لماذا يشعر الكُتّاب بالذنب بعد الكتابة؟

27/5/2019

لا شك أن طائفة صالحة ممن تمارس نشاط الكتابة، يداهمها على فترات متباينة شعور غامض، شعور يحمل بين طياته شحنات سلبية تكفي لدفع المنخرط في التجربة الكتابية لأن ينحى على نفسه باللائمة، هذا اللوم الذي ما يفتأ يتحول إلى غضب وتمرد على شيء ملفع بسدف الغبش. في الواقع يصعب توصيف هذا الشعور، وبالتالي تصعب تسميته أيضا، غير أن الأقرب إلى الطبيعة النفسية للكاتب، أن نطلق عليه سمة "ذنب الكتابة" أو "ذنب ما بعد الكتابة" على غرار قولهم: "اكتئاب ما بعد تحقيق الحلم" حيث يلفي المرء نفسَه بعد تحقيق هدف كان منشودا، في مواجهة ثقل الذات؛ لذلك يهرول فيسرع فيرسم لنفسه حلما آخر يفر إليه، هروبا من نفسه ومن وطأة جاثوم الزمن.

يروح ضحية "ذنب ما بعد الكتابة" في الغالب أولئك الذين دأبوا على نشر مكتوباتهم في الفضاءات العامة، والحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لذلك فإنك تراهم في أحايين كثيرة يعتذرون عن أشياء وهمية، ويبررون ما قد تحمله كتاباتهم من أفكار أو رسائل، بل إن بعضهم لم يستطع المجابهة طويلا، فانسحق تحت ثقل الشعور بالذنب، فترك الكتابة رأسا. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه يظل على الشكل التالي: هل هذه السيكولوجية حديثة حداثة هذه المواقع؟ حيث اختلط الحابل بالنابل، وأصبح كل الناس كتابا وشعراء ومفكرين لا يشق لهم غبار؟ أم إن الأمر عريق عراقة النفس البشرية؟ وقديم قدم الكتابة؟

الثقافة العربية لها ارتباط وثيق بشكل أو بآخر بأخلاقيات ما جاء به الدين الحنيف، ولعل من أبرز المبادئ الأخلاقية في الإسلام، التواضع وخفض الجناح، في مقابل ذم التكبر والتنقيص من شأن صاحبه

في صدور الكتب القديمة، دائما ما نتعثر بموضوعة ما تلبث تتكرر تكررا لافتا، حتى لقد أضحت تقليدا أدبيا يميز كتب القدماء "قد يكون مطابقا للحقيقة، وقد يكون تقليدا اتبعه المؤلف، تقليدا نجده بشكل أو بآخر في افتتاحيات أغلب الكتب"، مفاد هذه الموضوعة: أن مؤلف الكتاب، لم يتكلف عناء التأليف عن طوع منه، وإنما ألجئ إلى ذلك إلجاء، صدر هذا الإلجاء عن جهة عليا ذات سلطة رفيعة، قد تكون هذه الجهة خليفة أو أميرا، وقد تنحدر قوتها السلطوية، لتتمثل في صديق أو طالب يلتمس من شيخه بوصفه مالكا للمعرفة أن يبسط علمه بين دفتي كتاب، حتى تكون الفائدة أوفى.

وبالجملة، فإن الكاتب في هذه الحال، يؤطر نفسه قبل مباشرة فعل التأليف في صورة ضحية ورطها الآخرون لتكتب، بخصوص هذا الصدد نلفي أبا حيان التوحيدي، صاحب البصائر والذخائر، في مقدمة كتابه الإمتاع والمؤانسة، يحرص حرصا شديدا على تبيان المسوغ الذي دفعه لتأليف الكتاب، خلاصة هذا المسوغ: أنه لم يؤلف كتاب الإمتاع والمؤانسة عن إرادة منه؛ بل كان ذلك بطلب من ولي نعمته أبي الوفاء، وأن هذا الطلب صدر تحت خطاب التهديد: "ومتى لم تفعل (أي ومتى لم تدون) فانتظر عقبى استيحاشي منك، وتوقع غفولي عنك...".

وبقريب من هذا، يوضح عبد الفتاح كيليطو في الأدب والارتياب، أن الكتابة مقترنة بالذنب، تماما كما هو الأمر مع "الحب" حذوك النعل بالنعل: "وينطبق هذا أيضا على الكتابة... وإلا كيف نفسر أن ابن حزم يقدم كتابه (طوق الحمامة) وكأنه صادر عن صديق طلب منه إنشاءه؟". أيضا، نجد نفس اللازمة تتكرر عند الجاحظ في مطالع كتبه، يقول في صدر مقدمة البخلاء: "تولاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته. ذكرتَ -حفظك الله- أنك قرأتَ كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفصيل حيل سراق الليل... وذكرت أن قدر نفعه عظيم وأن التقدم في درسه واجب... وقلتَ اذكر لي نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء...".

تعليقا على ما سبق يمكن أن نتساءل: لماذا يعمَد القدماء إلى تصدير كتبهم متوخين هذا الضرب من المقدمات؟ وهل بالفعل صدرت هذه الكتب نتيجة طلب خارجي؟ وأنه لولا ذلك لما برحت حيز العدم؟ ثم هل نحن ملزمون بتصديقها؟ وهل يعقل أن تكون معظم كتب الثقافة الكلاسيكية نتاجا لهذا النوع من التأليف، "الكتابة تحت الطلب"؟ وأن أحدا منهم لم يقصد الكتابة لمجرد الشغف بالكتابة؟ ثم ما الذي يمنع من القول: إن الكتابة تحت الطلب كان أمرا واقعا متحققا في البداية، ثم لما تكرس فعل التأليف في الثقافة العربية، أضحى تقليدا يتبعه الْكُتَّابُ؟ فإذا كان ذلك كذلك، فإننا نتساءل أيضا عن الدواعي التي جعلتهم يقرونه؟

من المعلوم أن الثقافة العربية لها ارتباط وثيق بشكل أو بآخر بأخلاقيات ما جاء به الدين الحنيف، ولعل من أبرز المبادئ الأخلاقية في الإسلام، التواضع وخفض الجناح، في مقابل ذم التكبر والتنقيص من شأن صاحبه؛ لذلك فإن الغالب على الظن أن القدماء، كانوا يتحرجون التحرج كله عند عرض عقولهم وما يصدر عنها من معارف بين الناس تواضعا، كان هذا في البداية، ثم لما تطاول عليهم الزمن لم يمنعهم الحال من توظيف نبرة التواضع هذه خشية الألسنة الناهشة للأعراض، المبخسة للشأن، لا لشيء إلا لأنهم نذورا أنفسهم للكتابة، دون أن يكون هذا التصدر طلبا من جهة رسمية التمست منهم ذلك، تكون المسوغ والمؤشر الواضح الذي يحفظ ماء الوجه، ويدعو إلى الكتابة بقلب مطمئن، ولا شك أن هذا شعور قريب من الإحساس بالذنب، حيث يبدو فعل الكتابة خطيئة ما لم يكن عن طلب!

فالكاتب مهما تكلف التقرب من القارئ، فإنه يظل يوجس منه خيفة، بل الأمر يزداد تعقيدا، فيعزم الرجل على كتابة كتاب، ثم لا يخامره شك في أنه إنما يتوجه به إلى عدو، متمثلا عن وعي أو عن غيره قول الجاحظ: "وينبغي لمن كتب كتابا ألا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء"، يعلق الباحث المغربي عبد الفتاح كيليطو على هذا قائلا: "وويل لمن ينسى هذه القاعدة ولا يكون في حالة استنفار قصوى!". أخيرا يمكن القول: إن شعور الذنب الموازي للممارسة الكتابية، لم يكن آفة من آفات الإنسان المعاصر، بل هو -كما تبين- حالة نفسية لم يسلم منها حتى العظماء، أضراب الجاحظ والتوحيدي وابن حزم، فاكتب إذن، ولا تحفل بذنب الكتابة، فهو ليس سوى وهم يتراءى لا جوهر له ولا خطر.
--------------------------------------------------------------------------------------
المصادر والمراجع:
-البخلاء، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق وتعليق: طه الحاجري، دار المعارف.
-الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، تحقيق: عبد الرحمن المصطاوي، دار إحياء التراث العربي.
-الأدب والارتياب، عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة