الحرب النفسية.. حرب تغيير السلوكات والقناعات

26/5/2019

"من الأفضل مهاجمة تفكير العدو، بدلا من البدء بشن الهجوم على مدنه المحصّنة"
-صن تزو


عند كتابتي لهذا المقال لم أرد منه الحديث عن أساليب هذه الحروب النفسية واستراتيجياتها بشكل موسع، ولكن وددت منه توضيح معنى الحرب النفسية بالأساس وتاريخها وأنواعها وأهدافها التي ترنو إليها. إنّه يمكننا القول إنّ الحرب النفسية هي "حرب العصر"، حيث أنها حرب تغيير السلوكات والقناعات وميدانها الشعوب والأفراد مدنيين كانوا أم عسكريين، وهي من أخطر الأسلحة لأنها تقوم على إضعاف معنويات الخصم وتحطيم إرادته وهنا مكمن قوتها، إضافة لذلك فقد أصبح من الصعب على الدول -حتى العظمى منها- تحمل تكاليف الحرب العسكرية المباشرة التي تستنزف طاقاتها المالية والاقتصادية بشكل هائل، خاصة مع ترّدي الوضع المالي والاقتصادي لأكبر الدول في العالم، إضافة إلى رفض معظم شعوب تلك الدول بالزج بأبنائها في أتون الحروب المشتعلة، فلذلك اختارت تلك الدول أن تهزم أعدائها وتحكم سيطرتها عليهم من خلال ممارسة الحرب النفسية، فأنشؤوا في سبيل ذلك مكاتب تكون تابعة لأجهزة الاستخبارات عادةً، شغلها الشاغل التخطيط ووضع الاستراتيجيات لهذا النوع من الحروب، وهمّها نشر الشائعات وزرع الفتن، والترصد والتضليل ضد أعدائها لحماية أمنها القومي على المدى البعيد كهدف رئيسي قبل كل شيء.

قد نجحت تلك الدول في أغلب الأحيان في تحقيق أهدافها بدون النزول إلى الأرض أو تعريض جنودها للخطر، ولكن في بعض الأوقات الأخرى تكون الحرب النفسية مقدمة للحرب العسكرية مثلما وقع في العراق مثلا، فيتم إطلاق الترسانة الإعلامية، والعمل في الخفاء، لتعبيد الطريق للقوات المهاجمة بعد ذلك.. الحرب النفسية هي حرب معنوية بالأساس اختلف المتخصصون في مبناها اللغوي فمنهم من يطلق عليها حرب العصابات والحرب الباردة أو حرب الأفكار والحرب الدعائية، ولكنهم جميعا اتفقوا على معناها، بأنها شكل من أشكال الصراع الذي يهدف للتأثير على الخصم وإضعاف معنوياته وتوجيه فكره وعقيدته وآرائه وإحلال أفكار أخرى مكانها تكون في خدمة الطرف الذي يشن الحرب النفسية، إذا فهي حرب لا يمكن مواجهتها الند للند لأنّها تدور في الظلام وخلف الأستار وتتغلغل بدون لفت الأنظار أو إحداث أي ضجيج.

من أغرب ما حدث في تاريخ الحرب النفسية ما قام به ملك الصين القديمة المدعو جوجيان الذي كان يضع في الصف الأول عددا من جنوده الأوفياء ويأمرهم بقطع رقابهم بأيديهم، الأمر الذي يسبب صدمة لدى جنود عدوه

وقد تعددت التعريفات للحرب النفسية وتنوعت، حيث يُعتبر الكولونيل بلاو أول من وضع أسس الحرب النفسية وذلك عام 1935، إذ كان يشغل منصب رئيس المعمل النفسي في وزارة الدفاع، بينما كان أول ظهور لهذا المصطلح بشكل رسمي على يد الأمريكي لينبارجر سنة 1954 حيث يقول إنها الاستخدام المنظم للدعاية والتدابير الإعلامية المقاربة بهدف التأثير في آراء وعواطف فئات الأجانب في البلدان المعادية من أجل تحقيق أهداف السياسة القومية أو الأهداف العسكرية، بينما تعرّفها وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون بأنها استخدام مخطط من جانب دولة أو مجموعة من الدول للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية التي تستهدف جماعات معادية أو محايدة أو صديقة بغية التأثير على آرائها واتجاهاتها وسلوكها بطريقة تساعد الدول المستخدمة لهذا المخطط على تحقيق سياساتها وأهدافها ومصالحها، ويمكن القول كتعريف إجرائي بأنها حملة شاملة تُستعمل فيها كل الأدوات المستطاعة وكل الأجهزة للتأثير في عقول جماعة محددة بهدف تهديم قناعات معينة وإحلال أخرى في مكانها تتماشى مع مصالح الطرف الذي يشن الحملة.

وحقيقة فقد عُرفت الحرب النفسية خلال التاريخ البشري منذ أقدم العصور، ومورست بشكل بدائي بادئ الأمر، فقد نُقل إلينا أنّ بعض قبائل الازتيك في أمريكا الوسطى بدولة المكسيك عندما يجتاحهم عدو يقومون باصدار أصوات مخيفة جدا عن طريق جماجم بشرية، فيجعلون ثقبا في مؤخر الجمجمة وينفخون فيه الهواء بقوة، ليصدر صوتاً يسبب الذعر في صدور الأعداء، وقدّر الخبراء الذين عاينوا تلك الصافرة التي هي عبارة عن جمجمة إنسان بأنّ الصوت الذي تصدره أقوى مئة مرة من صوت إنسان يصرخ، مما يضطر الغزاة في غالب الأحيان إلى التراجع والانسحاب اعتقادا منهم أنّ هذه الأصوات المرعبة تصدر من قبل أرواح شريرة، وأنّها ستهلكهم اذا ما تجرؤوا واقتربوا منها، وهذا نوع من أنواع الحرب النفسية تحت مسمى "التخويف"، وقريب من ذلك ما قام به ملك الفرس "قمبيز" عندما تصدّى للجيش المصري وهزمهم بكل سهولة، حيث أمر برسم أشكال لقطط على دروع جنوده ووضعهم في الصف الأول، وحينما تقدّم الجيش المصري بقيادة "بسماتيك الثالث" رأوا تلك القطط مرسومة على دروع الجنود فلم يتمكنوا من الهجوم خوفا من نذير الشؤم الذي قد يصيبهم إذا ما اعتدوا على تلك الرموز المقدسة عندهم، فقد كانت لها مكانة عظيمة كما أنها محلّ اجلال وهيبة بالنسبة لهم، ولا تزال بعض الطرق تستعمل حتى يومنا مثل هذه للتخويف ونشر الرعب والهلع وإن كان في زمننا الراهن أضحت أكثر تطورا وتعقيدا وأقوى تأثيرا في النفوس.

يندرج ضمن هذا أيضا ما كان يقوم به المغول إبّان اجتياهم لكثير من دول آسيا والدول الإسلامية آنذاك، فقد اعتمدوا على الحرب النفسية بشكل فعال، وكانوا ينشرون الشائعات ويبثون الرعب في نفوس أعدائهم، وقد استسلمت لهم بالفعل كثير من الحصون حتى قبل الاغارة عليها، بسبب ما كان يصل إليهم من قصص وشائعات بأن المغول يذبحون كل من يقف في طريقهم، ولا حل معهم إلا الاستسلام والانقياد التام، كما استخدم شارل مارتل قائد الفرنجة أسلوب الشائعات، عندما بثّ عملائه بأنّ الغنائم التي بحوزة المسلمين تتعرض للنهب والسرقة، فسارع الجنود المسلمون إلى معسكرهم لتفقد حقيقة الأمر، تاركين المعركة والجيوش الافرنجية التي كانت تتربص بهم، فتبعهم شارل وجنوده وكبّدوهم خسائر كبيرة.

ومن أغرب ما حدث في تاريخ الحرب النفسية ما قام به ملك الصين القديمة المدعو جوجيان الذي كان يضع في الصف الأول عددا من جنوده الأوفياء ويأمرهم بقطع رقابهم بأيديهم، الأمر الذي يسبب صدمة لدى جنود عدوه، حينها يهجم جوجيان قبل أن يفهم العدو ما يحدث أمامه، وقد حدثت نفس هذه الطريقة خلال العصور الوسطى حيث كان أحد ملوك أوروبا يستخدم المحكوم عليهم بالإعدام في الصفوف الأولى ويقومون بقطع رقابهم بأيديهم، هذا بعد أن يعمل لهم غسيل دماغ ويقنعهم بأنّهم بفعلهم هذا يقدّمون تضحية كبيرة للوطن والأمة، وسيعيش بفضل صنيعهم هذا أبنائهم وذويهم في أمن وأمان، ويتضح لنا مما سبق ذكره من المثالين التاليين بأنّ الهدف من وضع هؤلاء الجنود لقطع رقابهم بأيديهم في أول الصف بسبب ما سيسببه ذلك من صدمة وارتباك في صفوف الأعداء، وعندها تحين أفضل فرصة للانقضاض والهجوم عليهم، فدائما الصدمة الأولى تترك أثرا بالغا في النفس، وهي التي تحدد نجاح الهجوم من عدمه، وتمارس ضغطا قويا على العدو مما يضطره لفعل أشياء غير منظمة وغير مدروسة، وفقدان الثقة والشعور بالهزيمة حتى قبل بدء المعركة فعليا.

سنتجاوز عتبات التاريخ الموغلة في القدم ونتقدم إلى وقت ظهور الإسلام، فقد شهدت الفترة المكية والمدنية إبّان حياة النبي صلى الله عليه وسلم حربا نفسية ضارية متعددة الجبهات والتقنيات، فأول الأمر عندما أظهر النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة الدعوة وجهروا بها، بدأت الآلة الإعلامية لقريش بالعمل، فنشروا الشائعات بأنّ النبي مجنون تارة، وتارة أخرى بأنه شاعر، وهو الذي يأخذ الآيات الموجودة في القرآن من كتب قديمة لليونايين والهنود، ثم بعد أن بائت أفعالهم تلك بالفشل، انتقلوا الى تقنية جديدة وهي "الإغراء" بأن خيروا النبي بين الملك والجاه والمال، على أنّ يكفّ هو وأصحابه عن دعوة الناس على أن يضمنوا لهم الحق الكامل في ممارسة شعائرهم الدينية بشكل فردي، فجوبه إغرائهم بالرفض التام، فلم يتوقفوا حينها وغيروا الخطة باستخدام تقنية "الترهيب"، فعذبوا كل من له صلة بمحمد وصحبه، وضيّقوا عليهم وحرموهم من ذويهم وتجارتهم وحرقوا ممتلكاتهم، حينها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه من المؤمنين بالهجرة لتفادي هذه الحملة الشعواء من الترهيب الممنهج.

يظهر لنا جليا خطورة الشائعات والحرب النفسية ومدى قدرتها على اختراق الصفوف وبث القلائل والفتن، وقد قالت العرب قديما: لا تحسبّن الحرب سهما مغفرا.. ولكن سلاح الصائلين عقولُ.. كما أنّ تأثير الشائعات يمكن أن يدوم لعشرات ومئات السنين.. وقد رغبتُ في إيراد التجربة النازية مع الحرب النفسية ولكن المقال لم يتسع لأكثر من هذا العرض.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة