د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.5 k

فؤاد شهاب الجنرال اللبناني الذي سبق المشير سوار الذهب في تجرده

3/5/2019

كان الرئيس فؤاد شهاب (1902 ـ 1973) رئيسا منتخبا ومجمعا عليه لأنه كان من طبقة الملوك الأصلاء المترفعين عن الصغائر المحبين للشعب والساعين للعدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية وقد شهد عهده وعهد خلفه الرئيس شارل حلو ازدهار لبنان الستينات الذي ظهر إلى الوجود مع ضمور مراكز النهضة الفكرية والثقافية في القاهرة ودمشق وبغداد (بحكم العسكر) على حين بدأ هو رغم وظيفته العسكرية سياسة متزنة تستند إلى أطر فكرية على النحو الذي كان سبق إليها ديجول في فرنسا، وإذا كان لأحد فضل في نهضة لبنان في الستينات والتي امتدت إلى السبعينات فإنه هو الرئيس فؤاد شهاب على الرغم من أن الكتاب والمؤرخين لا يقولون بذلك، ذلك أنه ليس له حزب ولا ذرية ولا أشياع كما أنه من النوع النادر الذي لا يتكرر، والذي يصعب على من يتوق إلى أن يحقق مجده أن يلتزم بما التزم به هو من جدية وصراحة.

   

الرئيس فؤاد شهاب هو أول قائد للجيش اللبناني بعد الاستقلال وهو أول عسكري يتم التوافق على اختياره رئيسا للبنان، وهو ما مثل حلا لمشكلة الاختلافات المارونية الطبيعية في اختيار الرئيس اللبناني، ومن ناحية أخرى فقد جاءت الفكرة في اختياره لتمثل توافقا مع محيط الانقلابات العسكرية المحيطة بلبنان في سوريا والعراق ومصر، وذلك بعد أن صعّد كميل شمعون صراعه مع الرئيس المصري الرئيس جمال عبد الناصر الذي لم يكن في ذلك الوقت رئيسا لمصر وحدها ولا زعيما للأمة العربية وإنما كان أيضا وهو الأخطر رئيسا لسوريا وذا حدود مشتركة مع لبنان (بحكم الوحدة المصرية السورية) بل إنها الحدود البرية الوحيدة "المتاحة " للبنان مع العالم العربي والخارجي.

   

ولد الرئيس فؤاد شهاب في بيروت في 19 مارس 1902 وتخرج في المدرسة الحربية في حمص وهي المدرسة التي تخرج فيها زعماء الانقلابات العسكرية السورية السابقين عليه في تولي منصب الرئاسة ولكن في سوريا، وقد كانوا أكبر منه في السن والتخرج. كان جد جدّه هو الأخ الأكبر للأمير بشير الثاني الكبير حاكم جبل لبنان العام (1788 ـ 1840) أما والده فقد غادر لبنان متوجها إلى أمريكا بسبب الفقر ويُعتقد أنه قضى في السفينة التي كانت تُقلّه من مرسيليا إلى أمريكا، وقد عاش هو وشقيقاه فريد وشكيب في كنف والدتهم وأخوالهم في جونية، واضطر فؤاد للعمل وهو في الرابعة عشرة من عمره ثم انضم 1919 إلى صفوف الجيش الفرنسي للخدمة العسكرية لعام واحد وفي 1926 تزوج من ابنة ضابط فرنسي عامل في لبنان، لكنه لم ينجب.  في 1921 التحق الرئيس فؤاد شهاب بالمدرسة العسكرية الفرنسية في دمشق ثم ساعده انتماؤه العائلي على القبول في المدرسة الحربية، وكان هذا هو التقليد الذي فرضه الفرنسيون، وتخرج برتبة ملازم، ثم ترقى نقيبا (1929) وعُين قائدا لثكنة راشيا (1930). وبعد أن أصبح صاحب خبرة عسكرية (15 عاما) درس في المدرسة الحربية العليا في باريس وتخرج فيها 1937 ورقي إلى رتبة مقدم.

 

قبل أن تنتهي مدة ولاية الرئيس فؤاد شهاب في 1964 حاول الزعماء بكل وسيلة إقناعه بالتجديد وضغطوا عليه بكل ما أمكنهم لكنه رفض رفضا قاطعا تعديل الدستور رغم حاجة لبنان إليه

وعندما أصبحت القوات الفرنسية في لبنان تحت إمرة حكومة فرنسا الحرة بقيادة الرئيس ديجول (في أثناء الحرب العالمية الثانية) اختير الرئيس فؤاد شهاب قائدا للفرقة اللبنانية وهي الفرقة التي أصبحت نواة للجيش اللبناني بعد ذلك. وقد كُلّف بتجميع القوات اللبنانية ومنح رتبة زعيم (التي سميت فيما بعد: عميد) وعُين قائدا للجيش اللبناني وكان اسم منصبه أنه القائد الأعلى للجيش. وفي 1949 نال الرئيس فؤاد شهاب رتبة لواء فكان أول ضابط لبناني ينال رتبة اللواء. وطيلة توليه أمر الجيش كان الرئيس فؤاد شهاب ضابطا منضبطا قادرا على التحديث والتنظيم والتدريب والتأهيل وظل على علاقة جيدة بالرئيسين اللبنانيين بشارة الخوري (1946 ـ 1952) وكميل شمعون (1952 ـ 1958). ولما قويت شوكة المعارضة للرئيس بشارة الخوري في 1952 رفض الرئيس فؤاد شهاب أن ينحاز إلى أي من الطرفين الحكومة أو المعارضة وهكذا استقال بشارة الخوري، وعُين اللواء شهاب رئيسا لحكومة انتقالية تتولى تنظيم انتخاب رئيس جديد، ويذكر له أنه رفض أن يتولى الرئاسة، وأنجز انتخاب الرئيس الجديد خلال أربعة أيام وكان هذا الرئيس هو كميل شمعون.

  

في نوفمبر 1956 أسندت وزارة الدفاع إلى الرئيس فؤاد شهاب لكنه بعد أربعة أشهر آثر الاستقالة من هذا المنصب والتفرغ لمسئوليته العسكرية قائدا للجيش فحسب. وفي يوليو 1958 انتهت الملكية العراقية بالانقلاب الذي قاده عبد الكريم قاسم وهلل له النظام الناصري فانتهز كميل شمعون الفرصة ووجه طلبا رسميا علنيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية يطلب منها حماية نظامه مع أن مدته شارفت على الانتهاء. وفي نهاية ولاية الرئيس شمعون تفاقم الصراع بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر وتطورت أصداء الخلاف إلى نزاعات واشتباكات مسلّحة في الشارع، ورفض الرئيس فؤاد شهاب التدخل على نحو ما فعل في 1952 وإن كان قد حافظ في هذه المرة بقوات من الجيش على المواقع الاستراتيجية: المطار والإذاعة ومباني الحكومة.

 

انتهت التوافقات الأمريكية المصرية بين الأمريكيين والرئيس جمال عبد الناصر إلى التوافق على شخص الرئيس فؤاد شهاب ليكون رئيسا للبنان، ومن حسن الحظ أن المسلمين اللبنانيين والطوائف المسيحية الأخرى كانوا يحترمون استقامته ونزاهته، وقد التقى به الرئيس جمال عبد الناصر على الحدود اللبنانية السورية وأكد له على قبول العرب له. وفي 31 يوليو 1958 أي في نفس الشهر الذي قامت فيه الثورة العراقية اجتمع البرلمان اللبناني فأقر انتخاب الرئيس فؤاد شهاب رئيسا للبنان، وبهذا تم نزع الفتيل بين الرئيس كميل شمعون من ناحية والرئيس جمال عبد الناصر من ناحية أخرى. وقد حاول الرئيس فؤاد شهاب بعد عامين أن ينسحب من منصب الرئاسة بعد أن استقرت الأوضاع وأجريت الانتخابات البرلمانية لكن السياسيين وأعضاء البرلمان سارعوا إلى بيته وضغطوا عليه من أجل البقاء في منصبه. وفي 1961 جرت محاولة انقلابية نظمها الحزب القومي السوري الاجتماعي (حزب أنطون سعادة وجورج عبد المسيح) لكن الجيش تمكن من قمع المحاولة والسيطرة على الأوضاع. ومنذ ذلك الحين بدأت الجهود اللبنانية في تقوية أجهزة المخابرات وأمن الدولة للتغلب على أية محاولة قادمة للانقلاب العسكري في لبنان الذي بدا وكأنه أصبح متهيئا لمثل هذه الانقلابات كما هو الحال في سوريا.

  

قبل أن تنتهي مدة ولاية الرئيس فؤاد شهاب في 1964 حاول الزعماء بكل وسيلة إقناعه بالتجديد وضغطوا عليه بكل ما أمكنهم لكنه رفض رفضا قاطعا تعديل الدستور رغم حاجة لبنان إليه، بل إن الرئيس فؤاد شهاب سارع بتزكية الرئيس شارل حلو الذي كان قد أعلن نيّته للترشح للرئاسة. ومع هذا فإنه في فترة رئاسة شارل حلو لم يجد حرجا في أن ينتقد بعض سياسات الرئيس شارل حلو ومعالجاته لكثير من الملفات.

  

فلما جاءت الانتخابات الرئاسية 1970 وظن القادة اللبنانيون أن الرئيس فؤاد شهاب سيقبل الترشح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإصلاحات التي كان قد بدأها فوجئوا بأنه يرفض ذلك رفضا باتا بل ويصدر بيانا تاريخيا يبرر فيه تمسكه برأيه، وهكذا رفض فؤاد شهاب الرئاسة في 1952 وفي 1960 وفي 1964 وفي 1970 وإن كان قد قبل استمراره فيها على مضض في 1960 كما قبلها في 1958كحل لا مناص منه. وفي انتخابات 1970 دعم الرئيس فؤاد شهاب أحد المرشحين المقربين منه وهو الرئيس إلياس سركيس الذي خسر أمام سليمان فرنجية بفارق صوت واحد، وكان هذا إيذانا بانعزال الرئيس فؤاد شهاب الذي توفي في ربيع 1973 إثر أزمة قلبية، وقد شيعته قلوب اللبنانيين بكل الحب والتقدير. وعلى الرغم من أن خلفه الرئيس سليمان فرنجية كلن حريصا على أن يُنهي وجود كل التوجهات والسياسات التي بدأها الرئيس فؤاد شهاب واستمرت في عهد الرئيس شارل حلو فإن معالم النهضة في سلوكيات الرئيس فؤاد شهاب لا تزال تستنهض همم اللبنانيين للعودة إليها بعد أن ذاقوا وبال الحرب اللبنانية التي كانت في جزء منها نتيجة لتدهور الأداء الحكومي في عهد الرئيس سليمان فرنجية وهو السياسي المقتدر الذي لم يكن يؤمن بدور الدولة بقدر إيمان الرئيس فؤاد شهاب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة