صالح أمهاوش
صالح أمهاوش
223

الحصن الرقمي.. الانطلاقة الأولى للروائي العالمي دان براون

30/5/2019

لقد برز في العقدين الأخيرين كاتب أمريكي خلق زوبعة في مجال الرواية و"فوضى" كبيرة من خلال كتاباته التي حققت طفرة هائلة في عدد المبيعات، وذلك بفضل المواضيع الشيقة التي تعالجها وكذا حبكتها المذهلة التي تتضمنها رواياته، في قالب سردي هائل يخلب ذهن القارئ ويشده بقوة إلى الغوص في أعماق الأحداث والعيش معها إلى أقصى درجات الانسجام والتأثر، روايات أقل ما يقال عنها أنها صدمت عالم القراء بعمقها وجماليتها الفذتين، كيف لا وهي نابعة من أنامل دان براون التي تبدع في صنع أروع ما ينتجه الخيال الأدبي، هذا الأمريكي صاحب 55 ربيعا مزهرا بلا شك، المزداد بمدينة نيوهامشير الأمريكية، من أبوين مثقفين، أستاذان جامعيان في كل من مادتي..

استطاع أن يؤلف روايات ضخمة من حيث الإبداع والكم الهائل من المعلومات التاريخية التي تحتويها في الدين والمعمار وغيرهما من المجالات الأخرى، يربط من خلالها الأحداث ببعضها البعض في تسلسل رهيب وتشويق غرائبي عجيب، لا يماثلها في الروعة، ربما، إلا روايات أغاثا كريستي، وتدخل روايات براون ضمن عالم الرواية البوليسية، رواية الجريمة والتشويق التي يكون فيها تحقيق وبحث ومطاردات، وما يميز روايات دان براون هو واقعيتها من حيث المعلومات التي تتضمنها، أي أنها ليست بالخيالية المحضة على النمط الذي تتَبّعه باقي الروائيين البوليسيين المعروفين، بل هي روايات تثقيفية تعالج قضايا تاريخية ودينية وعلمية، وتعكس الثقافة الواسعة التي تُميز هذا الكاتب المبدع، وبالرغم من أن رواية "شيفرة دافنتشي" الأشهر من نار على علم، كانت سببا بارزا في شهرته التي تخطت العالم الغربي إلى العالم العربي وغزته بقوة، إلا أن بدايات الكاتب كانت مع رواية "الحصن الرقمي"، موضوع مقالنا، والمحطة الأولى لانطلاقته الهائلة في مجال التأليف والكتابة، وذلك في سنة 1998، لتتوالى بعدها باقي رواياته التي بلغت، حد كتابة هذه الأسطر، 7 روايات، آخرها رواية "الأصل" التي صدرت نسختها المترجمة بالعربية في يناير 2018.

كانت البداية بموت إنسي تانكادو المفاجئ، كما هي عادة براون في كتابة رواياته، حيث تتصدرها غالبا جريمة قتل محيرة، ثم يبدأ بعدها في إطلاق خيوطها بسلاسة لتجعل من ذهن القارئ متيقظا ومنتبها

تعالج رواية "الحصن الرقمي" موضوع الأمن المعلوماتي، إنسي تانكادو الرجل الياباني الذي تمرد على وكالة "إن إس إيه" الأمريكية للأمن القومي بعد أن كان عاملاً فيها، والتي تتخصص في علم التشفير لفك كل الرسالات التي تتبادلها العصابات الإجرامية والجماعات الإرهابية فيما بينها عبر العالم، لكن الظاهر أن تانكادو انتقم من الوكالة باختراع شيفرة غير قابلة للحل نهائيا، شيفرة غامضة أعجزت الوكالة الأمريكية وجعلتها تعيش حالة من الرعب والفوضى والقلق، شيفرة محيِّرة ومعقَّدة قادرة على تعطيل استخبارات الولايات المتحدة بضربة واحدة، سماها الكاتب "الحصن الرقمي"، وهدفها تدمير الوكالة وإفقادها تلك القيمة الكبيرة التي تميزها في حفظ أمن أمريكا القومي، وفي خضم هذه الأحداث المتراكبة والمشوقة، يستعرض دان براون الكم الهائل من المعلومات في علم التشفير وفي عالم الحواسيب عموما، تخال نفسك للحظة أنك أمام عالم متخصص لا إزاء مجرد كاتب روائي كباقي الروائيين، وأيضا في وصف المعمار الذي بُنيت به الوكالة والدقة التي أُنشئت بها، وتدور أحداث الرواية في كل من أمريكا وإسبانيا واليابان، في مطاردات هوليودية هدفها إيجاد حل للشيفرة المعقدة التي وضعها تانكادو، شيفرة سيحاول حلها كل من الدكتورة المتخصصة في الرياضيات سوزان فليتشر ونائب رئيس الوكالة تريفور ستراثمور بمساعدة الشاب الذكي ديفيد بيكر، رواية فيها جرائم قتل ومفاجآت صادمة برع الكاتب في سردها بشكل مذهل.

كانت البداية بموت إنسي تانكادو المفاجئ، كما هي عادة براون في كتابة رواياته، حيث تتصدرها غالبا جريمة قتل محيرة، ثم يبدأ بعدها في إطلاق خيوطها بسلاسة لتجعل من ذهن القارئ متيقظا ومنتبها، محاولا أن يجمع ذلك التشتيت الذي أربكه في البداية، فغالبية الروايات البوليسية تمهد لأرضية قارة لأي جريمة قتل، محاولة وضع القارئ في سياق أحداثها، ومتتبعا للمعطيات المذكورة في البداية والتي تأتي لاحقا بشكل منسجم فيتكشف الموضوع شيئا فشيئا، وإن كانت بعض الروايات البوليسية تضع القارئ في وضع يُشعره بالملل والضجر وهو يتابع تلك التفاصيل الأولى للرواية، تُفقد بعضهم لذة المتابعة، وتجعلهم لا يكملون روايتهم ويستسلمون في أول الطريق، فإن رواية الحصن الرقمي، تشدك في أول الطريق وترغمك على البقاء في أحضانها منتظرا ما ستنتهي بها، بعد أن بدأت بجريمة قتل غريبة، ولكي تزيد من جماليتها وحبكتها، لا بد من وضع مشكلة تكون أساسا صلبا لاستمرار السرد ومقدمة متينة لبناء الأحداث القادمة، فكانت المدة الطويلة في محاولة فك الشيفرة المعقدة من طرف رئيس الوكالة، فقد بلغت 15 ساعة ولا تزال "الترانسلتر" مستمرة في بحثها لفك الشيفرة.



هذا ما أدهش سوزان، العاملة في الوكالة مذ كان سنها 28 عاما كأصغر شابة تعمل في وكالة من أكثر الوكالات سرية في العالم، وقد كانت الشيفرة عادة ما تستغرق مدة وجيزة حتى يظهر حلها وتحليلها من طرف الترانسلتر العجيب، هذه القطعة الحاسوبية المسؤولة عن حل الشيفرات، مما جعل ستراثمور نائب رئيس الوكالة إلى جانب سوزان يصابان بنوبة من الصداع والحيرة، جعلتهما، للحظة، مكتوفَي الأيدي لا يعرفون ماذا يصنعون، حتى جاءهم خبر موت تانكادو، الأمر الذي دفعهم إلى البحث عنه، فقد يكون بحوزته حل للشيفرة التي ستدمر أعظم أجهزة وكالات الاستخبارات في العالم، فكلف ستراثمور ديفيد بيكر في مهمة غاية في السرية إلى إسبانيا للبحث عن تانكادو وكل ما يحوزه، لعلهم يعثرون على الحل النهائي لهذه المعضلة، وهنا نقف وقفة موجزة للتعرف أكثر على طريقة براون في الكتابة والسرد، فهو دائما ما يسافر بنا بين عالمين مختلفين أو حتى عوالم مختلفة في بعض المرات، عالمين متباعدين بينهما في المسافة متحِدَين في الموضوع والأحداث، ولهذه الطريقة دور لطيف في كسر أي روتين يتسرب إلى أحداث الرواية قد يستشعرها القارئ، فالانتقال من مكان إلى آخر بشكل متناوب يجعل سلسلة التشويق مستمرة يشد بعضها بعضا، كما يجعل ظهور حل اللغز يقترب أكثر فأكثر إلى مساحة مشتركة تكون خاتمة جميلة وماتعة، فيخرج القارئ بفائدة ورضا منقطعي النظير.

كان تانكادو يهدف لتدمير بنك معلومات "إن إس إيْ"، هو تحدي في وجه الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولة جريئة لإذلال الوكالة ومعها كل أجهزة الدولة الأمريكية، رافعا بذلك شعارا واضحا كرسالة موجهة للوكالة ومعها كل القائمين عليها والداعمين لها، "أخبروا العالم عن الترانسلتر، الحقيقة وحدها يمكنها إنقاذكم الآن"، هي حقيقة الترانسلتر إذن، آلة تجسس حول العالم، تستهدف خصوصية الناس وتطلع على أسرار حياتهم، وهو ما تصر الوكالة على إنكاره، حتى لا تضع نفسها في مواجهة المجتمع الدولي كاملا، وهذا التحدي الذي وضعه للوكالة راجع بالأساس إلى الجريمة التي تعرض لها تانكادو في صغره، أبشع جريمة في التاريخ الإنساني، تدمير أمريكا لليابان بقنبلتي ناغازاكي وهيروشيما، فإذا كانت اليابان نسيت ما ألحقته بها أمريكا قبل 74 عاما، فإن تانكادو لم ينس شلك، ولن ينسى أبدا كمَّ المعاناة التي تجرعها بسبب القنبلتين وأثرها على جسمه الذي عانى تشوهات خلقية فظيعة لازمته طيلة حياته.

اختُتِمت الرواية بانتصار للوكالة وإيجاد حل للشيفرة التي كادت تُسرِّب كل المعلومات التي يحتويها إلى العالم بأسره، والمكونة من رقم واحد بسيط، جاء نتيجة عمليات بحث وحسابات معقدة، لولا وجود الرقم الذي أوقف عمل الشيفرة الذي كان يسعى بالأساس لاستهداف سرية الوكالة وفضح خصوصيتها، لانتصر تانكادو على الوكالة بكل عامليها وموظفيها ومخططيها الأذكياء، هي معركة انتقامية بينة المعالِم، خاضها تانكادو ضد الوكالة باعتبارها الوجه البارز للولايات المتحدة، معركة لم تنطفئ نارها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم تسقط أبدا بالتقادم، بل استأنفت سعيرها بهيأة جديدة مختلفة، بهيأة حرب التكنولوجيا والعقل، حرب باردة إن جاز إطلاق هذا الوصف، لكن هذه المرة بين عبقري ياباني شرس في مواجهة جهاز منظم متكامل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة