هيا توركو
هيا توركو
1.5 k

مغترب.. فأتاك رمضان غريبا؟

4/5/2019

يختلف الحال بيننا قليلاً، فرمضانكم يقف على الأبواب ويطرقها بكل لطف، ليحل بعدها ضيفا خفيفا عليكم، أما رمضاننا فإنه لا يأتي، ولا يقرع الباب، بل ومهما انتظرناه على شرفات المنازل ليال طويلة فإنه لن يأت على الإطلاق، رمضاننا يأتي من الداخل، من داخل بيوتنا، من أناملنا وأفكارنا، من تلك التفاصيل الصغيرة التي تبث غذاء الروح في باطننا.

 

رمضان هنا غريب، لا أستطيع أن أميز ملامحه عن باقي الشهور، شمسه طويلة، وشاقة ومتعبة، وليله قصير جدا لا يتجاوز الأربعة ساعات، أخرج في نهاره إلى العمل فأرى الطعام بأشهى أشكاله، لكني لا أهتم، إذ أنها عقيدتي التي أنا راضية عنها تماما، وإنما ما يثير حزني هو أولئك الذين تخلوا عن رمضان فور وصولهم إلى هنا، الذين ناجوا الرحمن طيلة رحلة بحرية صعبة، وما أن وصلوا شط النجاة حتى تاهوا وضلوا، ثم لا شيء أبدا.

 

العيد، وما احتفظنا به من زيارات العائلات والجيران، وصلاة العيد وقبلة الوالدين، وثياب العيد المحفوفة بعناية تامة طيلة ليلة العيد، نتفقدها كل ساعة والأخرى، كلها أشياء ضاع بريقها هنا في الغربة

أنا أهتم بالتفاصيل التي كانت أجمل ما تبقى لي من ذاكرتي، كالطقوس الرمضانية، وفرحة الأهل، وأناشيد رمضان، وقرآن رمضان، وحلوى رمضان، وفانوس رمضان، تلك الأشياء التي شاركنا بها والدينا، وبقيت إلى يومنا هذا قابعة في ثنايا الذاكرة، لذلك حينما أتيت إلى هنا، انتظرت رمضان طويلا لأريه لأبنائي، لأريهم دعوات أبي على مائدة الإفطار، لأريهم جارنا المسحراتي الذي يقرع الطبل يوميا ليوقظنا على السحور، لكنه لم يأت أبدا، فقررت صنعه بيدي، وقطعت على نفسي عهدا ألا يمر رمضان أو العيد إلا وتكون ولادته هنا في منزلنا.

 

إن الطقوس الإسلامية المقدسة تعد مسؤولية عظمى أمامنا، إذ أنها الأمانة التي حملناها على أكتافنا حينما حملنا عتادنا وقررنا الهجرة عن الوطن، وأما عن أولادنا فإنهم الأمانة الأعظم الذين من حقهم أن ينالوا من متعة رمضان ما نلناه نحن في صغرنا، ولا شيء يساوي جمال ذاك الشعور.

 

لمة العائلة، ازدحام الموائد، وأزمات السير بعد العصر، وفراغ الشوارع أثناء الإفطار، وأصوات مكبرات المساجد في أرجاء الحي أثناء إقامة التراويح، وزيارات الجيران، وإطعام الفقراء، وتنظيف الشوارع بسواعد أهل الحي، يداً بيد، كلها تفاصيل صغيرة تأتي لذاكرتك بينما أنت قابعا على مائدتك وحيداً، تنظر إلى ساعة هاتفك تنتظر منها أن تطابق الوقت المحدد للإفطار، تنظر إلى أطفالك فتجدهم في نوم عميق، إذ أن الإفطار هنا يأتي بما يقارب العاشرة والنصف مساءً، وهذا في منتصف الليل بالنسبة إليهم، تفتح نافذتك فالشوارع فارغة، لا شيء حولك على الإطلاق يوحي بأن هذا الشهر هو رمضان، فتدرك فيما بعد أنك أمام خيارين مختلفين، إما أن تتابع حياتك بالشكل هذا، وتكون السبب في فقدان أطفالك الاستمتاع بهويتهم الدينية، أو أنك تبذل قصارى جهدك، فتحول واقعك البعيد تماما عن رمضان إلى واقع جميل مليء بالروحانيات والوجدانيات الرمضانية، وكانت الثانية قراريَ.

 

العيد، وما احتفظنا به من زيارات العائلات والجيران، وصلاة العيد وقبلة الوالدين، وثياب العيد المحفوفة بعناية تامة طيلة ليلة العيد، نتفقدها كل ساعة والأخرى، كلها أشياء ضاع بريقها هنا في الغربة، لكننا ومع ذلك حاولنا أن نصنع لها بريقاً جديداً، استبدلناها بطقوس أخرى جديدة، يستيقظ فيها أطفالي صباح العيد على أصوات التلفاز وتكبيرات العيد تصدح أرجاء المنزل، لينبهروا فيما بعد بمشهد البالونات الملونة وهي مرتصة على جدران المنزل، وعلب الهدايا كلها مرتبة في أجمل زاوية من زوايا البيت، تتربع عرش الحلوى والفوانيس المضيئة، وعبارات عيد مبارك موزعة على النوافذ، وثياب العيد مرتبة أمام الهدايا وننتظر أطفالي أيضا، كلها أمور صغيرة قد صنعتها في غربتي علني أحمل عن أطفالي قليلا من وحشة الغربة التي تلتهم الطقوس الدينية، على أمل أن أزرع في ذاكرتهم تلك اللذة النادرة التي لا تنالها الروح إلا مرتين كل عام.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة