنذ مطلع هذا العام يبدو أننا نمر بمرحلة جديدة من علاقات تلك الأنظمة بهذا الكيان، أطلقتُ عليها مرحلة، الإعلان والعمل، حيث بات من الواجب على هذه الأنظمة حث الأنظمة الأخرى على إقامة علاقات طيبة مع الكيان ونسيان الماضي والتسامح وإعطاء فرص، خاصة من تلك الأنظمة التي لم تطور علاقات وطيدة مع الكيان اليهودي بعد.

اليهود استثمروا علاقاتهم بهذه الأنظمة خير استثمار بما يعود بالنفع الكبير حتى على الطفل الرضيع في حضن أمه، ومن الطبيعي أن يعود هذا النفع أيضا على التجارة والصناعة والزراعة، حتى تلك الشركات الخاصة الناشئة

في الحقيقة ليس هذا المهم خلال هذا المقال، المهم أمران اثنان، الأول هو أنه بات واضح وجلي وليس خفيّ أن هناك مصالح متبادلة بين هذه الأنظمة وبين دولة الإحتلال، والأمر الثاني هو أن هناك خلل كبير يشوب هذه العلاقة التي يتم خلالها تبادل تلك المصالح، فالمكاسب التي تجنيها تلك الأنظمة من خلال علاقتها بدولة الاحتلال اليهودي لا يمكن مقارنتها البتة بالمكاسب التي جنتها وتجنيها الأخيرة بالمقابل، فدولة الاحتلال استطاعت أن تسوغ تلك العلائق تماما لتتماشى مع مصلحة قضيتها الصهيونية وشعبها، أما تلك الأنظمة فلم تسطع أن تسوغ تلك العلاقة سوى في سبيل واحد، ألا وهو الحفاظ على النظام قائم بمحسوبياته وفساده واستبداده، بينما تم نسيان الشعوب تماما من هذه المصالح، وتم نسيان البلد كامل، أليس هذا خلل واضح وفاضح؟

يعني أن اليهود استثمروا علاقاتهم بهذه الأنظمة خير استثمار بما يعود بالنفع الكبير حتى على الطفل الرضيع في حضن أمه، ومن الطبيعي أن يعود هذا النفع أيضا على التجارة والصناعة والزراعة، حتى تلك الشركات الخاصة الناشئة مثل شركات البرمجيات التي تُنشئ برمجيات التجسس واختراق الهواتف الذكية ومواقع التواصل الإجتماعي كتويتر وفيسبوك، وآخرها كان فضيحة اختراق تطبيق واتس أب في اليومين الفائتين، من خلال برمجية، بيغاسوس، من إنتاج، شركة إن إس أو، الإسرائيلية، ذات الباع الطويل في إنشاء مثل هذه البرمجيات المنشأة خصيصيا لتبيعها لأجهزة المخابرات، حيث باعت منتجاتها الخبيثة تلك لأكثر من 40 دولة حول العالم ومعظم هذه الدول هنا في الشرق الأوسط، تلك البرمجيات التي تستخدمها أنظمة تلك الدول من خلال مخابراتها في تتبع واختراق هواتف وحسابات معارضين وحراكيين وصحفيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان، وتستخدمها أيضا في التجسس على الموالين من الصحافيين والفنانين والسياسيين ورؤساء الأحزاب وضباط الجيش...إلخ من أجل الإيقاع بهم والضغط عليهم أو تدميرهم وفضحهم فيما لو اتخذوا يوما موقف معارض وانحازوا للشعوب المقهورة المقموعة.

شئ يبعث على الغثيان عزيزي القارئ، لقد استطاعت تلك الشركات الصهيونية استثمار غبائنا وسطحيتنا وخوفنا وتخلفنا وفقرنا بحيث خلقت لنفسها سوق ضخمة في بلدان هذه الأنظمة الإستبدادية، واسثمرت في خوف تلك الأخيرة أيضا من شعوبها بحيث وصلت تلك الإستثمارلت إلى عشرات المليارات من الدولارات، الأمر الذي ساعد على خلق قيمة مضافة هائلة هناك داخل اقتصاد دولة الإحتلال، حين باعتها برامج التجسس الخبيثة التي بُرمج الكثير منها ربما بادئ الأمر في مرآب منزل من قبل هاوي هناك بتل الزعتر، قبل أن تتطور وتباع بمئات الملايين من الدولارات لهذه الأنظمة المرعوبة من صحوة شعوبها.

أيضا شئ غريب عزيزي القارئ ولعلك تستغرب معي، أليس من الواجب مثلا أن تشتري حكومة دولة الإحتلال اليهودي الصهيونية تلك البرمجيات ثم تمنحها مجانا لتلك الأنظمة؟ أصلا حين تفعل ذلك فهي تحمي أمنها وأمن مواطنيها بشكل غير مباشر حين تساعد تلك الأنظمة على حماية نفسها من خلال منحها تلك البرمجيات الخبيثة مجانا، فهذه الأنظمة وُجِدت أصلا من أجل حماية دولة الإحتلال والحفاظ على أمنها، وهذا ما أعلنته تلك الأنظمة مؤخرا وبشكل صريح، وكان الواجب أيضا أن تُظهر تلك الأنظمة العين الحمراء وتطالب حكومة الإحتلال بمنحها تلك البرمجيات مجانا وفوقها حبة مِسك، وهذا أقل واجب حقيقة تفعله دولة الإحتلال لمن يقوم بحمايتها ليل نهار، حتى لو كان قيمة ما تدفعه هذه الأنظمة لقاء امتلاك تلك البرمجيات الخبيثة هو أصلا مأخوذ من دم الشعوب والغلابة، ومن قوتهم، وقوت أولادهم، ومن تنمية مدنهم وقراهم وزراعتهم وصناعتهم وتعليمهم وصحتهم وتأمينهم وكرامتهم.

أليس من الواجب على تلك الأنظمة فعل ذلك عزيزي القارئ؟ أصلا حين تفعل ذلك فهي تحفظ ماء وجهها على الأقل أمام شعوبها حين يتم فضح الأمور التي غالبا ما يتم فضحها في النهاية؟ على الأقل سيُطل علينا أحد المطبلين لهذه الأنظمة عشية الفضيحة ليخبرنا بأنه يتم الحصول على هذه البرمجيات مجانا وليس بمئات الملايين كما تفعل أنظمة أخرى ودول أخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وعندئذ سيصبح من الواجب علينا أن نفرح ونهلل ونطبل ونزمر ونرقص حين يتم التجسس علينا وعلى خصوصياتنا بالمجان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة