مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
232

عن السياسة القذرة والعالم التافه..

19/5/2019

ثلاثة أشخاص أدركوا أهمية أن يكون لهم قائد، يوزع المهام فيما بينهم ويسهر على خدمتهم، هكذا دون مؤامرات ودون دسائس، ودون أي مطامع ذاتية أو أهواء سلطوية منحرفة فكروا بوضوح واستقامة في ذلك! من سيختارون؟ ربما أكثرهم تفانياً، أو لعله الأذكى أو ربما الأكبر سناً والأكثر حكمة بينهم. بهذه البساطة أتخيل أن السياسة قد بدأت في المجتمعات الإنسانية القديمة، باعتبارها عمل مستقيم وسامي، يستقطع فيه المرء جزءاً من وقته الخاص وجهده الشخصي لينفقه على أفراد جماعته دون أي منفعة مباشرة تعود عليه، اللهم إلا الثناء والتقدير المعنوي الذي قد يجده لقاء ذلك.. بهذا المعنى لم تكن السياسة مهنة جاذبة، ولا أعتقد أن أحداً كان يسعى إليها وإنما في الغالب يتم فرضها فرضاً على أشخاص ملائكيين ليتحملوا متاعبها ومسؤولياتها الجسام.

 

لكن البشر وعلى طول تاريخهم على الأرض أدهشونا بقدرتهم العجائبية في تحويل كل ما هو سامي وجميل إلى كومة من الانحطاط وكل ما هو مستقيم وواضح إلى معوج وغارق في التيه والضلال، حتى أديان السماء عندما هبطت إلى الأرض وتلقفتها أيدي البشر الطينية تلوثت بقذاراتهم وأهوائهم فقتلوا باسمها وسرقوا ونهبوا تحت راياتها وهم متلحفين بآياتها وشعاراتها..!

الحياة بأسرها صارت مجرد واجهة سياسية ضخمة ومسرح عرائس موغل في السخرية، أحياناً يُخيًّل إليّ أن المَخرج الوحيد من هذا الواقع المرير هو أن نحفر حفرة عملاقة ونلقي فيها كل ساسة الأرض

السياسة ليست استثناء من كل هذا، إذ أن أهواء البشر قد نجحت في تجيِّرها لصالحها، فبعد أن كانت نوراً ينير الدروب صارت اليوم ناراً تحرق ولا تضئ، لا تجذب نحوها سوى الوحوش البشرية الطامعة في المكاسب التي تقبع خلفها، وتحولت في نهاية المطاف من مهنة سامية ومستقيمة إلى كومة متحركة من القذارة والخبث البشري.. هذه القذارة وهذا الخبث هما من صنع هذا العالم الذي نعيش فيه، عالم تمت هندسته بالكامل من خلال الدسائس والمؤامرات، عالم يحتقر الإنسان ويُجيِّر الحقيقة، يقدس اللا معنى والعبثية..

 

الأفكار فيه خلعت عنها مثاليتها ولم تعد تخدم إلا أهداف سدنتها الشخصية، الكل فيه يتآمر على الكل، رأسمالية هناك بمصانع عملاقة تنتج لنا الأسمنت والبؤس والهواتف الذكية، واشتراكية هنا تؤمن بمساواة البشر في وسائل الإنتاج والظلم والإذلال.. شعارات مزيفة وحناجر احترفت الكذب والمراوغة.. أزياء جميلة وسيارات فارهة، قصور عالية ووجوه منعمة.. ونعيم مزيف بعناية وكأنما لا ينقصه إلا الخلود والأبدية.. أما على الجانب الآخر من العالم فيقف البؤساء كما يسميهم فيكتور هوغو.. مسامير الأرض كما يسميهم بركة ساكن.. أولئك المساكين الذين يتم خداعهم مراراً وتكراراً بذات الشعارات.. الشواكيش دائماً على رؤوسهم والأقدار لم تكن يوماً في صالحهم، بدونهم الأرض ستتوقف عن الدوران، لكن العالم الجميل لا يهتم وهم لن يتوقفوا عن مزاولة بؤسهم بأي حال.  

 

حتى وإن تصالحوا يوماً مع العالم فإن هذا العالم التافه لم ولن يتسامح معهم، فهم على كثرتهم أرقام وعلى فقرهم بضائع ثمينة في متاجر السياسة، جنود وضحايا في آن واحد، مواطنين صالحين ومتفرجين على مسرح العالم الكبير، يستعين بهم الساسة من حين لآخر ومن انتخابات لأخرى، ومن حرب دامية لأخرى أكثر دموية.. يجري استدعائهم -كأي كوبارس تافه- ليقرءوا جزءاً من النص ويلعبوا دورهم المعتاد في مسرحية العالم الرخيصة لقاء أجر زهيد.. أجر يكفي فقط ليمنع عنهم الموت دون أن يبلِّغهم الحياة!

 

الحياة بأسرها صارت مجرد واجهة سياسية ضخمة ومسرح عرائس موغل في السخرية، أحياناً يُخيًّل إليّ أن المَخرج الوحيد من هذا الواقع المرير هو أن نحفر حفرة عملاقة ونلقي فيها كل ساسة الأرض وسدنة الإجرام الأنيق.. أن نرمي بهم جميعاً هناك ونشعل فيهم النيران لِنُخلِّص الأرض من خَبَثها وبؤسها الطويل! لكن أعود وأتذكر أن هكذا حلول ريديكالية لا يستطيعها البشر، هي من مهام الإله وحده، أما نحن البشر المساكين فلا نملك إلا المقاومة الضعيفة والمدافعة البائسة عن أحلامنا المتواضعة بعالم يحقق لنا الكفاف من الحرية والسلام..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة