سري سمور
سري سمور
5.6 k

بشار الأسد يقود ثورة الإصلاح الديني!

11/6/2019

ردا على مقالي السابق (عصام العطار إنساني وأخلاقي ومن "إخوان الشياطين"!) كان ثمة ردود مختلفة أبرزها ما اعتبر الربط بين موقف العطار وهجوم الأسد على الإخوان المسلمين غير منطقي ولا مبرر له، ومنها ما أكد على أن موقف العطار موقف إنساني أخلاقي شجاع ويفصل بين الخلافات والخصومات والشعور تجاه امرأة تعاني من السرطان حتى لو كان زوجة رئيس أوغل في دماء شعبه، وهي لم تفعل شيئا ولم تقل كلمة ضد ممارساته.

 

وفي عجالة أرى أن الربط بين موقف العطار وكلام الأسد منطقي حدّ الضرورة في إطار إعادة النظر في مواقف الإخوان وطريقة خطابهم وما يحصدونه بعد تقديم بعض المواقف المجانية تحت أي شعار دون حتى أن ينالوا كفّ الألسن عنهم. أما الموقف الإنساني وعدم الشماتة وغير ذلك، فكان السكوت والصمت أقوى وأفضل، كما أنني قلت في المقال أن العفو يكون عند المقدرة، والعطار لم يتمكن من رأس الأسد حتى يعفو! وبالعودة إلى كلمة/خطاب الأسد أواخر الشهر الماضي والتي استمرت 45 دقيقة صبرت نفسي على سماعها والتي تكرر فيها ذكره لكلمة (الدين) وشرّق وغرّب.

 

(موضة) الإرهاب والإصلاح الديني
علم الأعداء والمستبدون أن القرآن الكريم والسنة محفوظة لا يمكن تحريفها، فبدأنا نسمع عن حملات ضد الأحاديث وضد رواتها، وتفسير للقرآن الكريم يتماشى مع أهواء الاستبداد المسنود بالأمريكان والروس وعموم الغرب

كلام بشار الأسد جاء على هامش افتتاح (مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرف) ولعل الأولى افتتاح محطات وقود وتوليد طاقة جديدة، أو افتتاح مراكز لإعادة تأهيل نفسي وبدني لضحايا الصراع من المواطنين، بدل ركوب هذه الموجة التي بدأت بعيد أحداث أيلول/سبتمبر 2001 -أشار الأسد في كلمته لها- حيث صار مصطلح الإرهاب عابرا للقارات ومتداولا على كل الألسن وكل يرمي خصمه به، ولكن المعتمد دوليا والذي تسري إجراءاته على دول ومنظمات وأفراد هو المفهوم الأمريكي لهذا المصطلح؛ والذي لا يمكن للمرء أن يسلخه عن حرب على الإسلام والمسلمين تحت شعار مكافحة الإرهاب والتطرف.

 

هذه (الموضة) وجدت الأنظمة المستبدة فيها بغيتها، فكثر الحديث عن الإصلاح الديني؛ وفي مطلع عام 2015 دعا عبد الفتاح السيسي إلى (ثورة دينية) ولم يتورع من مهاجمة النصوص المقدسة، وضرورة مراجعتها، بدعوى أن قدسيتها تقود إلى التطرف والقتل، ووجه دعوته بل أوامره تلك إلى علماء الأزهر! وعليه فإن الأسد ليس بعيدا عن هذه (الجوقة) التي صدّعت رؤوسنا بهذه المفردات والشعارات، وكأن المسلمين عبارة عن مجموعات من القتلة المتعصبين الذين يسفكون دماء الآخرين؛ بينما أغلب المسلمين ضحايا للتعصب، ولا أريد أن أقول ضحايا للإرهاب لأنني سئمت توظيف/تجيير هذا المصطلح في كل موضع.

 

ولقد علم الأعداء والمستبدون أن القرآن الكريم والسنة محفوظة لا يمكن تحريفها، فبدأنا نسمع عن حملات ضد الأحاديث وضد رواتها، وتفسير للقرآن الكريم يتماشى مع أهواء الاستبداد المسنود بالأمريكان والروس وعموم الغرب. وقد انتهج المستبدون نهجا جديدا منذ انتشار هذه (الموضة) يتمثل بإلقاء خطابات وتوجيه دعوات مكافحة التطرف والإرهاب وضرورة القيام بـ(ثورات دينية) وهذا هجوم على جوهر الدين واتهام للإسلام بأنه دين (ناقص) أو أن الأمة لم تفهمه، طبعا الأسد في كلمته (هو أو السيسي) لا يجرؤون على قول هذا بل يمدح ويشيد بالإسلام ويظهر أن معركته مع الإرهاب والتطرف والتعصب، ويريد من علماء الدين القيام بهذه المهمة!

 

الغريب بل الذي يستفز المرء أن الأنظمة الدكتاتورية دوما تهاجم ما تسميه (تسييس الدين) واستخدام المنابر لأغراض سياسية، ودائما لديهم تهمة معلبة جاهزة لأصحاب الانتماءات الإسلامية وهي (المتاجرة بالدين)، بينما في حقيقة الأمر فإن قادة تلك الأنظمة هم الذين يقومون بهذا، وانتقلوا بكثافة إلى منصات خطاب تتكرر فيه كلمات: دين، تطرف، إرهاب، إصلاح ديني.. حتى صاروا موضع تندّر بأنه ينقصهم ارتداء الجبة والعمامة والقعود للفتوى! وحين أقول بأنها تقليعة (موضة) هذا لا يعني أنها فقط بعض الإجراءات بل هي تساوق مع المطالب الأمريكية أو تقديم البراهين والقرابين وأوراق الاعتماد إلى العم سام، بأننا نتبنى رؤيتكم للإرهاب ومكافحته.

 

الإخوان والأزمة السورية

أما الهجوم المتكرر في ذات الخطاب على الإخوان المسلمين فيجب الانتباه إلى أن الأزمة السورية  تمظهرت بحرب ضروس استدعى فيها النظام من استدعاه، وواجهته مجموعات مسلحة بعضها ليس سورياً (مثلما استدعى نظام حلفاءه) تلك الأزمة التي بدأت بثورة وحراك شعبي أعلن الإخوان بعد أسابيع أنهم يؤيدونه ولكنهم لا يقفون خلفه ذلك أن النظام سعى لتعميم هذا المفهوم لتبرير القمع وتتذكر الشعار الشهير (لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة إنسان) وإجمالاً لا يظهر الإخوان في خريطة المجموعات والفصائل التي تقاتل أو قاتلت النظام وكان لها سيطرة على مناطق، مثل تنظيم الدولة (داعش) وجبهة النصرة (فتح الشام) وغيرها من الفصائل والمجموعات ذات الطابع السلفي.

 


وإذا كان الإخوان قد شاركوا عسكرياً في الثورة السورية فإن المؤكد هنا أن تلك المشاركة قد تأخرت، وأنها أخذت طابع دعم بعض المجموعات المقاتلة بغض النظر عن طبيعة وحجم ومصدر هذا الدعم وقد تحدثت عدة مصادر ومراكز بحثية عن هذا الأمر ولكن ما يهمني هو أن دور الإخوان العسكري على الأرض لم يكن كبيراً ومؤثراً وجذاباً. كما أن ثمة فصائل ومجموعات تحمل فكراً ينظر بريبة إلى الإخوان المسلمين وقد يصل الأمر إلى تكفير الإخوان صراحة أو ضمناً... فلماذا يهاجم الأسد الإخوان، في الوقت الذي تتهمهم المجموعات الموسوسة بالإرهاب بموبقات عدة وتراهم أهل ضلال؟ سؤال برسم الإجابة.

 

وهنالك نشاط سياسي للإخوان السوريين فيه ما هو صواب وفيه ما هو خطأ؛ فيه ما أتفق معه وفيه ما أرفضه، وهذه طبيعة تعاطي المرء مع النشاط السياسي؛ ولكن المؤكد أن نشاط الإخوان السياسي جلب لهم الاتهامات والانتقادات من شتى أطياف المعارضة السورية؛ فهناك تهمة السعي للتصالح مع النظام، وهناك من يهاجم الإخوان بأنهم راهنوا على وعود وتسريبات بوجود إجماع دولي على إسقاط الأسد، وبالتالي ذهبوا نحو خيارات ليست مفيدة للثورة السورية. وفوق هذه التهم من (الرفاق) في المعارضة يخص رئيس النظام الإخوان بهجومه واتهاماته، مرة أخرى وجب السؤال عن هذا الهجوم على الإخوان في هذا الوقت، وبحضور عدد كبير من المعممين الذين لا يملكون في حضرة (الدكتور) إلا هز الرؤوس أو الصمت المطبق... باعتباره قائد ثورة الإصلاح الديني المعاصرة في بلاد الشام!

 

الأسد يضع الإخوان والوهابية في ذات الخانة

لم تسلم ما أسماها (العقيدة الوهابية) من هجوم الأسد في ذات الجلسة والمحاضرة التي تحوّل فيها إلى مصلح ديني (طبعا مع التحفظ فالدين ليس بحاجة إلى إصلاح من الأسد أو غيره لأنه اكتمل قبل رحيل النبي صلوات الله وسلامه عليه). ولكن هل غاب عن الأسد أن الوهابية تتهم الإخوان بأقبح التهم؟ أي أن الأسد يهاجم الإخوان والوهابيين، وهؤلاء يهاجمون الإخوان حدّ الطعن في عقيدة رموزهم، فما هذا الالتقاء الأسدي الوهابي؟

 

أما حديث الأسد عن جهل بيئة الوهابية فهو لا يخرج عن سياق الاستعلاء الذي تمظهر في الدراما المصرية، وأعمال بعض كتبة مصر، والآن على لسان رئيس النظام السوري، وعماده التفاخر بحضارة ومدنية، مع نسيان أن ما يفخرون به عماده عبودية وتبعية للروم والفرس وغيرهم، بينما ظلت جزيرة العرب معافاة من هذه العبودية!

 

في نهاية الأمر فإن حديث الأسد يظهر أن النظام عصيّ على الإصلاح ويتعامل بفوقية واستعلاء و(ما أريكم إلا ما أرى) وبرأيي فإن مهاجمة الإخوان المسلمين تدل على أن النظام يدرك أنهم فعلا وعاء الوسطية والاعتدال وليس التطرف والتعصب ولديهم رؤية متكاملة ولو نظريا، بعكس المجموعات الأخرى المخترقة أو ذات الرؤية القاصرة. ومع ذلك فإن الممارسة السياسية للإخوان تظل محل نقدي ومطالبتي بمراجعات شاملة دقيقة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة