مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
107

زومبي الواقع.. موتى الروح أحياء الجسد!

26/5/2019

في العموم نحن نملك قدرة مذهلة لاستخدام الأشياء في غير محلها، نمسح الزجاج بأوراق الكتب، نكتب على المناديل، نقرأ من الفناجين، ترتدينا ملابسنا بدلاً من أن نرتديها، تقودنا سيارتنا الفارهة بدل أن نقودها.. تعيش الحياة فينا حرفياً.. بداخلنا تماماً بينما تلوذ أنت المغبون صباح مساء بدعوات الرجل الصالح "اجعلها في يدي.. لا في قلبي".

 

إلا أنها وبرغم ذلك تظل هناك.. تتكاثر بثبات وتحتل الدواخل.. فبدلاً من أن تكون في الخارج لكي نعيشها.. هي الآن في الداخل بكل ما فيها من أطماع وشهوات، تحتل مكامن الروح.. تقتلها وتجعلنا كما الزومبي.. موتى أحياء.. موتى الروح أحياء الجسد! الملابس، المنازل، الطعام، السيارات وكل شيء صار يحمل في داخله حمولات ثقافية ووظيفة متخيلة تتجاوز حقيقته والغرض الأساسي الذي خلق لأجله، تستخدمنا الأشياء والأدوات بدلاً من أن تكون هي التي في خدمتنا، يمكن نلاحظ هذا في كل مسارات الحياة التي نعايشها يومياً، رمضان مثلاً عندما هل علينا قبل أسابيع أراهن أن معظم البيوت العربية هرعت لشراء أدوات منزلية جديدة برغم أن القديمة ما زالت بحال جيدة، هاتفك الذكي الذي لا يقضي معك إلا أسابيع قليلة ومن ثم تستبدله بآخر جديد ودون أي ميزات حقيقية سوى أنه جديد..!

 

على المرء أن يدرك القيمة الحقيقية للأشياء.. أن يدرك أن مجرد إدعاء السعادة أو إيهام الآخرين بأنه يحوزها لن يجلب عليه في المحصلة إلا مزيداً من البؤس والتوهان

ربما يجادل البعض بأن الرأسمالية نجحت في إفراغ الحياة من معناها ومحتواها، وحولتها لأرض نفاق كبيرة يمكن فيها شراء كل شيء، من الأثاث الفخم والأزياء الراقية إلى السعادة والسلام الروحي.. كل شيء يكاد يكون موجود في دكان العالم الجديد أو على الأقل هكذا نتوهم، فلقد نجحت الرأسمالية في إقناعنا بذلك، لكن في الحقيقة ما كان لهذه الرأسمالية أن تنجح في ذلك لو أنها لم تجد لها في داخلنا أرضاً صلبة وأوتاراً مهيأة منذ البداية لتهتز..

 

هذه الأوتار في رأيي هي الرغبة في إبهار الآخرين، كافكا التقط هذا الحقيقة مبكراً في كتاباته لكنه مال إلى تفسيرها بشكل خاطئ إذ كان يقول أن جزء كبير من معاناتنا هو بسبب وجود الآخرين، في حين أن الصحيح هو أن معظم مشاكل العالم تكمن في "وجود الآخرين في رؤوسنا" وليس في مجرد وجودهم الفيزيائي من حولنا، تكمن كل المأساة الإنسانية في المكانة المتوهمة التي نفترضها لأنفسنا عند الآخرين، ثم نمضي بقية الحياة في سعي محموم لإثباتها.. وهنا بالذات تجد الرأسمالية لنفسها مكاناً مناسباً لتنمو وتزدهر ولتسوق أوهامها الخاصة عن السعادة والحياة..

 

إرضاء الناس والظهور بمظهر السعيد واللائق اجتماعياً هو ما يجعلنا نقايض الحياة الحقيقية بأوهام الرأسمالية ونرضى لأنفسنا أن نصير عبيداً للأشياء.. عبيداً وخدماً لما يطلبه الجمهور وما تفرضه الموضى العالمية.. ومواقع التواصل الاجتماعي هي رسول هذا الدين الجديد، هي السمسار الذي يبيعنا هذه الأوهام والخيالات، وفي نهاية الحياة وإذا قُدِّر للمرء أن يستيقظ من هذا الوهم سيجد نفسه قد استحال إلى جسد ميت بلا روح، جسد محاط بالكثير من الأشياء التي لم يحتج يوماً إليها في حين أنه فارغ داخلياً من كل ما هو في أَمَس الحاجة إليه..

 

لست هنا بصدد الدعوة لفرقة صوفية جديدة تلعن الدنيا وتطلق الحياة، إنما على المرء أن يدرك القيمة الحقيقية للأشياء.. أن يدرك أن مجرد إدعاء السعادة أو إيهام الآخرين بأنه يحوزها لن يجلب عليه في المحصلة إلا مزيداً من البؤس والتوهان..! طريق الخلاص هو أن يرتب المرء أولوياته ويحدد ما يريد وما لا يريد بعقلانية وقبل كل هذا وذاك أن يُخرج الآخرين من رأسه ويمنعهم من أن يشغلوا حيزاً زائداً من أفكاره..!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة