د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.3 k

كيف مارس عبد الناصر الزعامة بعقلية البكباشي رغم أسطورية إعلامه؟

31/5/2019

إذا قلنا إن التاريخ لم يعرف أحدا بنى مجده كله بالإعلام والإعلام وحده على نحو ما فعل الرئيس جمال عبد الناصر فإن هذا صحيح، لكن هناك حقيقة أخرى مذهلة تتعلق بهذه الجزئية وهي أن الفرصة المتاحة بفضل هذا الإعلام كانت أكبر بكثير من الفرصة المستغلة، ستقول إن هذه الفرصة أتاحت هذه الهيبة والحضور والسمعة، وسأقول لك إنها كانت كفيلة أيضا بإتاحة النصر والنفوذ والخلود لو أنها وظفت توظيفا سياسيا لا دعائيا، ووظفت توظيفا إيمانيا لا شخصيا، ووظفت توظيفا تنمويا لا تهليليا، ووظفت توظيفا بنائيا لا انتقاديا.. لكن قدر الله وما شاء الله فعل.

 

هل تحب أن أضرب لك أمثلة دالة على مدى ما كان متاحا لهذه الآلة الإعلامية المحظوظة من حظوظ، لقد بلغ الأمر بكثرة الأناشيد القومية والوطنية أنك لا تستطيع حصرها كاملة حتى إنك إذا قلت أن عبد الوهاب لحن لأم كلثوم قبل أغنية أنت عمري عددا من الأناشيد القومية والأغاني فإنك لن تجد حصرا دقيقا لهذه الأغاني الوطنية  بسبب كثرتها ومع أن مستواها الفني كان عاليا فإن بعضها بل إن كثرة منها لا تُذكر الآن ولا تحسب في التراث على الرغم من أنها حافلة بالفن وذلك بسبب ما كان من أسباب مرحلية أو وقتية كثيرة من قبيل حرص السلطة الناصرية نفسها على إخفاء بعض تعبيرها عن بعض انحيازاتها مع تغير الظروف.. وقل مثل هذا عن أعمال فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وكل الفنانين الذين كانوا يتسابقون للغناء من أجل الزعيم، وقد تسألني هل هناك من لم يسر في هذا التيار بالحماس المعتاد فأقول لك: محمد فوزي على سبيل المثال، وتسأل عن مصيره فيقال لك: إن مصيره كان هو الفرم الذي لا رحمة فيه.

 

مع أن ضمير معجبي العالم العربي الذي أعطاه هذه الزعامة لم يكن مخطئا فإن الرئيس جمال عبد الناصر نفسه لم يكن مستعدا، ولهذا فإنه اكتفى باللقب أو السمعة من دون أن يمارس الزعامة سواء في التوسع أو في التجديد أو في بناء المستقبل

اترك مقتضيات السياسة واللياقة والدبلوماسية لأنقل عن أهل السياسة من غير العرب ما يسرون القول به وهم يضحكون من أن الرئيس جمال عبد الناصر كان قادرا بحكم هذه الشعبية أن يصل بجيوشه إلى حدود إيران مع السعودية دون أن يقول له أحد شيئا، لكنه لجأ إلى البديل الأكثر حياء وتمثيلا فانتظر أن يتحرك السلال ليورط نفسه وجيشه في التأييد المفتعل لثورات بدلا من الفتح السهل لبلاد كانت ترحب بمصر ووجود مصر. تحتوي هذه الجملة السابقة التي يتداولها العرب سرا على ما يسميه أهل السياسة والديبلوماسية بالتجاوز في الأعراف لكنها بمنطق القومية والوطنية قد تمثل الأمل الذي لم يتحقق في الوقت الذي كان متاحا له.

 

يقارن أصحاب هذا الطرح بين ما أتيح للرئيس جمال عبد الناصر في نهاية الخمسينات وما كان متاحا للملك عبد العزيز آل سعود في أول القرن فيجدون أن ما كان متاحا لعبد العزيز آل سعود لا يصل إلى 1% مما كان متاحا للرئيس جمال عبد الناصر لكن الملك عبد العزيز بن سعود بني على هذا الواحد في المائة أكثر من مائة ضعف من أحلام الرئيس جمال عبد الناصر.

 

وهنا يدخل التحليل النفسي ليقول على سبيل المثال إن الرئيس جمال عبد الناصر أدى دور الزعيم بعقلية البكباشي الشاب، وبنفسية البكباشي، وبفكر البكباشي، وأنه بلغ من إعجابه بنجاح المرحلة الأولى من مجده أنه قضى حياته يحافظ على الخطوة الأولى دون أن يتقدم خطوات أخرى، وأنه حين أتيح له أن يتقدم في سوريا واليمن والكونغو (بل وفي مصر نفسها في مطلع أزمة 1967 حين استرد حقوقا منهوبة من وطنه) فإنه سرعان ما تراجع متمسكا بما كان مقتنعا بأنه يكفيه، وهو قصر القبة في القاهرة.

 

في ضوء هذه المناقشة التي ربما تبدو الآن عبثية يمكن لنا أن نفهم أن زعامة الرئيس جمال عبد الناصر واجهت القيد والتقييد من الرئيس جمال عبد الناصر نفسه، ومع أن ضمير معجبي العالم العربي الذي أعطاه هذه الزعامة لم يكن مخطئا فإن الرئيس جمال عبد الناصر نفسه لم يكن مستعدا، ولهذا فإنه اكتفى باللقب أو السمعة من دون أن يمارس الزعامة سواء في التوسع أو في التجديد أو في بناء المستقبل.

 

وسواء قدر لك أن تكون مؤمنا بهذا الذي كتبته قبل أن تراني كتبته على هذا النحو أم لم تكن فكرت فيه على هذا النحو فإن الأمر الواقع يقول هذا بكل وضوح. وسواء اعتبرت هذا نجاحا للرئيس جمال عبد الناصر أو فشلا، أو اعتبرته تضخيما من قدره أو تقليلا من قدره، فذلك هو الواقع بكل ما فيه من ألم وأسى أو بكل ما فيه من فخر واعتزاز. وسواء وصفت هذا بأنه خيبة أو قصور أو بأنه رضا أو قناعة، فإن النتيجة واحدة وهي نتيجة كانت قاسية على الأمة العربية في لحظة مفصلية كانت قادرة على أن ترتفع بها متوحدة فإذا بها تمزقها، وتترك من آثار التمزق بصمات عميقة.

 

ولهذا فإنك لا تستطيع أن تلقي بكل اللوم على هزيمة 1967 وإنما ستجدها نتيجة طبيعية لما سبقها من الاكتفاء بالزهو بدلا من النصر، ومن الاكتفاء بالسمعة بدلا من الثروة، ومن الاكتفاء بالمهابة بدلا من النفوذ، ومن الاكتفاء بالتصفيق بدلا من النجاح.. وهكذا تحولت حقبة الرئيس جمال عبد الناصر بكل ما كان فيها من موارد ثرية ونوايا جدية (هنا أو هناك) إلى حقبة ذات طابع مظهري غطى على كل إخلاص بما في ذلك الإخلاص للمظهرية نفسها، بما في ذلك الإخلاص للجوهر والقيمة على حد سواء. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة