القرني.. الاعتذار كخيار ثالث بين المعتقل والمنشار

20/5/2019

القرني الذي دوخنا شعرا ونثرا وخطابة يعتذر أخيرا عن مسيرة دعوية حافلة بالكثير من نتاجاته الفكرية والدعوية. فهل كل ما قاله باطل وعليه أن يأتي بالجديد؟!، والمتابع لكل تلك المحاضرات والكتب التي نشرها والمدونات التي خطها لا تمس نظام الحكم في المملكة لا من قريب أو بعيد سلفي من السلف وجهادي مع المجاهدين وعلى دين الدولة ومذهبها ورؤيتها لسانه جاهزة للحديث في كل أمر لا يمس النظام بأذى.

  

في هذا المتاح تحركت قريحته تأليفا وخطبا وشعرا ونثرا، نجومية القرني في فترة ما تجاوزت أرقام قياسية بروعة أسلوبه وبيانه ودقة إعداده لمواضيع تلامس الواقع وتذكر المسلم بما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، هو القرني الذي صبغت طريقة إلقائه الكثير من الخطباء الناشئين الذين قلدوه في نبرات صوته وحركات يده وإيماءته، حاز النجومية فيما كتب وما ألف وما قاله عبر جميع الوسائل المتاحة وصار شخصية مؤثرة تجاوزت حدود المملكة إلى أقطار عربية وإسلامية، الكثير من الشباب رآه القدوة والبعض رأه بغلو يمثل الدين الاسلامي وقيمه وأحكامه.

 

ما يحدث في المملكة حداثة دينية مفروضة بقوة الامير الشاب المتعطش وعلى كل عالم أن يراجع حساباته في فتواه ومذهبه وفق ما يريده الأمير ويرضاه

ما الذي تشدد فيه ليعتذر عنه وما الخطأ فيما قال وما كتب مقارنة بكثير من مشايخ السلف المتشنجين في فتواهم وجدليتاهم الفقهية التي تصنف وتكفر وتبدع وتسفق وتدعو إلى الجهاد بلا تورية، زمن الصحوة الذي ينتسب إليه القرني ويصنف أحد رموزه هو الذي ناضل رجاله بالكلمة والكلمة وحدها ضد سياسات الدولة السعودية في فترة التسعينات التي ناهضت دخول الجيش الامريكي الأراضي السعودية أبان حرب الخليج الأولى فأين كان القرني يومها وأين هو من جراءة رائد الصحوة عبد الرحمن الدوسري واخرون الذين تحملوا ثمن ما يدعون إليه.

 

الأزمة التي قادتها الصحوة يوم ذاك وهي الوحيدة التي تعرض لها النظام في تاريخ حكمه منذ النشأة، القرني عاش الحزن كحالة نفسية ثم ألف كتاب لا تحزن ليرمم ما يعانيه من هواجس وكأنه في هذا الكتاب يريد أن يتصالح مع الحياة وفق منظور إنساني يعتقده ويريده أن يتحول إلى قناعة تخفف نوبات القلق والاكتئاب الذي يعانيه، ألف الكثير من الكتب في العقيدة والدعوة والسلوك. أتذكر في فترة ما أنه أعلن اعتزاله الدعوة والخطابة وتداولت العديد من الأخبار حول قراره سرعان ما عاد للحديث والخطابة والتغريد وهذا ما يعكس نفسية غير مستقرة ليس إلا.

 

كم مرة دخل السجن وكم قضى فيه مقارنة بجيل رموز الصحوة كسفر الحوالي وسلمان العودة والعمر وأقرب المقربين إليه عوض القرني هل كان يقف في موقف تقية في كل الأحداث التي تعرض لها رموز الصحوة أم أنه دفع ثمن الكلمة التي قالها وخالف فيها النظام ليعتذر منها لاحقاً، المتابع لكل ما قاله وكتبه القرني وتحدث فيه وحاضر بعد من العموميات التي لا تمس نظام الحكم في أدنى أشارة أو رمز أو لمز.

 

من يتذكر عبد الله القصيمي الذي عاش سلفياً وحياة دينية معقدة انتهت به إلى حالة توازن عاشها في مصر رغم ما قيل عنه من التكفير والتبديع العصيمي الذي ألف أروع الكتب في العقيدة انتهى به الآخر إلى شخصية متدينة مرنة لا ترى في الموسيقى والرقص أي حرمة يوم تخلى عن المدرسة الوهابية وهو أبرز أقطابها والمع مشائخها.

 

القرني المسكون حزناً على مصيره يخشى المعتقل الذي استعلت عليه إرادة وصلابة سلمان العودة كما يخاف من المنشار الذي قطع جسد جمال خاشقجي

ما يحدث في المملكة حداثة دينية مفروضة بقوة الامير الشاب المتعطش وعلى كل عالم أن يراجع حساباته في فتواه ومذهبه وفق ما يريده الأمير ويرضاه فهل بلغ الأمير بن سلمان درجة كبيرة من الأستاذية والاجتهاد وغربلة الدعوة الوهابية ومخرجاتها الفكرية ويخرج برؤية فكرية وفقهية كمراجعة للمدرسة الوهابية ليأتي شيخ بلغ من النجومية ما بلغه القرني فيقول انه على الدين الذي دعا إليه بن سلمان.

 

القرني وكتابه لا تحزن الكتاب الأكثر تداولا بين الشباب يبدو أنه يعيش حالة من ذوبان الشخصية تؤثر السلامة وتمجد الحياة على حساب ما يؤمن به من ثوابت وقيم، في المحن ثبت أبن حنبل وسيد قطب وابن تيمية وآخرون ودفعوا ثمن ما يؤمنوا به في حياتهم، القرني إذن ظاهرة شكلية فارغة من المحتوى الذي تستخدمه لتلميح نفسها كل التيارات الفكرية يحدث لها مراجعات في تاريخها ناشئ عن تجدد المعطيات على أرض الواقع فتتغير رؤيتها الاجتهادية وفق هذا الواقع المتغير ويكون التغير من صميم قناعتها هذا على مستوى الجماعات والأفراد على حد سواء.

 

عائض القرني ماذا تغير لتتغير قناعاته وهل التغير ناشئ عن قناعة ذاتية أم استجابة لمزاج الأمير الشاب الذي يدعو إلى إسلام منفتح وإلى واقع مختلف ليدور القرني مع الزجاجة حيث دارت، مسيرة القرني الدعوية أذن تغيرت أو لنقل انتهت إلى نفق حدد ملامحه الأمير بن سلمان بالمزيد من البارات والباريهات ودور السينما والمراقص كشأن يخص المجتمع السعودي أما ما يخص قضايا الأمة العربية فالتطبيع العلني مع اسرائيل والوقوف مع صفقة القرن الذي أسفرت عن اعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل القدس التي تغنى القرني بها شعرا واتخذها قضية.

 

القرني المسكون حزناً على مصيره يخشى المعتقل الذي استعلت عليه إرادة وصلابة سلمان العودة كما يخاف من المنشار الذي قطع جسد جمال خاشقجي. مات جمال وبقيت كلامته حره وعاش القرني وقد فقد البريق، عائض أعتذر لا عن قناعة ولكنه الخيار الثالث الذي ارتضاه لسلامته من أن يكون معتقلاً أو ضحية منشار في منفى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة