د.محمد العبدة
د.محمد العبدة
221

كيف فهم الجيل الفريد النفعية الإسلامية؟

11/6/2019

كانت السنة النبوية واضحة، وكان ما فقهه الجيل الأول من القران والسنة  واضحا أن ثمرة العلم هو العمل والتطبيق في كل ما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة الدنيا وكل ما يؤدي إلى السعادة في الآخرة. وهذا الاتجاه وهذا الفهم للدين يبعد الانسان عن الخوض فيما لا ينفعه، أو ليس من اختصاصه أو قدرته، حتى لا يضيع وقته في جدل عقيم أو خيالات لا تسمن ولا تغني من جوع. وقد تعوذ الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه من علم لا ينفع. وكانت توجيهات القرآن الكريم واضحة، فلم تقتصر الآيات على بيان الثواب أو العقاب في الآخرة بل ذكرت آثار الإيمان ومنافعه في الدنيا قبل الآخرة. وحذرت من الكفر وعدم شكر النعم وبينت أضرار ذلك في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الأعراف/96  (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء/105 (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)النحل/97

 

إن من الحياة الطيبة: التمكين في الأرض للصالحين ووفرة الخيرات في الأرض، والصحة النفسية التي تساعد على الصحة الجسدية، كما أن تطبيق الأوامر الشرعية فيه حياة للناس (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة/179 وفي المقابل يقدم القرآن أمثلة عن آثار العمل الضار. ويصف الشقاء الذي يقع فيه الذين يبتعدون عن الإيمان والأعمال الصالحة (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) طه/124 ومن اثار البعد عن الايمان تمزق المجتمعات والفرقة والشقاق (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) الأنعام/159 (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) الجاثية/21 وقد نعى الله سبحانه على المشركين أنهم يعبدون أوثاناً لا تضر ولا تنفع، وهذا يدل على منتهى الجهل وقلة العقل عند هؤلاء الأقوام (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونََ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) الأعراف/191 - 192 وقال تعالى عن قصة بني اسرائيل واتخاذهم العجل: (َفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) طه/89 وذلك لأن معيار النفع والضرر هو شيئ فطري في الانسان، فهو يختار ما ينفعه ويبتعد عما يضره، إلا إذا انحرفت فطرته فأصبح يميل إلى الأشياء الضارة.

 

أفاض القران الكريم في ذكر النعم الدنيوية التي حباها الله للإنسان كي يتمتع بها ويشكر الله عليها ويستفيد منها (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)) النحل/10-12 كما دعا الناس إلى التمتع بالطيبات (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فاطر/12  (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) النمل/60 ففي هذه الآيات اتجاه إلى الطبيعة ورؤيتها والاستفادة منها، فالمسلم ليس في صراع مع الطبيعة كما في الثقافة الغربية فالغايات العليا التي أرادها الله للانسان لها ارتباط بالعلم المادي، ومن ثم لها بعدها النفعي.

   

أساء منهج علم الكلام إلى روح الحضارة الاسلامية وثقافتها، وهذا لا يعني أن المنهج الأساسي في العلم والعمل قد غاب عن أنظار كثير من علماء المسلمين الذين كتبوا في أنحاء شتى من الفنون

كان التوجيه القراني والسنة النبوية نحو الاهتمام بالعمل وبالنتائج وليس بالبحث عما ليس في مكنة الانسان (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا  فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا) النازعات/42 فهذا سؤال عن وقتها، وهذا في علم الله سبحانه وحده، ولكن يكفي الانسان أن يعلم أنها واقعة، وأنها يوم الحساب، وعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عنها قال للسائل (ماذا أعددت لها) وذلك إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق مما فيه فائدة للسائل، وقال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) وهذا يفيد أنهم لم يجابوا إلى سؤالهم وأن هذا مما لا يحتاج إليه في التكليف، وذلك لأن الغاية من الجهود التربيوبة في الإسلام أن تحصل الاستقامة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) والمطلوب هو المعرفة النافعة التي تسهم بوضوح في سعادة الانسان في الدنيا والاخرة، وقد أعطانا الله سبحانه وتعالى العقل والفكر لنستخدمهما فيما ينفع ويفيد، روى الإمام مالك عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال: "أدركت الناس وما يعجبهم القول إنما يعجبهم العمل" (1) ويروي الإمام الزهري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه كان إذا سئل عن أمر يقول: أكان هذا؟ فإن قالوا نعم. حدَث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا لم يكن، قال: فذروه حتى يكون (2). ومن هذا الفقه العملي عند أئمة أهل السنة ما قاله الإمام مالك رحمه الله: "وأكره أن ينسب أحد حتى يبلغ آدم، ولا إلى ابراهيم ومن يخبره من بينه وبين ابراهيم؟ "(3) فهذا الامام يرى أن الانشغال بأنساب غير مؤكدة هو من الترف الفكري الذي لا يغني شيئا، وهو ينتقد الذين يذكرون النسب بالأسماء بين محمد صلى الله عليه وسلم وابراهيم عليه السلام.

 

ومن هذا الفقه قال الإمام مالك قولته المشهورة (لا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل) وقد أثنى القران الكريم كثيرا على الخاشعين في الصلاة والمعرضين عن اللغو والصابرين في البأساء والضراء والآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر والمجاهدين في سبيل الله. وقد أكدت التوجيهات النبوية على هذا المنهج وأن على المسلمين ألا يخوضوا في أمور لن يصلوا إلى إلى نتيجة، بل تؤدي بهم إلى الترف والضلال، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس يسألون يقولون ماكذا وماكذا، حتى يقولون الله خالق الناس فمن خلق الله، فعند ذلك يضلون) (4). وفي رواية البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا، من خلق كذا حتى يقول: من خلق ربَك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" وقد جاء في الأثر (تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق) "لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة والمقاييس وذلك يكون في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات، وأما الخالق جل جلاله فليس له شبيه ولا نظير، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة" (5) والله سبحانه يعرف بآثاره وصفاته وأسمائه ولايسأل عن كنهه.

  

فالمقصود التفكر في خلق الله الذي يؤدي إلى تعظيم الخالق والخضوع له ولدينه ولشرعه، وقد أحسن شيخ الإسلام عندما ذكر أن التفكر المنهي عنه هو الذي مبناه على القياس، وهذا مبدأ الانحراف عندما قاسوا الخالق على المخلوق (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) ولكن المسلمين وفي القرن الثاني للهجرة وبعد أن ترجمت كتب اليونان الفلسفية خاضوا فيما نهوا عنه، وتكلموا في الذات والصفات، نفيا للصفات وليس تعظيما لها، وخاضوا على غير منهج صحيح في مفهوم الإيمان والقضاء والقدر، وجلبوا مصطلحات يونانية، ونتج عن ذلك ما سمي   ب (علم الكلام) وقام الجدل على ساقه والردود التي لم تنته حتى الآن. لقد شقوا من النهر الأصلي ترعا من هنا وهناك، وأشغلوا الناس بما لا ينفع فلا أقاموا دينا على الوجه الصحيح ولا أقاموا دنيا، والذين يسمون فلاسفة في التراث الاسلامي مثل ابن سينا والفارابي كانوا مقلدة للفلاسفة اليونانية، وهم يفسرون الخلق بنظرية (الفيض) فالخلق تم دون قصد من الله سبحانه، ولكن فاض عنه العقل الأول كما يصدر الضوء عن الشمس؟! والمغالطة التي وقع فيها هؤلاء هي: ما دام هؤلاء اليونانيين قد أتوا بشيء مهم ومفيد في الطب والرياضيات وبعض العلوم الطبيعية فمعنى هذا أنهم أتوا بشيء صحيح في الإلهيات، وهذا غلط فاحش، فبعض الفلاسفة اليونانيين كانوا يعبدون الكواكب، و(أرسطو) يعتقد أن الإله خلق العالم ثم تركه، وهو لا يفكر إلا في ذاته، أي أن إله أرسطو مثل صانع الساعة السويسرية، وهي المغالطة نفسها التي يستعملها الأوربيون مع غيرهم، يقولون: ما دمنا نحن أقوى سياسيا واقتصاديا وعسكريا فنحن على حق فكريا وحضاريا.

 

لقد أساء منهج علم الكلام إلى روح الحضارة الاسلامية وثقافتها، وهذا لا يعني أن المنهج الأساسي في العلم والعمل قد غاب عن أنظار كثير من علماء المسلمين الذين كتبوا في أنحاء شتى من الفنون، وهو المنهج الاستقرائي الذي ينتقل من الجزئيات إلى الكليات. الذي يهتم بالتجربة الحسية واستخدام العقل للوصول إلى المعرفة، وهو المنهج الذي دل عليه القران الكريم (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل/78  وهو منهج دراسة الكون وما فيه منافع للإنسان (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَق وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) وقال تعالى (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) الكهف/51  فقد نفى دعواهم لانتفاء المشاهدة، فمن أين أتوا بتلك الدعوى؟ وكثيرا ما نسمع بعض العلماء يقولون: هذا أمر يشهد به الحس والتجربة، وبسبب استمرار هذا المنهج في التراث الإسلامي برز علماء كبار في مقاصد الشريعة وفي الطب والهندسة وسائر العلوم الطبيعية ومن هذا المنهج استقت أوروبا بداية نهضتها وهو ما عرف بالمنهج التجريبي الذي أخذه (بيكون) من الحضارة الإسلامية في الأندلس.

  

الغرب والمنهج البراغماتي

كان من نتائج المنهج التجريبي أن ظهر في بريطانيا ثم انتقل إلى أمريكا المذهب (النفعي) أو (البراغماتي) pragmatism . وكان رائد هذا المذهب أو هذه النظرية الفيلسوف البريطاني (جيريمي بنثام) (1748-1832) الذي اشتهر بالتركيز هلى حرية الفرد والحرية الاقتصادية والفصل بين الكنيسة والدولة وخلاصة هذا المذهب كما يقول أحد فلاسفته (تشارلس بيرس): " إذا كان لديك فكرة وأردت تحديدا لمضمونها فانظر ماذا عسى  أن يكون لها من من نتائج تطبيقية في دنيا العمل، قم اجمع هذه النتائج يكن لك قوام فكرتك" (6) أي أننا عوضا عن أن نتساءل عن مصدر الفكرة  وأصلها، وبعيدا عن الحتميات والأشياء الأولية فإن البراغماتية تتساءل عن النتائج، عن الثمرة، فالفكرة هي صواب إذا كانت نتائجها مما يسعف ظروف حياتنا العملية ويفيدنا في حل مشاكلنا، وليس المقصود المنفعة الشخصية، بل ما قامت التجربة على صدقها لتحسين الأوضاع العامة، يقول الفيلسوف البريطاني (فرانسيس بيكون) " إن إنفاقك في الدراسة النظرية وقتا طويلا هو ضرب من الكسل والخمول، ومحبة في الظهور..."

 

النفعية البراغماتية قد توفر النفع في ميادين ولكنها تفرز الضرر في ميادين أخرى، وهذا شيء طبيعي في كل نظرية انسانية تبتعد عن منهج النبوات والوحي السماوي وإن كان فيها جزء من الحق

ترسخ هذا الاتجاه نحو الأفكار التي لها تطبيق عملي في دنيا الواقع وابتعد عن الإغراق في التنظير أو حفظ معلومات لا تفيد شيئا في الحياة العملية، يقول أحد دعاتهم المشهور باهتماماته التربوية (جون ديوي): "بدل أن يعرف الطالب أسماء جبال منطقة المتجمد الجنوبي. نعلمه كيف يربي حيوانا أو كيف يزرع نباتا"

  

أفاد هذا الاتجاه في البلاد التي ظهر فيها أكثر من بلاد أخرى وهذا ما جعل الفيلسوف الفرنسي (غوستاف لوبون) يصف الشعب الانكليزي بأنه " ذو تصور صحيح يسمح لصاحبه بإدراك الجهة العملية في المحسوسات ولا يضل في أبحاث وهمية" (7) وهو يعني بالذين يضلون في أبحاث وهمية الشعب الفرنسي. ولكن هذا المذهب النفعي أوالذرائعي كما يوصف أيضا، وإن أفاد حين ابتعد عن التنظير الكثبر، الا أنه تطرف في الاتجاه المادي الذي لا يبالي بالمبادئ إذا كانت الفكرة تقدم له نفعا دنيويا، كما تطرف في تمجيد النزعة الفردية على حساب المجتمع، وأدخلوا الدين أيضا في دائرة النفع، يقولون: إذا كان فيه نفع لنا، يريح ضمائرنا ويبعث فينا القدرة والرجاء والخيرية ويطابق أشواقنا النفسية فلا بأس به كما يقول كبير فلاسفة البراغماتية  الأمريكية (وليم جيمس)، وهو لا يتحدث عن دين معين بل يقصد أي دين، يقول: " نحن نرى المؤمن متفائلا، مستبشرا بحياته، وهو على خلاف زميله المنكر (للدين) نراه متشائما، منقبض النفس معدوم الرجاء، فهذا يجعل لعبارة الدين معنى) أي لا بأس أن نؤمن بالله في المسائل التي لا تثبت بالتجربة العملية إن كان هذا الإيمان يساعدنا في بعض جوانب حياتنا فالحق أصبح عند (جيمس) وأمثاله هو كالسلعة، ليست قيمتها في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها، حتى أصبح مصطلح (البراغماتية) مرادفا للانتهازية.

 

إن النفعية البراغماتية قد توفر النفع في ميادين ولكنها تفرز الضرر في ميادين أخرى، وهذا شيء طبيعي في كل نظرية انسانية تبتعد عن منهج النبوات والوحي السماوي وإن كان فيها جزء من الحق. ولكن الاسلام ليس كذلك، فرغم الاعتراف بأهمية النفع المادي للإنسان، ولكن هناك مبادئ عليا التي لا تجر نفعا مادياً، مثل قول الصدق ولو أدى إلى ضرر شخصي للمسلم ومثل قول كلمة الحق أمام سلطان جائر، ومثل العمل التطوعي والعمل الخيري، والدعوي، ولو أدى إلى اضطهاد الدعاة  أحيانا وتعرضهم لأنواع الأذى ولكنهم يصبرون ويتحملون وليس وراء ذلك نفع مادي. ثم هناك أمور في الاسلام الشرع هو الذي يحدد ما هو النافع وما هو الضار وليس ما يحدده مذهب معين أو طريقة معينة، والشيئ النافع الذي يحدده الشرع هو الذي ينسجم مع التصور الاسلامي للوجود. ومع سنن الله الكونية، وإذا كانت النفعية البراغماتية توفر النفع في أمور معينة إلا أن القران الكريم يقدم أمثلة لمنافع العمل الصالح في الدنيا والآخرة.

 

يقول الشيخ ابن عاشور رحمه الله: " إن ما يشتمل عليه الكتاب والسنة من أخبار عالم الغيب إنما قصد منه لفت العقول والقلوب إلى ما وراء المحسوس حتى يؤمنوا به مجملا، ثم يقبلوا إلى تعلم علم يرجى منه دراية وعملا، إنه أجدر بأهل العلم في الأمة الاسلامية الاهتمام بتمحيص ما ينبني عليه عمل نجيح أو اعتقاد صحيح، وأن يوفروا زمانهم فيما هم اليه أحوج، فإن الزمان نفيس" (8)

------------------------------------------------------------------------

  

1-    الشاطبي: الموافقات 1/65

2-    الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/438

3-    ابن أبي زيد القيرواني: الجامع في السنن والآداب 259

4-    ابن أبي عاصم: السنة 1/293

5-    ابن تيمية، الفتاوى: م4/40

6-    زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر /44

7-    سر تطور الأمم/ 97

8-    تحقيقات في القران والسنة /158

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة