مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
208

رسائل ثورية.. حتى يكون البشير آخر الطغاة

4/5/2019

إن ما يجعلنا نكرر الفعل بنفس الطريقة ونتوقع نتائج مختلفة ليس هو الغباء كما قال آينشتاين، بل هي الحساسية والعاطفة المفرطة التي نملك منها الكثير كشعب سوداني، العاطفة المتطرفة التي تجعل من إمكانية النقد الموضوعي أمراً محرماً ومستحيل الحدوث ما دامت المعركة جارية والحدث مستمراً، ناسين أن هذه اللحظات هي بالذات التي تحتاج -وبصورة ملحة- إلى النقد والتصويب إن أردنا الانتصار في معركتنا وإن أردنا أن يكون البشير هو آخر الطغاة الذين تسلطوا علينا.

 

إن ما يشق الصف الوطني حقاً يا شعبي العزيز ليس النقد البناء إنما الطاعة البهائمية العمياء والتقديس غير المبني على أسس موضوعية، يجب أن نتعلم منذ الآن أن نتقبل الآخر مهما كانت آراءه خارج سياق ما نتصوره، أن نتعلم أن نرتقي بخلافاتنا من شكلها الفيزيائي واللفظي الفج ونحولها إلى خلافات فكرية تُقارع بالحجة والمنطق وليس بالأيادي الطويلة الألسن المسنونة.

 

الطغاة لا ينبغي أن يسقطوا أبداً من ذاكرتنا الجمعية أيها السادة، بل يجب علينا أن نحولهم إلى فزاعات توقظ فينا جذوة الثورة والنضال كلما شرعنا في التقديس والتطبيل لأحدهم

"تعيسة هي البلاد التي تحتاج إلى ابطال" وأتعس منها تلك التي تعتقد أنها بحاجه إليهم. إن من أكبر دلائل نضج الإنسان هو إدراكه ألا تقدم يمكن أن يحدث لأمة أو مجتمع بمجهودات فردية مهما عظمت، لا يوجد سياسي بطل أو جنرال منقذ يا سادة، يجب أن نتخلص من هذه العقد النفسية والأفكار الساذجة التي مازالت متشبثة بأذهان الكثيرين منا، خاصة أولئك المرضى والمطبلين الذين اعتادوا على هذه الأدوار حتى ما عادوا يجيدون غيرها، يجب أن نتعامل بحذر مع السياسيين والجنرالات، فكل رجل على سطح الأرض بغض النظر عن صدقه ونقاءه الشخصي هو مشروع دكتاتور إذا وجد لنفسه بيئة حاضنة من المطبلين.

لذا يجب أن نجعل من التقديس قيمة محرمة في عالم السياسة لأنه الطريق الأقصر لصناعة الطغاة والجبابرة، ثم إن علينا قبل هذا وذاك أن نتخلص من ذاكرة السمكة التي لازمتنا لعقود طويلة وأن نستصحب معنا ذلك التاريخ البائس الذي أرهقنا لعقود، أن نتأمله في كل لحظة وحين، وأن نخصص لأنفسنا يوماً على الأقل في كل عام، يوم لنتذكر فيه الدكتاتورية والبؤس السياسي الذي كنا فيه.

 

أعود وأقول إن الطغاة لا ينبغي أن يسقطوا أبداً من ذاكرتنا الجمعية أيها السادة، بل يجب علينا أن نحولهم إلى فزاعات توقظ فينا جذوة الثورة والنضال كلما شرعنا في التقديس والتطبيل لأحدهم، الطاغية البشير وزمرته سيئة الذكر يجب أن يكونوا الفيروس الذي أكسبنا المناعة ضد التسلط والطغيان، لذا ينبغي أن نحتفظ بأجزاء من ذلك التاريخ المر في المتاحف والجداريات ومناهج التربية، شيء يذكرنا بالبؤس ويمنعنا من تكراره.

  

ثم يجب علينا ألا نستند كثيراً على العواطف والغضب كدافع للفعل الثوري، فهي برغم قوتها – أعني العواطف - إلا أنها لن تجعل من الثورة في هذه المرحلة بالذات فعلاً بناءً وذا بصيرة، العاطفة لوحدها لا تكفي لبناء وطن إن لم يجري عقلنتها في صورة أهداف ومنهجيات واضحة، وتذكروا أن البناء أصعب بكثير من الهدم ويحتاج لصبر طويل وتضحيات لا تقل عن تضحيات الثورة، فالأمور في الغالب ستسوء قبل أن تصبح أفضل، وهذا السوء المؤقت هو المحك الحقيقي الذي تُختبر عنده الإرادات وتنشط في ظله الثورات المضادة، فاليقظة كل اليقظة يا شباب، وتذكروا أن الضامن الحقيقي الوحيد لهذه الثورة هو الوعي، أجزاء كثيرة من الوطن الحبيب مازالت مغيبة تماماً عما يجري، بعيدة جغرافياً وتكنولوجياً عن روح الثورة ووعيها المتنامي، التحدي الحقيقي هو في الوصول إلى هؤلاء وتمليكهم الحقائق ومشاركتهم مآسيهم التي ظلت مهمشة طيلة سنيين طويلة.

   

السادة الأحزاب السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أنتم سر الخزلان الطويل الذي لازم هذا الوطن منذ استقلاله حتى اللحظة، تآمرتم كثيراً على الديموقراطية وأضعتم تضحيات الشباب في أكتوبر وأبريل، لم تكن مصالح الوطن يوماً أولوية لديكم، وإنما مصالحكم الحزبية الضيقة كانت هي الأهم في قواميسكم، لم ينسى الناس هذا التاريخ المر، لكن برغم ذلك منحوكم الفرصة مجدداً لتصححوا ذلك التاريخ الأسود وتمحوا تلك الخطايا الجسيمة التي ارتكبتموها بحق الشعب والوطن، إن لم تفعلوا فسيتجاوزكم الوعي وسيطالكم المد الثوري عاجلاً غير آجل ويسقطكم حزباً حزباً وتذكروا أن مذبلة التاريخ مازالت تتسع للكثيرين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة