مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
98

بلد المليون وجع.. إما حياةٌ تسر وإما فلا!

1/6/2019

لم يخرج السودانيون من أجل تحسين شروط العبودية، لم يخرجوا لكي يستبدلوا طاغية بآخر أو بوتاً عسكرياً قديم بآخر جديد، لم يقدموا الشهداء والجرحى لكي يغيِّروا الممثلين بينما مخرج المسرحية ما يزال طليقاً يصول ويجول في أرجاء المسرح السياسي بكامل حريته  والسيناريو المكتوب يسير كما يراد كما يراد له أن يكون ، لم يفتح -أبناء شعبي- صدورهم العارية للرصاص لأجل أن تتقافز  بلادهم  من جديد بين المحاور الإقليمية والدولية لتمارس ذات العمالة الرخيصة والارتزاق القديم وتعود من جديد لكي تلملم الفتات المتساقط من موائد اللئام باسم شعبها زوراً وكذباً.

 

لماذا لا يفهم العساكر أن الشعب قد قال كلمته التي لا رجعة عنها، فلا مكان لحكم عسكري جديد في السودان، لا مكان لدكتاتور آخر في بلاد النيلين، هذا العهد قد ولى دون رجعة  فلن يرضخ الشعب مجدداً لحكم الدبابات مهما كانت الأثمان المطلوب بذلها للحيلولة دون ذلك، الوعي قد تغيير، فمن الصعب اليوم خداع الشعب بذات المسرحيات، كل الشعارات القديمة قد اُستهلكت تماماً في عهد البشير، كل كروت الخداع والتآمر تساقطت تباعاً وصارت مكشوفة للجميع.

 

رأمامكم اليوم يا عسكر بلادي فرصة لا تعوّض لتكونوا أبطالاً حقيقيين في عيون شعبكم، أمامكم اليوم فرصة حقيقية لإنقاذ البلاد التي تسير على حبل غسيل مهترئ

الشعب اليوم أذكى بكثير من حكامه، ويمتلك من الأدوات السياسية ما هو أقوى بكثير من عنفوان السلطة وجبروتها، والإضراب العام الذي شهدته البلاد الأسبوع الماضي دليل أكثر من كافي على درجة الوعي والتماسك السائدة الآن، وأي سلطة مهما بلغت من القوة تفكر في مواجهته في هذه اللحظات هي في واقع الأمر تنتحر سياسياً، لا العنف ولا الخداع سينفعانها، وستسقط في النهاية كما سقط البشير.

 

فالحقيقة التي لا تخطئها عين هي أن المواعين السياسية والاجتماعية للدولة السودانية بشكلها القديم لا يمكن لها أن تستوعب الملايين من الشباب المثقف والمتجاوز في أحلامه وتطلعاته لكل الرؤى القابعة في أذهان السلطة ومثقفيها ومؤسساتها الحاكمة، هذه المرة حرفياً لا يمكن منع الربيع من القدوم مهما قطفت السلطة من الأزهار وداست عليها، الثورة بمشروعها الجديد صارت أقرب ما تكون لقدر ميتافيزيقي لا يمكن رده أو الحيلولة دون تحققه.  

 

يكفينا صراع المصالح المقيت الذي ضيع البلاد منذ الاستقلال، ستون عام عجاف قضيناها في حروب عبثية لا طائل منها، ستون عام يتحمل مسؤوليتها الجميع بلا استثناء، اليوم الثورة قد أعادت لنا التاريخ منذ البداية ومنحتنا الفرصة مجدداً للاختيار، فإما أن نختار التحليق نحو السلام أو السقوط في قاع الحروب من جديد.

 

إن فكرة الوطن  أكبر من كونها حدوداً جغرافية رسمتها لنا اتفاقية السلام الشامل أو من قبلها سايكس - وبيكو، هي أكبر من كونها نشيد علم يُكتب بأمر من طاغية أو قطعة قماش تُفصَّل حسب الطلب، هذا الوطن أكبر من أن يحكم بفوهة البندقية، وأشرف من أن يداس أبناءه بالجزم العسكرية، أشرف من يتسوَّل باسمه أحد، أو يتاجر بأحلام أبنائه حزب، أيها الساسة فلترتقوا لطموحات شعبكم ولتقدموا مصالحه على أهوائكم السلطوية المفضوحة التي بدأت تظهر جلية للعيان،  إن لم تفعلوا فسيتجاوزكم الوعي وسيطالكم المد الثوري عاجلاً غير آجل ويسقطكم حزباً حزباً وتذكروا أن مزبلة التاريخ مازالت تتسع للكثيرين.

 

أمامكم اليوم يا عسكر بلادي فرصة لا تعوّض لتكونوا أبطالاً حقيقيين في عيون شعبكم، أمامكم اليوم فرصة حقيقية لإنقاذ البلاد التي تسير على حبل غسيل مهترئ وتكاد تسقط في أي لحظة في مستنقع مليء بالوحل والدماء، السبيل الوحيد للخروج بالوطن من كل ذلك هو أن تؤمنوا لمرة واحدة بشعبكم، أن تعولوا عليه هو فقط وتنبذوا كل الأحلاف الخارجية والداخلية التي لا تراعي لأحلامه ومصالحه، أن تسلموا السلطة بكل فخر وإباء للشعب وممثليه وتعودوا مرفوعي الرأس لتمارسوا مهامكم الأصيلة في حماية الوطن والدفاع عن أراضيه، هذا هو الطريق الوحيد ودونه الدماء والخراب!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة