لهذا السبب يجب أن تقرأ كتب التاريخ!

8/6/2019

اقرأ التاريخ، اقرأه وسافر في عوالمه، كثير من الناس يأسى على العلم، ويشجب عليه قصوره، أنه لم يتوصل بعدُ إلى اختراع ماكينة السفر عبر الأزمنة، وما أربه في ذلك إلا أن يسافر عبر الماضي، أو يخوض غمار المستقبل، يعيش فترات زمانية قد تطول أو تقصر في ظل أمم بادت حضارتها، والحق أن هذه المُكنة حاضرة على قيد الوجود منذ دهر، ومنذ ظهور الكتابة على عهد السوماريين، ولكن الناس تصوروا أن هذه الآلة ليس لها بد من أن تكون من فولاذ وأزرار مضيئة بضروب من الألوان، وفنون من المعادلات المعقدة، ثم أمعنوا في تصورهم فقالوا: ليس لها أن تكون إلا آلة! وعقلية مثل هذه تخالف منهج التطور لترزح تحت مغالطة مفادها أن العلم ينبغي أن يكون على هذا التمثل الذهني وإلا فلا علم ولا تطور، لم يخطر في بال هؤلاء ذات يوم أن تكون مكنة الزمن هذه عبارة عن حبر وورق، على رفوف المكتبات مصفوفة على امتداد خط الزمن.

اقرأ التاريخ وسافر، اقرأه لتتحرر من قوقعتك، لترى العالم من زاوية مختلفة، لتبتعد عن محور ذاتك هذا المهلك، أعدك أنك ستخلع عنك شرنقة الفكر الضيق، وعوضا عن تلك الشرنقة، ستجد عالما لم يكن ليخطر في بالك أنْ قد وجد أصلا، أول شيء عند قراءتك لبعض منه، ستقول: من أنا؟ من أكون؟ وهل لوجودي أي خطر على هذا الكون؟ وهل أنا إن غاضبت العالم بأسره، يعود ذلك بالضرر على التبانة؟ أو أنا لو حزنت تكدر لحزني صفاء القمر؟ أو لو أني في حمى الدلال قررت معاداة الدنيا انتكست الإنسانية في جانب من جوانبها، أو كان وجه التاريخ لذلك السبب جديرا بالتحول عن جهته؟ من أكون؟

يا الله! أيعقل هذا؟ من أعلى مراتب السناء إلى تشريد بالنفي، لا تعجل، بل اسمع لقوله عندما أحرق المعتضد بن عباد والد المتعمد آخر ملوك الطوائف

أأكون أعلى خطرا من مؤلف طوق الحمامة، ابن حزم الظاهري؟ هذا الذي دبجت عنه كتب التاريخ أقوالا فقيل عنه: "صاحب حديث وفقه وجدل، وله كتب كثيرة في المنطق والفلسفة لم يخل فيها من غلط"، وقد زيد فقيل: "كان أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار..." بل قيل عنه أعظم من ذلك وأجل، فاسمع: "الوزير العالم الحافظ بن حزم الفارسي، وشهرته تغني عن وصفه..." ومع كل هذا من المناقب العليا، والصفات السامية، انظر وابحث عن جوانب الإنسان في هذا الرجل، أهو على حاله دائما في سموق الجبال، ورسوخ الأشجار، وصمت الصخر، وعز الرجال، فتحت له الدنيا عن مصراعي حضنها، فلم تفلته أبدا، تمرغ في عيش الترف، وعاش حياة بالعرض والطول في بلاط السلاطين مطمئنا هادئ البال ساكن الريح، وكأن هاتفا من السماء هتف في روعه: "أن احيا هنئيا مريئا ما شئت وشاء لك الهوى"!

لا، ليس هذا من طبع الأشياء، ولا هو سنن الكون، ولا هو من نواميس الأقدار، بل لا محيص عن الانتكاسات، ولا مناص من مكابدة الألم، بل إن العيشة التي عاشها هذا الرجل أفظع وأقسى وأشد فتكا مما قد يخطر على البال، وهي يوم رفعت سوطها لم تترك موضعا من جسده إلا أحرقته بلهب الجَلد، لا تحابي في الوحشية أحدا، ساميا أو وضيعا، فقيرا أو وزيرا، وليكن بعد ذلك سلطانا أو وزيرا، أو خليفة أو أميرا، أو زوج ملك أو ملكا بكل عظمته، بل فليكن فوق ذلك عالما تقيا ورعا لا يخشى في الله لومة لائم، اقرأ التاريخ لتعلم أن ابن حزم الظاهري لم ينج من فتك الدهر، وليس بين نعيمه في الترجمة وشقائه سوى حرف عطف، "وشهرته تغني عن وصفه" أليس هذا ما نقله المقري عنه في نفح طيبه؟ ثم لم يلبث أن قال بعد ذلك مباشرة: "وتوفي منفيا بقرية من بلد لبلة"! يا الله! أيعقل هذا؟ من أعلى مراتب السناء إلى تشريد بالنفي، لا تعجل، بل اسمع لقوله عندما أحرق المعتضد بن عباد والد المتعمد آخر ملوك الطوائف تواليفه:


دعوني من إحراق رق وكاغد
وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس، بل هو في صدري

يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل إن أنزل ويدفن في قبري.


بل اسمع أيضا لقوله الذي رق حتى لتحسبه هاتفا من وراء الغيم يصدع بالحكمة، يقول وهو يخاطب ابن عمه الذي أساء إليه وخصه بالإذاية ورماه عن قوس القطيعة بسهم عُتق في السم دهرا: "سمعت وأطعت لقوله تعالى: "وأعرض عن الجاهلين"، وأسلمت وانقدت لقول نبيه عليه الصلاة والسلام: "صل من قطعك، واعف عمن ظلمك"، ورضيت بقول الحكماء: "كفاك انتصارا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه...". أرأيت أيها القارئ، من ذا الذي كان يستطيع تكهن عالم الغيب ليخبرنا بحال ابن حزم؟ هذا العالِم الأشم الذي أمتع أجيالا وأجيالا بطوق حمامته، من كان يستطيع ذلك لولا آلة الزمن هذه المشَكلةُ لا من فولاذ ومعادلات، بل من حبر وورق؟! إثر كل هذا الذي مر، هل ستقرأ وتسافر؟ وهل ستحقق شيئا من قولهم في المثل: "من أجدب انتجع"؟.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة